عن الكتاب
في بلاد خراسان، حيث ازدهرت مدارس الحديث والفقه في القرن الخامس وطاف الطلبةُ على شيوخ نيسابور يلتمسون علوّ الإسناد، نشأ حافظٌ فقيهٌ جمع الله له بين دقّة المحدِّث وفهم الفقيه، فلزم أبا عبد الله الحاكم صاحب «المستدرك» حتى بذّ أقرانه وصار حُجّة عصره. رأى هذا الإمام أنّ مذهب الشافعيّ قائمٌ على السنّة، وأنّ أدلّته مبثوثةٌ متفرِّقةٌ في بطون الدواوين، فنذر عمره لجمعها وتحرير أسانيدها وترتيبها على أبواب الفقه، حتى صنّف في خدمة السنّة ونصرة المذهب ما يقارب ألف جزء، وشهد له إمامُ الحرمين بأنّ للشافعيّ عليه مِنّةً لا كسائر أصحابه. وأعظمُ ما أخرجه في أحاديث الأحكام سِفرٌ ضخمٌ جمع فيه أدلّة الفقه بأسانيدها مبوَّبةً محرَّرة، هو كتاب «السنن الكبرى» للإمام أبي بكر البيهقيّ.

هو الإمام الحافظ العلّامة أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني البيهقي، وُلد سنة أربعٍ وثمانين وثلاثمائة بقرية خُسْرَوْجِرد من نواحي بيهق قرب نيسابور. طلب العلم صغيرًا فسمع من شيوخ خراسان والعراق والجبال والحجاز، وكان أخصَّ أساتذته وأجلَّهم أثرًا فيه الحافظُ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري صاحب «المستدرك»، فلزمه وأكثر عنه حتى برع في الحديث وعلله ورجاله، وجمع إلى ذلك فقه الشافعيّ وأصوله، فاجتمع له ما تفرَّق في غيره من الحفظ والفقه والإتقان.
ولم يقتصر عطاء البيهقي على «السنن الكبرى»، بل خلّف مكتبةً كاملةً في خدمة السنّة والعقيدة والفقه؛ فله «شُعَب الإيمان» في أخلاق الإسلام وآدابه، و«دلائل النبوّة» في أعلام النبوّة وسِيرها، و«الأسماء والصفات» و«الاعتقاد» في مسائل التوحيد على مذهب أهل السنّة، و«معرفة السنن والآثار» و«السنن الصغرى» في أحاديث الأحكام، و«مناقب الشافعي» و«البعث والنشور»؛ حتى قيل إنّ جملة تصانيفه تقارب ألف جزء، وهو أمرٌ لم يُتَح لكثيرٍ من أهل زمانه.
وقد أجمع النقّاد على إمامته وسعة علمه؛ فوصفه الذهبي بأنه كان بحرًا في المعرفة بالحديث والفقه معًا، وشهد له بأنّه لو شاء أن يجتهد لنفسه مذهبًا مستقلًّا لقدر عليه لسعة علمه ومعرفته بالخلاف. وظلّ عاكفًا على التصنيف والتعليم حتى توفّي بنيسابور سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمائة، ثم حُمل إلى بلده بيهق فدُفن بها، وترك للأمّة تراثًا لا يزال طلّاب العلم عيالًا عليه إلى اليوم.
لو شاء البيهقيُّ أن يعمل لنفسه مذهبًا مستقلًّا يجتهد فيه لكان قادرًا على ذلك، لسَعة علومه ومعرفته بالاختلاف.
عاش البيهقي في القرن الخامس الهجري، وكانت نيسابور وخراسان يومئذٍ من أعظم حواضر الحديث في العالم الإسلامي، تزخر بالمحدّثين والحُفّاظ والمدارس، ويقصدها الطلبة من الأقطار لعلوّ أسانيدها. في هذه البيئة العلمية الغنيّة تكوّن البيهقي، فورث عن شيوخه ثروةً من المرويّات والأسانيد، ووعى مسائل الفقه ومواضع الخلاف بين الأئمّة، فاجتمع لديه ما يؤهّله لعملٍ جامعٍ يصل الحديث بالفقه.
وكان الباعث الأكبر على تأليف «السنن الكبرى» أنّ البيهقي رأى أدلّة مذهب الشافعيّ من الكتاب والسنّة متفرّقةً في المسانيد والصحاح والسنن، فأراد أن يجمع أحاديث الأحكام في ديوانٍ واحدٍ مرتّبٍ على أبواب الفقه، ليُظهر أنّ فقه الشافعيّ مبنيٌّ على النصّ الثابت لا على مجرّد الرأي. ولذلك عُدّ الكتاب دفاعًا عمليًّا عن المذهب من جهة الدليل، حتى قال إمامُ الحرمين الجويني كلمته المشهورة في فضله عليه وعلى المذهب، إذ خدمه بما لم يخدمه به أحد.
وقد صنّف البيهقي في هذا الباب أكثر من كتاب يكمّل بعضها بعضًا؛ فـ«السنن الكبرى» هي الأصل الأكبر الجامع بأسانيده الطوال، ثم اختصرها في «السنن الصغرى» للراغب في المتون، وأفرد «معرفة السنن والآثار» ليجمع فيه بين رواية الحديث ونقل نصوص الشافعيّ وفقهه؛ فتكاملت بذلك مصنّفاته لتخدم أحاديث الأحكام رواية ودراية.
رتّب البيهقي «السنن الكبرى» على أبواب الفقه المعروفة عند العلماء، فبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة والزكاة والصيام والحجّ، ثم المعاملات والبيوع والأنكحة والفرائض والأقضية والحدود والجهاد وسائر الأبواب، حتى استوعب أحكام الشريعة العملية على ترتيب دواوين الفقه. وبهذا يجد الفقيه والباحث أحاديث كلّ مسألةٍ مجموعةً في موضعها، فلا يحتاج إلى التنقيب عنها في بطون المسانيد المرتّبة على الأسماء.
ومن أبرز خصائص الكتاب أنّه يورد الأحاديث بأسانيدها كاملةً من البيهقي إلى منتهاها، فهو مُسنَدٌ في مادّته مُصنَّفٌ في ترتيبه؛ يجمع في الباب الواحد ما صحّ من المرفوعات، ثم يُتبعها بالموقوفات على الصحابة والآثار عن التابعين وأقوال الفقهاء، فيصير الباب سجلًّا حافلًا لكلّ ما ورد في مسألته. ولضخامة هذه المادّة بلغ ما جمعه فيه نحو أحد وعشرين ألف حديثٍ وأثرٍ بحسب طبعاته.
ولم يكن البيهقي مجرّد جامعٍ للمتون، بل كان ناقدًا محرِّرًا؛ فهو يتكلّم على الأسانيد جرحًا وتعديلًا، ويبيّن الصحيح من الضعيف، ويوفّق بين ما ظاهره التعارض، ويستنبط من الأحاديث الأحكام ويرجّح، ويثبت ما يعتضد به مذهب الشافعيّ. فجاء الكتاب موسوعةً في أحاديث الأحكام وعلومها معًا، تجمع بين الرواية والدراية في نسقٍ واحد.
يقوم منهج البيهقي في «السنن الكبرى» على العناية التامّة بالإسناد؛ فهو حافظٌ ناقدٌ لا يكتفي بسَوق المتن، بل يذكر طرق الحديث ويقارن بينها، ويحكم على رواتها، ويعلّ ما يستحقّ الإعلال، ويشير إلى الشواهد والمتابعات. وهذا ما جعل الكتاب مرجعًا في تخريج أحاديث الأحكام والحكم عليها، يرجع إليه أهل الصنعة الحديثية على تعاقب العصور.
وإلى جانب الرواية يظهر في الكتاب وجهُ الفقيه المنتصر لمذهبه؛ فالبيهقي شافعيٌّ يُبرز أدلّة الشافعيّ ويقوّيها، ويناقش أدلّة المخالفين أحيانًا، وقد أخذ عليه بعض من خالفه ميلَه إلى مذهبه في الترجيح والتضعيف. ومن أجل ذلك وضع الحافظ الحنفي ابن التركماني عليه تعليقًا سمّاه «الجوهر النقي»، ينتصر فيه لمذهب أبي حنيفة ويستدرك على البيهقي بعض أحكامه، فصار الكتابان يُقرآن متقابلين في طبعةٍ واحدة.
ومع هذا الميل المذهبيّ الذي لا يخلو منه مصنِّفٌ منتصرٌ لإمامه، بقي «السنن الكبرى» ثروةً يعتمدها الفقهاء والمحدّثون على اختلاف مذاهبهم؛ فقد عوّل عليه النووي في «المجموع» وأكثر من النقل عنه، ورجع إليه الزيلعي في «نصب الراية» وابن حجر في «التلخيص الحبير» وغيرهما من أهل التخريج، لأنّه خزانةٌ لأحاديث الأحكام وطرقها لا تكاد تُوجد مجموعةً في غيره.
احتلّ «السنن الكبرى» منزلةً رفيعةً بين دواوين الإسلام، حتى عُدّ من أجمع ما صُنِّف في أحاديث الأحكام وأغزرها بالأسانيد والآثار. وقد شهد له إمامُ الحرمين الجويني بكلمته السائرة في فضل البيهقي على الشافعيّ، ونوّه به الحُفّاظ من بعده، فصار الكتاب أصلًا من أصول المكتبة الحديثية الفقهية لا يستغني عنه باحثٌ مهما كان مذهبه.
وقد اعتنى العلماء بالكتاب اعتناءً بالغًا؛ فطُبع قديمًا في مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن من الهند في عشرة مجلدات، ونُشر معه في حواشيه «الجوهر النقي» لابن التركماني؛ ثم أُعيد نشره وتحقيقه مرارًا، ومنها تحقيق محمد عبد القادر عطا، والتحقيق العلميّ الكبير الذي أشرف عليه العلامة عبد الله بن عبد المحسن التركي وأخرجه مركز هجر باسم «السنن الكبير» في نحو أربعةٍ وعشرين مجلدًا مع الفهارس.
وبفضل هذه الطبعات صار الكتاب متداوَلًا بين طلّاب العلم في أنحاء العالم الإسلامي، يرجعون إليه في تخريج أحاديث الأبواب ومعرفة طرقها وعلَلها، ويستضيئون بجمعه العظيم لأقوال الصحابة والتابعين. فبقي «السنن الكبرى» شاهدًا على همّة صاحبه ودقّته، وعمودًا من أعمدة علم الحديث الفقهيّ لا يخلو منه بيتُ عالِم.
ما من شافعيٍّ إلا وللشافعيّ عليه مِنّة، إلا أبا بكرٍ البيهقيَّ فإنّ له على الشافعيّ مِنّة؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقواله.
لا يُقرأ «السنن الكبرى» عادةً سردًا من أوّله إلى آخره، بل يُدخَل إليه من أبوابه ومسائله؛ فإن أردت أحاديث الطهارة أو الصلاة أو الزكاة أو البيوع أو النكاح فاقصد بابه، فتجد فيه ما وردَ في المسألة من مرفوعٍ وموقوفٍ وأثرٍ بأسانيده، ومعه كلام البيهقي على طرقه وترجيحه. وأيسر طريقٍ إلى ما تريد أن تبحث عن الحديث أو المسألة بعينها في نصّ الكتاب على رحلة، فيوصلك البحث إلى موضعها بين آلاف الأحاديث في لحظات.
واقرأه قراءة المتأمِّل الذي يتتبّع الأسانيد والعلل والترجيح لا الناقلَ للمتون فحسب؛ فإنك ستتعلّم منه كيف يُخرَّج حديث الحكم، وكيف يُوازَن بين طرقه، وكيف يُبنى الفقه على السنّة الثابتة. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فادخل إليه من البابِ الذي تريد، واقرأ في أجمع دواوين أحاديث الأحكام وأغزرها بالأدلّة.
النص الكامل بين يديك
سنن البيهقي الكبرى كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل