عن الكتاب
وُلد لأبٍ كويتيٍّ وأمٍّ فلبينية كانت تخدم في بيت أبيه، فحمل منذ مولده ملامح عالمٍ وانتماء عالمٍ آخر. أُبعد رضيعًا إلى الفلبين ونشأ هناك غريبًا عن نصفه العربي، يحلم ببلدٍ لم يره ووطنٍ يعده أبوه أن يفتح له ذراعيه ذات يوم. وحين يعود شابًّا إلى الكويت باحثًا عن جذوره واسمه ودينه، يصطدم بأبوابٍ موصدةٍ ونظراتٍ لا تراه إلا غريبًا في وطنه هو. من هذا الجرح الهادئ نسج سعود السنعوسي روايته الحائزة البوكر العربية «ساق البامبو».

بطل الرواية شابٌّ اسمه «هوزيه» كما تناديه أمّه في الفلبين، و«عيسى» كما أراد له أبوه في الكويت. أمّه «جوزافين» فتاةٌ فلبينية جاءت للعمل خادمةً في بيتٍ كويتيٍّ عريق، فأحبّها ابن العائلة «راشد» وتزوّجها في الخفاء. لكنّ زواجًا كهذا لم يكن ليمرّ في مجتمعٍ تحرسه التقاليد وحسابات المكانة، فما إن يولد الطفل حتى تُبعَد الأمّ وطفلها إلى الفلبين، على وعدٍ من الأب أن يستعيدهما حين تهدأ الأمور.
ينشأ «هوزيه» في فقر الفلبين وحرّها ومطرها، بين جدٍّ قاسٍ وأمٍّ منهكةٍ وخالةٍ تبيع جسدها لتُطعم البيت، وهو يحمل في داخله صورةً مثاليةً لبلدٍ بعيدٍ اسمه الكويت يعتقد أنه سيجد فيه اسمه ووطنه. وحين تتاح له العودة أخيرًا شابًّا يافعًا، يكتشف أن الحلم أصعب من أن يُلمس؛ فملامحه الآسيوية ولسانه الغريب ونشأته البعيدة تجعله موضع ريبةٍ ورفضٍ حتى داخل عائلة أبيه.
تتّبع الرواية رحلته المزدوجة: رحلةً في الجغرافيا بين أرخبيلٍ استوائيٍّ وصحراء الخليج، ورحلةً أعمق في داخله بحثًا عن جوابٍ لسؤالٍ واحدٍ لا يهدأ: من أنا، وأين وطني؟ ومن غير أن نكشف خواتيمها، يكفي أن نقول إنها قصةٌ عن الانتماء المستحيل بقدر ما هي قصةٌ عن أملٍ يرفض أن يموت.
سعود السنعوسي روائيٌّ وصحفيٌّ كويتيٌّ من مواليد عام 1981م، برز في العقد الثاني من الألفية بوصفه أحد أبرز أصوات الرواية الخليجية والعربية الجديدة. اشتغل بالكتابة الصحفية قبل أن يتفرّغ للرواية، وتميّزت أعماله بجرأتها في مقاربة قضايا المجتمع التي كثيرًا ما تُغضّ عنها الأبصار.
قبل «ساق البامبو» لفت الأنظار بروايته الأولى، ثم جاءت «ساق البامبو» لتضعه في صدارة المشهد الروائي العربي وهو بعدُ في مطلع الثلاثينيات من عمره. وتوالت بعدها أعماله التي عمّقت اهتمامه بأسئلة الهوية والذاكرة والمسكوت عنه في مجتمعات الخليج، فصار اسمه علامةً على جيلٍ جديدٍ من الروائيين لا يخشى مساءلة واقعه.
العنوان مفتاحٌ لروح الرواية كلها. فنبتة البامبو تُقتطع من ساقها ويُغرس جزءٌ منها في أيّ أرضٍ فتضرب جذورها وتنمو من جديد، غير عابئةٍ بأصلها الأوّل ولا بالمكان الذي جاءت منه. يتمنّى البطل لو كان مثلها؛ نبتةً تنبت حيثما وُضعت بلا سؤالٍ عن هويةٍ ولا حنينٍ إلى منبت.
لكنّ الإنسان ليس بامبو؛ فهو يحمل اسمه وذاكرته ودمه وملامحه أينما حلّ، ولا يستطيع أن ينسلخ عن جذوره كما تفعل النبتة. في هذه المفارقة بين حلم الانغراس السهل وثقل الانتماء الحقيقي يكمن جوهر الرواية، ويصبح العنوان صورةً موجعةً لكلّ من تمنّى أن ينتمي فلم يُسمَح له.
في قلب الرواية سؤال الهوية: ماذا يعني أن تكون نصفين لا يقبل أحدهما الآخر؟ يتأرجح البطل بين اسمين ولغتين ودينين وعالمين، فلا هو فلبينيٌّ خالص ولا كويتيٌّ مقبول، بل معلَّقٌ في منزلةٍ بين المنزلتين. من خلال حيرته يطرح السنعوسي سؤالًا يخصّ كلّ إنسانٍ عاش على تخوم الثقافات.
وتفتح الرواية بابًا نادرًا ما يُطرَق في الأدب الخليجي: أوضاع العمالة الوافدة والخادمات، والنظرة الاجتماعية إلى الأصل والعِرق واللون، والزيجات المختلطة وما يلقاه أبناؤها من رفض. إنها مرآةٌ يضعها الكاتب أمام مجتمعه بجرأةٍ وحبٍّ في آنٍ معًا، فينتقده من غير أن يتبرّأ منه.
ويحضر البُعد الديني والروحي حاضرًا مؤثّرًا؛ إذ ينشأ البطل في بيئةٍ مسيحيةٍ ثم يواجه إسلام أبيه، فيعيش أسئلة الإيمان والانتماء الديني بوصفها جزءًا من بحثه عن ذاته، لا شعارًا خارجيًّا. هذا التداخل بين الهوية والدين والوطن هو ما يمنح الرواية عمقها الإنساني.
حازت «ساق البامبو» الجائزة العالمية للرواية العربية (المعروفة بالبوكر العربية) عام 2013م، وهي من أرفع الجوائز الأدبية في العالم العربي، فكان فوز السنعوسي بها وهو في مطلع مشواره اعترافًا مبكّرًا بموهبةٍ لافتة ونضجٍ روائيٍّ غير مألوف في مثل سنّه.
وأسهمت الجائزة في انتشار الرواية على نطاقٍ واسع، فتُرجمت إلى لغاتٍ عدّة وتناولها النقّاد والقرّاء في أنحاء العالم العربي وخارجه. كما لقيت طريقها إلى الدراما، إذ استُلهمت في عملٍ تلفزيونيٍّ عرّف بها جمهورًا أوسع، ورسّخها بوصفها من أبرز روايات جيلها.
وما زاد من رواجها أنها لامست عصبًا حسّاسًا؛ فحديثها عن الخادمات وأبناء الزيجات المختلطة والعنصرية الخفيّة جعلها مادّةً للنقاش الاجتماعي لا للقراءة وحدها، فتحوّلت من روايةٍ ناجحةٍ إلى ظاهرةٍ ثقافية.
هذه الرواية لمن يحبّ الأدب الذي يطرح الأسئلة الكبرى في قالبٍ إنسانيٍّ آسر: أسئلة الهوية والانتماء والغربة والعدل الاجتماعي. من عاش بين ثقافتين أو شعر يومًا أنه غريبٌ في مكانٍ يُفترض أن يكون وطنه سيجد في «هوزيه/عيسى» صدى لحيرته الخاصّة.
ولمن يريد أن يقرأ للأدب الخليجي والعربي المعاصر عملًا جريئًا ومتقنًا يكشف واقعًا نادرًا ما يُكتب عنه، فهي مدخلٌ ممتاز. لغتها سلسةٌ وحبكتها آسرةٌ تشدّ القارئ من صفحاتها الأولى، فلا تحتاج قارئًا متخصّصًا بل قلبًا يقظًا يقبل أن يرى العالم من عيني غريب.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون