عن الكتاب
من قرطبة الأندلس، ومن قلبِ فقيهٍ عُرف بحدّة الجدل وصرامة النظر، خرجت واحدةٌ من أرقّ ما كتبته العربية في الحبّ. جمع فيها ابن حزم بين نظرِ العالِم في طبائع النفوس، وذاكرةِ الرجل الذي رأى العشق يتقلّب بأهله في مجالس الأندلس ودورها، فمزج التحليل بالحكاية، والنثر بالشعر، في رسالةٍ لا تُشبه كتب الفقه ولا دواوين الغزل. هذه هي «طوق الحمامة في الألفة والألّاف».

أبو محمد علي بن أحمد بن حزم (384 – 456 هـ) قرطبيُّ المولد والنشأة، من أعلام الأندلس على الإطلاق. نشأ في بيتِ وزارةٍ ونعمة، ثم عصفت به الفتن وتقلّبات الدولة العامرية، فذاق عزّ المُلك وذلّ التشريد، وطُوِّف به بين مدن الأندلس. كان فقيهًا ظاهريًّا صلبًا، ومتكلّمًا ومؤرّخًا وشاعرًا، حادَّ اللسان في مناظراته حتى قيل في قلمه ما يُقال في سيف الحجّاج.
وله من المصنّفات الكبار ما جعله ركنًا من أركان التراث الأندلسي، كـ«الفصل في المِلل والأهواء والنِّحَل» في مقارنة الأديان والفرق، و«المُحلَّى» في الفقه، و«الإحكام في أصول الأحكام» في أصوله. غير أنّ هذا الفقيه الصارم هو نفسه صاحب «طوق الحمامة»، الرسالة الرقيقة التي كشف فيها عن وجهٍ آخر: وجهِ العارف بالنفوس، الرحيمِ بأهل الهوى، الذي لم يمنعه علمه من أن يحكي عن قلبه.
كتب ابن حزم «طوق الحمامة» في شبابه، وهو بمدينة شاطبة من بلاد الأندلس، استجابةً لطلبِ صديقٍ سأله أن يصف له الحبّ وأحواله ومعانيه. فلم يخرج الكتاب بحثًا مدرسيًّا باردًا، بل جاء كأنه جوابُ رجلٍ لصاحبه: يحلّل ويستطرد، ويستشهد ويحكي، ويعرض من تجاربه وتجارب من عرفهم ما يجعل القارئ يشعر أنه يجالس المؤلف لا يطالع كتابًا.
وقد صرّح ابن حزم في مقدمته بمنهجه: أنه يقصر الكلام على ما رآه وعاينه أو صحّ عنده من أخبار الثقات في زمانه وبلده، فلا يُثقل الرسالة بأخبار الأوائل وأشعار المتقدّمين إلا نادرًا. وبهذا صار الكتاب، إلى جانب كونه في الحبّ، سِجِلًّا نادرًا لحياة الأندلس ومجالسها وأخلاق أهلها في القرن الخامس الهجري.
قسّم ابن حزم رسالته على ثلاثين بابًا، رتّبها ترتيبًا محكمًا يتدرّج مع الحبّ من نشأته إلى منتهاه: عشرةُ أبوابٍ في أصول الحبّ وماهيّته وعلاماته وأسباب وقوعه، واثنا عشر بابًا في أعراضه وصفاته من محمودٍ ومذموم، وستةُ أبوابٍ في الآفات الداخلة عليه، ثم يُختم ببابين ذوَي طابعٍ دينيٍّ أخلاقي: بابٍ في قبح المعصية، وبابٍ في فضل التعفف.
ففي القسم الأول يبحث في حقيقة الحبّ وعلاماته، ومن أحبّ من نظرةٍ واحدة، ومن لا يقع حبّه إلا بعد طول صحبة. وفي القسم الثاني يتتبّع أطوار العلاقة: الإشارة بالعين، والمراسلة، والسفير بين المحبَّين، وطيّ السرّ وإذاعته، والوصل والهجر، والوفاء والغدر. وفي قسم الآفات يعرض لما يعكّر الهوى من رقيبٍ وواشٍ وعاذل، والبين والسلوّ، حتى الموت أسًى.
وهذا الختام بالتعفف ليس غريبًا على مؤلّفه؛ فابن حزم فقيهٌ لم يفارقه ورعُه وهو يصف الهوى، فأراد أن يضع للرسالة حدًّا يردّ الحبّ إلى العفّة ويقف به عند حدود الشرع، فجمع بذلك بين صدق التصوير وصرامة القيمة.
ينظر ابن حزم إلى الحبّ نظرةَ العارف بالنفس قبل الشاعر؛ فيبحث في ماهيّته وأسبابه ومراتبه، ويحلّل ما يعتري المحبّ من قلقٍ وكتمانٍ وبوحٍ ورجاءٍ وقنوط، بعينٍ نافذةٍ تكاد تسبق زمانها في تشريح النفس. ولا يكتفي بالوصف العام، بل يسوق الشواهد الحيّة من رجالٍ ونساءٍ عرفهم، فيصير التحليل مشدودًا إلى لحمٍ ودمٍ لا إلى تجريدٍ خالص.
ومن ألطف ما فيه أنه لا يتحرّج من الحديث عن نفسه: يحكي عن هوًى عرفه، وعن عبراتٍ ذرفها، وعن مجالس صباه، من غير تكلّفٍ ولا ادّعاء. وبهذا الصدق العاري صار الكتاب أقرب إلى القارئ من كل ما كُتب في بابه، لأنه يخاطب تجربةً يعرفها كل قلب.
الحبُّ ــ أعزَّك الله ــ أوّلُه هزلٌ وآخره جِدّ.
يجري نثر «طوق الحمامة» سَلِسًا واضحًا، بعيدًا عن تكلّف السجع وثقل الصنعة، قريبًا من نبض المتكلّم. يعرض ابن حزم المعنى ثم يعقّبه بأبياتٍ من شعره هو في الأكثر، فتأتي القصيدة كأنها خلاصةُ الباب وعصارةُ تجربته، لا زينةً مقحمة. وهذا التزاوج بين النثر المحلِّل والشعر الوجداني هو من أبرز ما يميّز الرسالة ويمنحها إيقاعها الخاص.
ولأنّ المؤلف قصد الصدق لا التنميق، فإنّك تقرأ الرسالة فتشعر أنّ صاحبها يحدّثك مشافهةً عن أمرٍ عاناه؛ يستطرد إلى الحكاية ثم يعود إلى التحليل، ويمزج الجدّ بالطُّرفة، والعلم بالعاطفة. وهذه الحرارة الإنسانية هي سرّ بقاء الكتاب حيًّا مقروءًا بعد ألف عامٍ من كتابته.
يُعدّ «طوق الحمامة» من أشهر ما كُتب في الحبّ في التراث العربي، بل من أرفع نصوصه قيمةً أدبيةً وإنسانية. وقد بلغ من شهرته عند الدارسين، عربًا ومستشرقين، أن نُقل إلى غير لغةٍ أوروبية، ومن أشهر ترجماته الإسبانية والإنجليزية، فصار من أكثر النصوص الأندلسية حضورًا في الدراسات الغربية عن الأدب العربي.
وله فوق قيمته الأدبية قيمةٌ تاريخيةٌ نادرة؛ إذ يكاد يكون شاهد عيانٍ على مجتمع الأندلس في القرن الخامس الهجري: أخلاق الناس، ومجالسهم، وأحوال البيوت والجواري، وتقلّبات الدولة التي عاشها المؤلف. فهو يُقرأ بوصفه رسالةً في الحبّ، ووثيقةً اجتماعيةً عن عصرٍ من أزهى عصور الأندلس.
يستهوي هذا الكتاب محبَّ الأدب الرفيع، وطالبَ علم النفس في صورته القديمة، والمشغوفَ بتاريخ الأندلس وحضارتها، وكلَّ من أراد أن يرى كيف نظر العقل العربي إلى أعمق ما في الإنسان من عاطفة. وعلى رحلة تجد نصّه كاملًا مقسّمًا على أبوابه، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي بابٍ بضغطة واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا.
النص الكامل بين يديك
طوق الحمامة كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

محمد بن عبد الوهاب
1 فصل

محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)
700 فصلاً

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
335 فصلاً