عن الكتاب
في بغداد التي كانت في القرن الرابع الهجري عاصمة الحديث والعلم، نبغ رجلٌ اجتمع له من حفظ الأسانيد ومعرفة خفيّ العلل ما لم يجتمع لأحدٍ من أهل عصره، حتى لُقّب بأمير المؤمنين في الحديث. لم يكن يكتب الحديث ليجمع الصحيح وحده كما صنع أصحاب الصحاح، بل ليضع بين يدي الفقيه والناقد غرائب الأحاديث وأفرادها في أبواب الأحكام، ثم يكشف عللها ويسمّي رواتها الضعفاء ويحكم على أسانيدها بميزان الجهبذ الخبير. فجاء كتابه ديوانًا لأحاديث الأحكام ومدرسةً في نقد الروايات معًا، لا يُقرأ ليُحتجّ بكل ما فيه، بل ليُتعلَّم منه كيف يُميَّز صحيح الحديث من سقيمه. هذا هو «كتاب السنن» للإمام أبي الحسن الدارقطني البغدادي.

هو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي، المعروف بالدارقطني نسبةً إلى «دار القطن»، وهي محلّةٌ كبيرة كانت ببغداد. وُلد سنة 306 هـ، ونشأ في حاضرة الخلافة يوم كانت قِبلة العلماء ومجمع المحدّثين، فطلب الحديث صغيرًا، وحُفظ عنه من دقّة الحفظ وسَعته ما سار به الرَّكب. ثم رحل في طلب العلوّ والغرائب إلى الشام ومصر، فلقي حفّاظ الأمصار وأخذ عنهم، حتى عاد إلى بغداد وقد صار حافظ المشرق غير مدافَع.
ولم يكن الدارقطني محدّثًا راويةً فحسب، بل كان جِهبِذًا ناقدًا اجتمعت له علومٌ قلّ أن تجتمع لواحد: إمامةٌ في معرفة علل الحديث وأحوال الرجال، وبصرٌ بالقراءات حتى عُدّ من المتقدّمين في تصنيفها، ومعرفةٌ بالأدب والشعر وأيام الناس. وترك من التصانيف ما يشهد بإمامته: «كتاب العلل» وهو من أجلّ ما صُنّف في بابه وأوسعه، و«المؤتلف والمختلف»، و«الضعفاء والمتروكون»، و«أطراف الغرائب والأفراد»، و«الإلزامات والتتبّع» الذي تعقّب فيه بعض أحاديث الصحيحين من جهة العلل.
وقد أطبق العلماء على تعظيمه وتقديمه، حتى لُقّب بـ«أمير المؤمنين في الحديث»، وهي رتبةٌ لا تُطلق إلا على أفراد الحفّاظ في القرون. عاش قرابة تسعٍ وسبعين سنة قضاها في خدمة السنة روايةً ونقدًا وتصنيفًا، وتوفي ببغداد سنة 385 هـ، فكانت وفاته ثُلمةً في أهل الحديث. ويكفيه أن صار اسمه عَلَمًا على التحقيق والتدقيق، يُحتجّ بحكمه على الأحاديث والرجال في كتب أهل الفنّ إلى اليوم.
كان الميدان الذي برز فيه الدارقطني على أقرانه هو «علم العلل»، وهو أدقّ علوم الحديث وأصعبها؛ إذ فيه يُكشف الخلل الخفيّ في الأسانيد والمتون مما لا يدركه إلا الجهابذة النقّاد: من إرسالٍ في موضع وصل، أو وقفٍ في موضع رفع، أو إدخال حديثٍ في حديث. وقد بلغ فيه الدارقطني الغاية، حتى صار كلامه على الحديث حجةً يُرجَع إليها، وكتابه «العلل» مرجعًا لا يستغني عنه ناقد.
وشهد له بذلك أهل عصره ومن جاء بعدهم، فجعلوه في طبقة كبار نقّاد الحديث الذين لا يُشقّ لهم غبار في فهم الرواية وتمييز صحيحها من معلولها. ومن أشهر ما قيل فيه كلمةُ الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، وكان من معاصريه العارفين بقدره، إذ قرَنه بأئمة النقد الكبار الذين انفرد كلٌّ منهم بإمامة وقته في الكلام على الحديث.
ولم تكن إمامته في النقد لتقعده عن العبادة والدين؛ فقد وُصف بالصلاح وحسن الاعتقاد، فجمع بين جلالة العلم وجلالة الحال. وبهذا الرصيد من الحفظ والنقد دخل الدارقطني إلى تصنيف «سننه»، فلم يصنعه صنيع الرُّواة الذين يجمعون ما يبلغهم فحسب، بل صنيع الناقد الذي يجمع ليمحّص، ويورد ليحكم.
أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، وعلي بن عمر الدارقطني في وقته.
رتّب الدارقطني «سننه» على أبواب الفقه كما صنع أصحاب السنن قبله؛ فبدأ بكتاب الطهارة ثم الصلاة والزكاة والصيام والحج والبيوع والأنكحة والحدود وسائر أبواب الأحكام، حتى يجد الفقيه أحاديث المسألة مجموعةً في موضعها. فهو في صورته العامة كتابُ أحاديث أحكامٍ يخدم الاستدلال الفقهي، شأنه شأن سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه.
لكنّ الذي يميّزه عن أخواته أنه لم يقصد جمع الصحيح المعمول به وحده، بل عُني عنايةً خاصةً بالغرائب والأفراد: الأحاديث التي تفرّد بها راوٍ، أو جاءت من طرقٍ عزيزة، أو دار حولها خلافٌ بين الفقهاء والنقّاد. فحشد في كتابه كثيرًا مما لا تجده في الأصول الستة، ومنه الصحيح والحسن، ومنه الضعيف والمنكر والمعلول، لأن مقصده استيعاب ما احتُجّ به أو استُدلّ به في أبواب الفقه لينظر فيه.
وهنا تظهر صنعة الدارقطني الناقد؛ فكثيرًا ما يُتبع الحديث بحكمه عليه: يبيّن تفرّد الراوي، ويسمّي الضعيف والمتروك، ويكشف الوصل والإرسال والرفع والوقف، ويرجّح بين الروايات المختلفة. فصار الكتاب في حقيقته ديوانًا للأحكام ومدرسةً في العلل معًا، يقرأ فيه طالب الفقه دليل مسألته، ويقرأ فيه طالب الحديث كيف يُنقد الإسناد ويُكشف خفيّ علّته.
يقع «كتاب السنن» في عدة مجلدات في الطبعات المحققة، تنتظم في كتب الفقه وأبوابه، وتضم عدة آلاف من الأحاديث تقارب خمسة آلاف في بعض الترقيمات، وفيها من الطرق والزوائد ما يجعله من أغنى كتب الأحكام مادةً. وكثرةُ الغرائب والطرق المتفرّقة فيه هي وجه نفعه للباحث في التخريج ومقارنة الروايات.
ومن أجل هذا نبّه أهل العلم على قاعدةٍ مهمة في التعامل مع الكتاب: أنّ وجود الحديث في «سنن الدارقطني» لا يعني بمجرّده صحته؛ لأن المؤلف قصَد جمع الغرائب والمعلولات ليحكم عليها، لا ليصحّحها كلها. فالكتاب معدنٌ للأحاديث النادرة، والحكم على أعيانها موكولٌ إلى النظر في كلام الدارقطني نفسه وكلام النقّاد بعده. وبهذا يفترق عن الصحيحين اللذين شرَط صاحباهما الصحة.
ومما يزيد الكتاب قيمةً أنه حفظ لنا كثيرًا من مرويات أهل القرون التي لم تُثبَت في غيره، وكشف عن علل أحاديثَ يُستدلّ بها في الخلاف الفقهي، فصار مرجعًا للمصنّفين في أحاديث الأحكام ومَن جاء بعده من الحفّاظ. وقد أكثر النقل عنه واعتمد أحكامه أئمةُ التخريج كالبيهقي وابن عبد البر وابن حجر وغيرهم في مصنّفاتهم.
ظلّ «سنن الدارقطني» على مرّ القرون من الكتب التي لا يستغني عنها المشتغل بالحديث وأحاديث الأحكام؛ يرجع إليه الفقهاء في أدلة المسائل، ويرجع إليه المحدّثون في الطرق والعلل، ويرجع إليه المخرّجون في تتبّع الأسانيد. وقد نال من عناية العلماء تخريجًا وتعليقًا ما يليق بمنزلته.
ومن أشهر ما خُدم به الكتاب «التعليق المغني على الدارقطني» للعلّامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، صاحب «عون المعبود»، وهو تعليقٌ نفيس يُعنى بضبط الروايات وبيان الأحكام والجمع بين كلام النقّاد. وقد طُبع الكتاب مرارًا؛ فمن طبعاته المتقدمة تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني في أربعة مجلدات، ومن أجودها وأتمّها التحقيق الذي أخرجته مؤسسة الرسالة بعناية الشيخ شعيب الأرناؤوط ومن معه، مع ضبط النصّ وتخريجه والحكم على أحاديثه.
وبهذه العناية المتصلة بقي الكتاب حيًّا متداوَلًا في حلقات العلم ومكتبات الباحثين، عنوانًا على مدرسة النقد البغدادية في أرقى صورها. ومن قرأ فيه أدرك لماذا صار اسم مؤلفه مقياسًا؛ فحين يُقال «قال الدارقطني» في تعليل حديثٍ أو تصحيحه، فإنما يُنقل قولُ إمامٍ انتهى إليه هذا الشأن في زمانه.
أفضل ما يُقرأ به «سنن الدارقطني» أن تجعله رفيقًا للباحث في أحاديث الأحكام؛ فإذا نظرت في مسألةٍ فقهية وأردت استقصاء طرقها وغرائبها، فافتح بابها في الكتاب، واقرأ ما أورده الدارقطني من روايات، ثم تأمّل تعقيباته على الأسانيد وحكمه على الرواة، فتخرج بصورةٍ دقيقة عن قوّة الدليل وضعفه.
وفي القارئ هنا تجد النصّ كاملًا مقسّمًا على كتبه وأبوابه، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي باب بضغطة واحدة، فتنتقل من الطهارة إلى الصلاة إلى البيوع من غير أن تُقلّب المجلدات. ابدأ من الباب الذي يعنيك، واستصحب قاعدة أهل العلم أنّ وجود الحديث فيه لا يُغني عن النظر في حكمه، واقرأ «كتاب السنن» للدارقطني كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
سنن الدارقطني كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل