عن الكتاب
من بين خمسمائة ألف حديث سمعها ودوّنها في رحلة طويلة بين البصرة والكوفة وبغداد ومكة ومصر والشام وخراسان، انتخب رجلٌ واحد قرابة أربعة آلاف وثمانمئة حديث، وقصد بها غايةً واحدة: أن يجمع للفقيه أحاديث الأحكام في كتاب واحد. عرضه على شيخه الإمام أحمد بن حنبل فاستحسنه، وتلقّته الأمة بالقبول جيلًا بعد جيل حتى صار ثالث الكتب الستة وأحد أركان السنة الأربعة. هذا هو «كتاب السنن» للإمام أبي داود السجستاني.

هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السِّجِسْتاني، أبو داود، وُلد سنة 202 هـ في إقليم سِجِسْتان في أطراف خراسان. نشأ طالبًا للحديث منذ حداثته، وشدّ الرحال في طلبه إلى أمهات المدائن التي كان يجتمع فيها أهل العلم: البصرة التي استوطنها أخيرًا، والكوفة وبغداد ومكة والمدينة ومصر والشام والجزيرة وخراسان. لقي في رحلته كبار المحدّثين وأخذ عنهم، حتى صار حافظًا مبرِّزًا يُشار إليه بالبنان في علم الرجال والعلل.
كان أبو داود من أخصّ تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل وأقربهم إليه، جالسه ولازمه وروى عنه مسائله المشهورة، وتأثّر بمنهجه في النقد وفقه الحديث. وقد جمع إلى سعة الحفظ بصرًا نافذًا بعلل الأحاديث وأحوال رواتها، فلم يكن مجرد ناقلٍ للأخبار، بل ناقدًا يميّز صحيحها من سقيمها ويكشف خفيّ عللها.
وصفه العلماء بأنه كان في الغاية من العبادة والورع والصلاح، جمع بين إمامة العلم وإمامة الدين. ونشأ في بيت علمٍ عريق، فابنه أبو بكر عبد الله بن أبي داود صار من كبار المحدّثين والحفّاظ بعده. توفي أبو داود بالبصرة سنة 275 هـ، وقد ترك للأمة كتابًا حمل اسمه إلى اليوم.
جاء «كتاب السنن» ثمرةً لعصر النضج الكبير في تدوين السنة، ذلك القرن الثالث الهجري الذي شهد بروز الصحيحين والسنن والمسانيد. لكنّ أبا داود لم يقصد أن يجمع كل صحيحٍ كما صنع البخاري ومسلم، ولا أن يستوعب حديث الباب كله؛ بل نذر كتابه لغرضٍ عملي دقيق: أن يجمع للفقيه والمفتي أحاديث الأحكام التي يُبنى عليها الحلال والحرام، مرتّبةً على أبواب الفقه.
وقد لخّص هو نفسه فكرة كتابه في كلمةٍ مشهورة، حين ذكر أنه كتب عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخب منها ما ضمّنه هذا الكتاب، وبيّن أن أصول الدين ومداره ترجع إلى عددٍ يسير من الأحاديث الجامعة. وبهذا صار كتابه دستورًا للمشتغل بالفقه، يجد فيه دليل المسألة قريبًا في بابه.
عرض أبو داود كتابه على شيخه الإمام أحمد بن حنبل فاستجوده واستحسنه، فكان ذلك شهادةً مبكرةً من أعلم أهل الحديث في زمانه على قيمة العمل. ومن يومها لم يزل الكتاب يزداد رسوخًا في اعتماد أهل العلم عليه، حتى عُدّ أحد الأصول التي يدور عليها الاستدلال الفقهي بالسنة.
كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمّنته هذا الكتاب، يعني السنن، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث.
رتّب أبو داود كتابه على أبواب الفقه، فبدأه بكتاب الطهارة ثم الصلاة والزكاة والصيام والحج، ومضى في المعاملات والأنكحة والحدود والأقضية والأطعمة والأدب وسائر أبواب الأحكام. وهذا الترتيب الفقهي هو سرّ نفعه للفقهاء: فمن أراد دليل مسألةٍ وجد أحاديثها مجموعةً في بابها، لا يحتاج إلى تفتيشٍ في المسانيد المرتّبة على أسماء الصحابة.
ولم يقصر همّه على جمع الصحيح فقط؛ فقد أدخل في كتابه الصحيح وما يقاربه مما يُحتجّ به أو يُستأنس، لأن مقصده أحاديث الأحكام التي عليها عمل الفقهاء، وفيها الصحيح والحسن والضعيف الذي انجبر أو تُلقّي بالقبول. لكنه لم يترك القارئ حائرًا، بل التزم أن يبيّن ما في الحديث من وهنٍ شديد إذا كان فيه ضعفٌ ظاهر، فجمع بذلك بين إيراد الحديث وبين النصح للقارئ بحاله.
ومن دقيق صنعته أنه كان يقتصر غالبًا من طرق الحديث على ما فيه زيادة فقهٍ أو حكم، ويحذف المكرّر والفضول، ويشير إلى اختلاف الرواة ويرجّح، ويعقّب على بعض الأحاديث بكلمةٍ في العلة أو في معنى الحكم. فصار كتابه مدرسةً في نقد المتون والأسانيد معًا، لا مجرد مجموعٍ للأحاديث.
ينتظم «كتاب السنن» في نحو خمسةٍ وثلاثين كتابًا كبيرًا تتفرّع إلى أكثر من ألف وثمانمئة باب، تضم قرابة أربعة آلاف وثمانمئة حديث بحسب عدّ المؤلف، وتبلغ في بعض الطبعات والترقيمات نحو خمسة آلاف ومئتين. وقد التزم في كل باب أن يورد ما يخدم مسألته من الأحاديث، مرتّبًا الأبواب على ما يوافق ترتيب الفقهاء لكتب الفقه.
وقد ترك لنا أبو داود وثيقةً نادرة تكشف منهجه بقلمه، هي «رسالته إلى أهل مكة» التي كتبها جوابًا لمن سألوه عن صنيعه في كتابه. بيّن فيها أنه اقتصر على أحاديث الأحكام، وأنه لم يكتب في الباب إلا حديثين أو ثلاثة وإن كان في الباب أحاديث صحاح كثيرة، طلبًا للاختصار. وبيّن أن ما سكت عنه ولم ينصّ على ضعفه فهو عنده صالحٌ للاحتجاج أو الاعتبار، وأن بعضها أصح من بعض.
هذه الرسالة جعلت سنن أبي داود من أوضح كتب الحديث منهجًا، إذ قلّ أن يصرّح مصنّفٌ بشروط عمله كما صرّح أبو داود. وبها استعان الشرّاح والنقّاد على فهم مقاصده، وعلى تنزيل أحكامه على أحاديث الكتاب بابًا بابًا.
احتلّ سنن أبي داود مكانةً رفيعة بين دواوين السنة، فعُدّ أحد الكتب الستة، وأحد السنن الأربعة، ويُقدَّم في الترتيب المشهور بعد الصحيحين لأنه أعنى الكتب بأحاديث الأحكام. وقد أثنى عليه العلماء ثناءً عظيمًا، ورزقه الله من القبول ما جعله مرجعًا لأهل المذاهب على اختلافهم، يحتكمون إليه في مسائل الحلال والحرام.
وقد خدم العلماء الكتاب بالشروح والحواشي، فكان أوّلها وأشهرها «معالم السنن» للإمام أبي سليمان الخطّابي، وهو شرحٌ نفيس عُني بالفقه واللغة والمعاني. ثم جاء «عون المعبود» لشمس الحق العظيم آبادي، و«بذل المجهود في حلّ سنن أبي داود» للسهارنفوري، وللإمام ابن القيم عناية بتهذيبه والتعليق عليه. وبهذه الشروح صار الكتاب متنًا حيًّا يُدرَّس ويُشرح في حلقات العلم.
ولم تنقطع عناية الأمة به إلى اليوم: يُروى بالأسانيد، ويُعتمد في الفتوى، ويُرجَع إليه في تخريج أحاديث الأحكام، ويقرؤه طالب العلم إلى جانب الصحيحين ليجمع بين معرفة أصحّ الحديث ومعرفة ما يُبنى عليه الفقه.
كتاب السنن لأبي داود كتابٌ شريف، لم يُصنَّف في علم الدين كتابٌ مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس على اختلاف مذاهبهم.
إن كنت طالب فقهٍ أو باحثًا عن دليل مسألة، فسنن أبي داود بابك القريب: افتح الفهرس واقصد الكتاب الذي يعنيك، الطهارة أو الصلاة أو البيوع أو الأنكحة، تجد أحاديث الحكم مجموعةً في موضعها كما رتّبها المؤلف، تقرأ الباب فتخرج بصورة الأدلة في المسألة الواحدة.
وفي القارئ هنا تجد النص كاملًا مقسّمًا على كتبه وأبوابه، مع فهرسٍ تفصيلي يوصلك إلى أي باب بضغطة واحدة. ابدأ من كتاب الطهارة إن شئت التدرّج مع ترتيب المصنّف، أو اقفز مباشرةً إلى الباب الذي تبحث عنه، واقرأ كتاب أبي داود كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
سنن أبي داود كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل