عن الكتاب
قلَّ أن يجتمع في شاعرٍ واحدٍ ما اجتمع في أبي الطيب المتنبي: فخرٌ يملأ الأفق، وحكمةٌ تجري مجرى الأمثال، وبيانٌ كأنه سيفٌ مسلول. عاش عزيزًا طموحًا، يطلب المُلك بشعره كما يطلبه غيره بسيفه، فطاف على أعظم أمراء عصره من سيف الدولة إلى كافور إلى عضد الدولة، وترك في كل بلاطٍ قصائد صارت من عيون الشعر العربي. قتلَته البادية كما تنبّأ له طموحُه، فبقي منه ما هو أبقى من المُلك: ديوانٌ حفظه الناس عن ظهر قلبٍ قرنًا بعد قرن. هذا هو «ديوان المتنبي».

هو أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، وُلد بالكوفة في محلّة كِندة سنة 303 هـ، ونشأ ذكيَّ القريحة قويَّ الحافظة، شغوفًا باللغة والشعر منذ صباه. عُرف بطموحٍ لا يعرف السقف، وكبرياءٍ تأبى الضَّيم، فحملته نفسُه الكبيرة على أن يجعل من شعره سُلَّمًا إلى المجد والولاية، لا مجرد صنعةٍ يتكسّب بها.
واختُلف في سبب لقبه «المتنبي»؛ فأشهر ما قيل إنه في فتوّته خرج إلى بادية الشام، فادّعى أمرًا بين قبائلها حتى قيل إنه ادّعى النبوّة، فحُبس ثم أُطلق بعد أن رجع عن ذلك. ومهما يكن أصل اللقب، فقد لزمه حتى صار عَلَمًا عليه، وطغى نبوغُه الشعري على كل ما سواه، حتى قال فيه النقّاد إنه شاعرٌ ملأ الدنيا وشغل الناس.
أزهى فصول حياته كانت في بلاط سيف الدولة الحمداني بحلب، حيث اتّصل به نحو تسع سنين، فنظم فيه «السيفيّات»: قصائد تمزج المديح بوصف المعارك ضدّ الروم، وتبلغ ذروة الفخر والحماسة. كانت تلك السنون عصرَ ذهبِه؛ اقترن اسمه باسم أميره، وسار شعره في الآفاق، وبلغ من المكانة ما جعل الحسّاد يدبّون بينه وبين سيف الدولة حتى فسدت الصِّلة.
فارق حلب إلى مصر طامعًا في ولايةٍ عند كافور الإخشيدي، فمدحه بأرفع ما يُمدح به الملوك، ينتظر أن يفي له بما وعد. فلمّا خابت آماله ولم يظفر بالولاية، نقض مديحه بهجاءٍ لاذعٍ صار من أشهر الهجاء في العربية، وفرّ من مصر. ثم رحل في آخر عمره إلى عضد الدولة البويهي بفارس، فمدحه ونال عنده حظوة، قبل أن يشدّ الرحال عائدًا نحو العراق.
يجمع الديوان أغراض الشعر العربي كلَّها على أعلى درجاتها: مديحٌ يرفع الممدوح إلى منزلة الأبطال، وفخرٌ يضع الشاعر فوق أهل زمانه جميعًا، ووصفٌ للمعارك والخيل والطبيعة يفيض قوّةً وصورة، وهجاءٌ يحرق، ورثاءٌ يفطر القلب كمرثيّته لجدّته وأخت سيف الدولة.
غير أنّ أخلد ما في شعره حكمتُه؛ فقلّ أن تمرّ بقصيدةٍ إلا وفيها بيتٌ يلخّص تجربةً في الحياة أو النفس أو الدهر، حتى صارت أبياته أمثالًا يتداولها الناس ولا يعرفون أحيانًا أنها له. بهذا المزيج من القوّة والحكمة والكبرياء صار المتنبي شاعر العرب الذي يُقاس عليه من جاء بعده.
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ // وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
ما من ديوانٍ عربيٍّ نُقلت أبياته وسارت مسير الأمثال كديوان المتنبي. تراه يقف في وسط قصيدة مديحٍ ليصوغ في بيتٍ واحدٍ خلاصةً عن الطموح أو الصبر أو غدر الأيام، فيعلق البيتُ في الأذهان ويتجاوز مناسبته إلى كل زمان. هذه الحكمة النافذة هي التي جعلت شعره حاضرًا على الألسنة في مجالس العلم والسياسة والحياة اليومية إلى يومنا.
وسرّ ذلك أنه لم يكن يصف الأشياء من خارجها، بل ينفذ إلى جوهرها؛ فكلامه عن العزّة والطموح والدهر صادرٌ عن تجربةٍ حيّة عاشها بنفسه، لا عن صنعةٍ متكلَّفة. لذلك تشعر وأنت تقرأ حِكَمه أنه يخاطبك أنت، بعد ألف عامٍ ونيّف، بلسانٍ لم تفقد فصاحتُه شيئًا من حدّتها.
قُتل المتنبي سنة 354 هـ قرب دير العاقول وهو عائدٌ من فارس نحو العراق، على يد فاتك الأسدي في جماعةٍ اعترضت طريقه. ويُروى أنه همّ بالفرار، فذكّره من معه ببيته المشهور في الإباء والشجاعة، فاستحيا أن يخالف شعره فكرَّ فقُتل هو وابنه وغلامه؛ فكان في مماته وفيًّا لصورة الفارس التي رسمها لنفسه في ديوانه.
ترك المتنبي أثرًا لا يُدانى في الشعر العربي؛ انكبّ العلماء على ديوانه شرحًا وتحقيقًا ونقدًا، فوُضعت فيه شروحٌ كثيرة، وأُلّفت في محاسنه ومآخذه كتبٌ ومساجلات. وظلّ عبر القرون معيارًا للشاعرية، يحفظه الصغار في الكتاتيب ويتدارسه الكبار في المجامع، فما من متأدّبٍ بالعربية إلا وله مع المتنبي وقفة.
رافقت ديوانَ المتنبي شروحٌ عظيمة عُنيت بلغته ومعانيه وأخباره، من أشهرها شرح العكبري وشرح الواحدي وشرح أبي العلاء المعري المسمّى «معجز أحمد». وهذه الشروح تفتح لك مغاليق البيت الصعب، وتردّ القصيدة إلى مناسبتها، وتكشف لك عن كنوز المعاني التي قد تخفى على القارئ في العجلة.
وعلى رحلة تجد الديوان مرتّبًا يسهل التنقّل فيه بين القصائد، تقرؤه كاملًا مجانًا. لست ملزمًا بالبدء من أوّله؛ افتح الفهرس واختر قصيدةً تشدّك، أو تتبّع أغراضه من المديح إلى الحكمة إلى الرثاء. وكلّما ألممت بشيءٍ من سيرة المتنبي وممدوحيه ازددتَ لشعره فهمًا ولحكمته ذوقًا.
النص الكامل بين يديك
ديوان المتنبي كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن