عن الكتاب
في دمشقَ التي نجت من سيوف المغول، جلس رجلٌ كُفَّ بصرُه في آخر عمره، لكنه ظلّ يرى تاريخ الأمة كلَّه بعين قلبه. جمع الحافظ الذهبي أخبار آلافٍ من الأعلام، صحابةً وتابعين ومحدّثين وفقهاء وملوكًا وشعراء، فوزنَ كلَّ رجلٍ بميزان النقد والإنصاف، لا يغلو في مدحٍ ولا يجورُ في ذمّ. ولم يكتب سردًا جافًّا للأسماء والوفيات، بل رسم للأمة سيرةً حيّةً تنبض بالعلم والعبرة، جيلًا بعد جيل. هذا هو ديوانُ التراجم الأكبر في تراثنا: «سير أعلام النبلاء».

هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، وُلد بدمشق سنة ثلاثٍ وسبعين وستمائة، من أصلٍ تركمانيّ. أما لقبه «الذهبي» فنسبةٌ إلى صناعة الذهب التي عُرفت في بيته. نشأ في دمشق زمن دولة المماليك، وطلب الحديث والقراءات صغيرًا، حتى وجّهه شيخُه المؤرّخ علم الدين البرزالي إلى السماع والرحلة، فطاف الشام ومصر والحجاز، وأدرك كبار المسندين والحفّاظ في عصره.
صار الذهبي عَلَمًا يُشار إليه بالبنان في علم الرجال والجرح والتعديل، حتى لُقّب بمؤرّخ الإسلام ومحدّث العصر. وصنّف مصنّفاتٍ صارت أعمدةً في بابها: «تاريخ الإسلام» الجامع الضخم، و«ميزان الاعتدال» في نقد الرواة، و«تذكرة الحفّاظ»، و«الكاشف»، و«العبَر في خبر من غبَر»، و«تلخيص المستدرك». وقلّ أن اجتمع لمؤرّخٍ ما اجتمع له من سعة الرواية ودقّة النقد وحُسن العبارة.
ولمّا تقدّمت به السنّ كُفَّ بصرُه، فلم يفتُر عن العلم إملاءً وتصنيفًا، حتى توفّي بدمشق سنة ثمانٍ وأربعين وسبعمائة، ودُفن بمقبرة باب الصغير. ترك وراءه مدرسةً في التاريخ والنقد ما زالت تُدرَّس إلى اليوم، وكتابًا يتصدّرها هو «سير أعلام النبلاء».
كُتب هذا الكتاب في زمنٍ حسّاسٍ من عمر الأمة. كانت بغداد قد سقطت بيد المغول قبل جيلٍ واحد، وأُحرقت خزائن كتبها، ثم ردّ المسلمون الغزو في عين جالوت، فصارت دمشق والقاهرة معقلَ العلم وحارسَ التراث. في هذا الجوّ نهض الذهبي ليجمع ذاكرة الأمة من الضياع، ويصون أخبار رجالها الذين حملوا الدين والعلم قرنًا بعد قرن.
و«سير أعلام النبلاء» وثيقُ الصلة بموسوعته الكبرى «تاريخ الإسلام»؛ فكأنّه انتقى من ذلك البحر الواسع أعلامَه البارزين وأفرد لهم تراجمَ موسّعة، يبسط فيها القول ويُصدر أحكامه النقدية. فالتاريخُ الكبير سِجلٌّ للحوادث والوفيات على السنين، وأما السِّيَر فديوانٌ للرجال أنفسهم: من هم، وما مكانتهم، وكيف يوزَنون في ميزان العلم.
ولم يكن غرض الذهبي التسليةَ بأخبار الماضين، بل تقديمَ القدوة والعبرة. فهو يختار «النبلاء» من كلّ طبقة، الأعلامَ الذين رفعهم علمُهم أو عملُهم أو موقعُهم، ليجعل من سِيَرهم مرآةً يرى فيها القارئُ سُنن الله في الناس، وثمرةَ الاستقامة وعاقبة الانحراف.
رتّب الذهبي كتابه على «الطبقات» لا على حروف المعجم؛ فالأعلام يمضون جيلًا بعد جيل بحسب أزمنتهم ووفياتهم، فتقرأ الأمة وهي تتحرك في الزمن. وترجمتُه للرجل بناءٌ محكم: يبدأ بالاسم والنسب والمولد، ثم يذكر شيوخه وتلاميذه، ثم يسوق ثناء العلماء عليه وما قيل فيه جرحًا وتعديلًا، مسندًا كثيرًا من ذلك بأسانيده، ثم يُصدر حكمه هو، ثم يختم بالوفاة.
وامتاز الذهبي بالنقد الحديثي الدقيق؛ فهو إمامٌ في معرفة الرواة، يميّز الثقة من الضعيف، ويكشف العلل، ويحرّر الأقوال المتعارضة. لكنّ أبرز ما طبع الكتاب هو الإنصاف والاعتدال: يذكر الرجل بما فيه من محاسنَ ومآخذ، لا يستهويه التعصّب لمذهبٍ ولا الهوى على مخالف، ويحفظ للأئمة أقدارهم وإن أخطؤوا في اجتهادٍ مغفور.
ومن أشهر ما قرّره في هذا الباب كلمتُه الجامعة في ترجمة محمد بن نصر المروزي، وقد صارت قاعدةً يستشهد بها أهل العلم في التعامل مع زلّات الأئمة.
ولو أنّا كلَّما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له، قمنا عليه وبدّعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابنُ نصرٍ ولا ابنُ مَنده ولا من هو أكبرُ منهما.
يفتتح الكتابُ بأشرف السِّيَر: سيرةِ النبي ﷺ، ثم الخلفاءِ الراشدين والعشرةِ المبشّرين وأهل بدرٍ والسابقين، فيُقدّم القارئَ من نبع النبوّة أولًا. ثم يمضي في الطبقات: التابعون، فأتباعهم، فمن بعدهم، حتى ينتهي عند أعلام القرن السابع الهجري، قريبًا من زمن المؤلف نفسه.
وليس أهلُ هذا الكتاب صنفًا واحدًا؛ فتحت راية «الأعلام» يجتمع المحدّثون والفقهاء والقرّاء واللغويون والمفسّرون والزهّاد والأولياء، ومعهم الخلفاء والملوك والوزراء والقادة، بل والشعراء والأطباء والنحاة. فهو معرضٌ واسعٌ لعظماء الأمة على اختلاف مشاربهم، ما يجعله أوسع دواوين التراجم مادةً وأغزرها فائدة.
وبين الترجمة والترجمة يبثّ الذهبي فوائدَه ونظراتِه: كلمةً في توثيق راوٍ، وتعليقًا على حادثة، وموعظةً في زوال الدنيا، وحكمًا في مسألةٍ من علوم الحديث. فتقرأ سيرةَ رجلٍ فتخرج بعلمٍ في الرجال، وأدبٍ في السلوك، وعبرةٍ في التاريخ، مجتمعةً في موضعٍ واحد.
صار «سير أعلام النبلاء» مرجعًا أوّليًّا لكل من كتب في تراجم الرجال وتاريخ الإسلام بعد الذهبي؛ يعتمده المحدّثون في معرفة الرواة، والمؤرّخون في ضبط الأخبار والوفيات، وطلّابُ العلم في التعرّف على أئمة كلّ فنّ. وقلّ أن يخلو بحثٌ جادٌّ في تاريخ عالمٍ من علماء المسلمين من الرجوع إليه.
وأشهر طبعاته وأتقنُها طبعةُ مؤسسة الرسالة، بتحقيق جماعةٍ من الباحثين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، صدرت في نحو خمسةٍ وعشرين مجلدًا مع الفهارس، فصارت هي النسخة المعتمدة التي يُحيل إليها أهل العلم. وقد خُدم الكتاب بالتخريج والضبط والتعليق حتى استوى مرجعًا سهل التناول.
وبعد قرونٍ من تأليفه ما زال الكتاب حيًّا في المكتبة الإسلامية، يُقرأ ويُقتبَس ويُحال إليه، لأنه ليس سِجلَّ أسماءٍ فحسب، بل ذاكرةُ أمةٍ حفظها رجلٌ أفنى عمره في صيانتها.
لست مضطرًّا لقراءته من أوّله إلى آخره؛ افتح الفهرس واقصد العَلَم الذي يهمّك، صحابيًّا تحبّه، أو إمامًا من أئمة مذهبك، أو محدّثًا تسمع اسمه كثيرًا، فاقرأ ترجمته وحدها، فهي قطعةٌ مستقلّةٌ تامّة. وكلُّ ترجمةٍ رحلةٌ قصيرةٌ في حياة رجلٍ صنع شيئًا يستحقّ أن يُذكر.
وإن شئت التمهّل، فابدأ من صدر الكتاب بسيرة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ثم انزل مع الطبقات جيلًا بعد جيل. النصُّ كاملٌ هنا مرتّبٌ على أجزائه وطبقاته كما وضعه الذهبي، مع فهرسٍ يوصلك إلى أيّ ترجمةٍ بضغطة واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
سير أعلام النبلاء كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
3806 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310ه)
71 فصلاً

أبي القاسم علي بن الحسن إبن هبة الله بن عبد الله الشافعي
1294 فصلاً

أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني
4390 فصلاً

أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: 681هـ)
33 فصلاً

أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
228 فصلاً