عن الكتاب
في نيسابور، حاضرة العلم في المشرق الإسلامي بالقرن الثالث الهجري، جلس محدِّثٌ ورعٌ خمسة عشر عامًا يُغربل مئات الألوف من الأحاديث المسموعة، لا يُثبت في كتابه إلا ما اطمأنّ إلى صحته اتصالًا وعدالةً وضبطًا. رحل في طلب الحديث إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وجلس بين يدي كبار الحفّاظ حتى صار واحدًا منهم، ثم اختار من كل ذلك خلاصةً مصفّاة جمع فيها طرق الحديث الواحد في موضع واحد، وصدّرها بمقدمةٍ صارت أصلًا في علم الرواية. فكان من ثمرة هذا الجهد ثاني كتابٍ تلقّته الأمة بالقبول بعد كتاب الله وصحيح البخاري: «صحيح مسلم».

هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، وُلد بنيسابور في مطلع القرن الثالث الهجري نحو سنة 206 هـ، ونشأ في بيت علمٍ وثراء، فكان له من تجارته ما أغناه عن الناس وفرّغه للعلم. أقبل على الحديث صغيرًا، ورحل في طلبه رحلاتٍ واسعة إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، فسمع من أعلام الحفّاظ في عصره: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وغيرهم من الجبال الرواسي في هذا الفن.
اشتهر مسلم بالورع والتحرّي وصدق اللهجة، فكان لا يروي إلا عمّن وثق به، ولا يُثبت في صحيحه إلا ما استكمل شروط القبول عنده. وشهد له معاصروه بالإمامة والحفظ، حتى عُدّ من كبار أئمة الحديث الذين يُرجع إلى أقوالهم في التصحيح والتعليل. ومن أبرز ما طبع سيرته العلمية صحبتُه للإمام البخاري وإجلالُه له؛ فقد لازمه وأخذ عنه وانتفع بعلمه في العلل والرجال انتفاعًا ظاهرًا في منهجه.
ترك مسلمٌ مصنفاتٍ عدّة في الحديث والرجال، منها «الكنى والأسماء»، و«الطبقات»، و«التمييز» في علل الحديث، و«المنفردات والوحدان»، غير أن أشهرها وأخلدها ذكرًا هو «الجامع الصحيح» الذي عُرف باسمه فقيل «صحيح مسلم». وقد توفي بنيسابور سنة 261 هـ عن نحو خمسة وخمسين عامًا، فترك كتابًا بقي أربعة عشر قرنًا مرجعًا لأهل الإسلام في سنة نبيّهم ﷺ.
عاش مسلمٌ في القرن الثالث الهجري، وهو العصر الذهبي لتدوين السنة وتمييز صحيحها من سقيمها. كانت الأحاديث قد انتشرت وكثرت طرقها ورواتها، فقام أئمة هذا الجيل، وعلى رأسهم البخاري ثم مسلم، بمهمةٍ جليلة: انتخاب الصحيح الخالص وإفراده في كتاب. وكان مسلمٌ معاصرًا للبخاري وتلميذًا له في الوقت نفسه، فسار على أثره في الاشتراط للصحة، وأضاف إليه من ترتيبه وجمعه للطرق ما جعل كتابه مدرسةً قائمة بذاتها.
يُروى أن مسلمًا انتخب صحيحه من نحو ثلاثمائة ألف حديثٍ مسموعة، وأنه مكث في تصنيفه وتنقيحه نحو خمس عشرة سنة، يعرض ما يشكل عليه على شيوخه ونظرائه من الحفّاظ ليطمئن إلى ما يُثبته. فلم يكن الكتاب مجموعةً جُمعت على عجل، بل خلاصة عمرٍ من السماع والرحلة والمقابلة والتمحيص، صفّاها صاحبها مرةً بعد مرة حتى خرجت في صورتها التي بين أيدينا.
ومما يُذكر في سيرته موقفُه من الإمام البخاري حين نزل نيسابور ووقعت الفتنة بينه وبين بعض علمائها؛ فقد وقف مسلمٌ إلى جانب شيخه البخاري ولم يخذله، وفاءً للحق ولمن علّمه، ولو كلّفه ذلك ما كلّفه من عنت أهل بلده. وهذا الوفاء صورةٌ من صدق الرجل وثباته الذي انعكس على أمانته في كتابه.
صنّفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.
اشترط مسلمٌ في أحاديث صحيحه أن يكون سندها متصلًا برواةٍ عدولٍ ضابطين، سالمةً من الشذوذ والعلة القادحة. غير أن شرطه يختلف عن شرط البخاري في دقيقةٍ مشهورة: فالبخاري يشترط لثبوت الاتصال أن يثبت لقاءُ الراوي بمن روى عنه ولو مرة، أما مسلمٌ فيكتفي بالمعاصرة مع إمكان اللقاء، وقد دافع عن مذهبه هذا في مقدمة كتابه دفاعًا قويًّا. ولهذا يقول جمهور المحدثين إن البخاري أشدُّ تحرّيًا في هذه المسألة.
ومن أبرز ما امتاز به مسلم حُسنُ سياقه وجمعه لطرق الحديث الواحد وألفاظه في موضعٍ واحد؛ فإذا أورد حديثًا تتبّع أسانيده وتنويعات ألفاظه فساقها متتابعة، بحيث يجد طالب العلم كل ما يتعلق بالحديث مجموعًا لا مبعثرًا. وهذه ميزةٌ فضّل بها بعض العلماء صنعةَ مسلم على غيره، لأنها تيسّر الموازنة بين الروايات والوقوف على الزيادات والاختلافات في مكان واحد.
وصدّر مسلمٌ كتابه بمقدمةٍ نفيسة صارت أصلًا من أصول علم مصطلح الحديث، تكلّم فيها على وجوب الرواية عن الثقات وترك الضعفاء والمتّهمين، وعلى أقسام الرواة والأسانيد وآداب النقل. أما ترتيبه فرتّب أحاديثه على الأبواب الفقهية، بدأ بكتاب الإيمان ثم الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والبيوع وسائر الأبواب، دون أن يضع لها عناوين تفصيلية، فجاء بعده العلماء كالنووي فوضعوا تراجم الأبواب تيسيرًا للقارئ.
أجمعت الأمة على أن أصحّ الكتب بعد كتاب الله هما الصحيحان: صحيح البخاري وصحيح مسلم، وأن ما اتفقا عليه، وهو المسمّى «المتفق عليه»، أعلى درجات الحديث الصحيح. وقد تلقّى العلماء الكتابين بالقبول جيلًا بعد جيل، وجعلوهما عمدةَ من يحتجّ بالسنة، ومرجعَ من يميّز الثابت من غيره.
وفي المفاضلة بين الصحيحين ذهب الجمهور إلى أن البخاري أصحّ وأرجح، لشدة تحرّيه في اشتراط اللقاء ولدقة استنباطه الفقهي في تراجم أبوابه. غير أن طائفةً من العلماء، لا سيما بعض أهل المغرب والمشرق، قدّموا صحيح مسلم من جهة حُسن السياق وجمع الطرق وسلامة الترتيب من التكرار، حتى أُثر عن بعض حفّاظ نيسابور قولُهم إنه ما تحت أديم السماء أصحّ من كتاب مسلم في حسن سَوقِه. والتحقيق أن كلًّا منهما بحرٌ لا يُنكر فضله.
وقد وازن الإمام النووي بين المذهبين في مقدمة شرحه، فقرّر أن ما عليه الجمهور من تقديم البخاري هو الراجح، مع الاعتراف لمسلمٍ بمزايا في التصنيف والترتيب اختصّ بها. وبهذا استقرّ للكتابين مكانٌ لا يُدانى في قلوب أهل العلم، يقرن أحدهما بالآخر ولا يُستغنى بواحدٍ عن صاحبه.
اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصحّ الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان: البخاري ومسلم، وتلقّتهما الأمة بالقبول.
لم يزل العلماء يخدمون صحيح مسلم بالشرح والتعليق منذ قرون، فمن أوائل شروحه «المعلم بفوائد مسلم» للمازري، ثم أكمله وأتمّه القاضي عياض في «إكمال المعلم بفوائد مسلم»، وشرحه أبو العباس القرطبي في «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم»، وله في العصور المتأخرة «فتح المُلهِم» لشبير أحمد العثماني وتكملتُه لتقي العثماني. وكثرة هذه الشروح دليلٌ على عناية الأمة بالكتاب ومكانته في التدريس والاحتجاج.
وأشهر شروحه على الإطلاق وأكثرها تداولًا شرحُ الإمام النووي المسمّى «المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج»؛ عملٌ متوسط الحجم بديع التحرير، جمع فيه النووي ضبطَ الألفاظ الغريبة، وبيانَ المعاني اللغوية، وفقهَ الحديث ومسائل الأحكام، ونُكتًا في العقيدة والسلوك، مع تحرير الخلاف وتلخيصه في عبارةٍ سهلة. وبهذا الشرح صار الكتاب في متناول طالب العلم وعامة القارئ معًا، ولذلك اقترن اسم مسلم باسم النووي في كثير من الطبعات، ومنها هذه الطبعة المقروءة على رحلة.
أما مكانة الكتاب اليوم فأنه أحد ركنَي السنة النبوية الصحيحة؛ لا يُذكر علم الحديث إلا ويُذكر صحيح مسلم في صدارته، ولا تخلو مكتبةٌ إسلامية من نسخة منه. وقد تُرجم وشُرح ودُرّس في المساجد والجامعات، وبقي بعد أربعة عشر قرنًا سِفرًا حيًّا يعود إليه المفتي والباحث وطالب الهداية على السواء.
صحيح مسلم مرتَّبٌ على الأبواب الفقهية، فيمكنك أن تقرأه على وجهين: أن تبدأ من أوله، كتاب الإيمان، فتسير مع المصنِّف بابًا بابًا كما رتّبه، أو أن تقصد بابًا بعينه يعنيك أمرُه، ككتاب الصلاة أو الصيام أو البيوع أو الرقائق، فتقرأ ما فيه من أحاديث بأسانيدها وطرقها المجموعة في موضع واحد.
وهذه الطبعة على رحلة مصحوبةٌ بشرح الإمام النووي «المنهاج»، فحين يشكل عليك لفظٌ غريب أو معنًى دقيق تجد بيانه بين يديك، فتقرأ الحديث ثم تقرأ شرحه في مجلسٍ واحد. افتح الفهرس التفصيلي واختر الكتاب الذي تريد، وتنقّل في أبوابه بضغطة واحدة، واقرأ صحيح مسلم كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
صحيح مسلم كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
315 فصلاً