عن الكتاب

زقاق المدق

في حارةٍ ضيّقةٍ من حارات القاهرة القديمة، عند طرف حيٍّ عتيقٍ تحفّه المآذن ورائحة الماضي، يقبع زقاقٌ صغيرٌ شبه مغلقٍ على نفسه، لا يكاد يعرف من العالم إلّا ما يتسرّب إليه من أخباره. تتزاحم على جانبيه دكاكينُ متواضعةٌ ومقهًى قديمٌ وبيوتٌ متهالكة، ويحيا أهله حياةً رتيبةً تدور على نفسها بين لقمة العيش وأحلامٍ صغيرةٍ لا تتجاوز جدران الزقاق. لكنّ رياح الحرب العالمية الثانية تهبّ على هذا الركن الساكن فتوقظ فيه شهواتٍ وطموحاتٍ ظلّت نائمة، وتضع أهله على مفترق طرقٍ بين قناعةٍ موروثةٍ وإغراءٍ جديدٍ يلوح من وراء الأسوار. من هذا الزقاق الصغير الذي يتّسع حتى يصير مرآةً لمصر كلّها، نسج نجيب محفوظ روايته «زقاق المدق».

غلاف زقاق المدق
المؤلف
نجيب محفوظ (1911–2006م)، روائيٌّ مصريّ، أوّل أديبٍ عربيّ يفوز بجائزة نوبل في الأدب (عام 1988م)
سنة النشر
صدرت عام 1947م
النوع
رواية واقعية اجتماعية
مسرح الأحداث
زقاقٌ في أحياء القاهرة القديمة إبّان الحرب العالمية الثانية
المكانة
من أشهر روايات محفوظ وأكثرها قراءةً، ومن أبرز علامات مرحلته الواقعية
أثرها
تُرجمت إلى لغاتٍ عدّة، واقتُبست سينمائيًّا في مصر عام 1963م، وفي المكسيك في فيلم «زقاق المعجزات» عام 1995م

عالم الرواية: الزقاق مرآةُ مدينة

تدور أحداث الرواية كلّها تقريبًا في زقاقٍ واحدٍ صغيرٍ من أزقّة القاهرة القديمة، شبه مغلقٍ على نفسه، مسدود الطرف، لا يصله من صخب المدينة إلّا القليل. على جانبيه تصطفّ دكاكينُ متواضعةٌ ومقهًى عتيقٌ يجتمع فيه أهل الحيّ، وفوقها بيوتٌ متهالكةٌ تطلّ نوافذها بعضها على بعض، فيعرف الجميع أخبار الجميع، وتتشابك حيواتهم كأنّها خيوطٌ في نسيجٍ واحد.

يعمر هذا الزقاق بشخصياتٍ لا تُنسى، صاغ محفوظ كلًّا منها بريشة رسّامٍ بارع: صاحب المقهى وزبائنه، والتاجر الثريّ الذي يطمع في نضارة الشباب، والبائع البسيط، والخاطبة، ومن يعيش على حِيَل الفقر وخداع الناس. هي جماعةٌ من البشر يجمعها المكان الضيّق وتفرّقها الأحلام والأهواء، فتغدو نماذج حيّةً لطبقةٍ شعبيةٍ كاملةٍ من طبقات المجتمع المصريّ.

وعلى ضيق المكان، يجعل محفوظ من الزقاق عالمًا مكتملًا ومرآةً تنعكس فيها مصر في لحظةٍ فارقةٍ من تاريخها؛ فبين حوائط هذا الركن الصغير تتصارع القِيَم القديمة مع إغراءات زمنٍ جديدٍ آخذٍ في التبدّل. إنّه ليس مجرّد خلفيةٍ للأحداث، بل بطلٌ من أبطالها، يحيا ويتنفّس ويشيخ مع أهله.

حميدة وعبّاس: طموحٌ يصطدم بحلمٍ بسيط

في قلب الزقاق تنبض حكاية «حميدة»، فتاةٌ فقيرةٌ فاتنة الجمال، حادّة الطبع، تضيق ذرعًا بضنك العيش ورتابة الحارة، وتحلم بحياةٍ أوسع وثوبٍ أجملَ ومكانةٍ أرفع ممّا قسمه لها الزقاق. طموحها الجامح هو المحرّك الخفيّ لكثيرٍ من أحداث الرواية، إذ ترى في جمالها مفتاحًا للنجاة من الفقر، وترفض أن تُدفن أحلامها بين هذه الجدران.

يقابل طموحها حبٌّ هادئٌ من «عبّاس الحلو»، الحلّاق الطيّب الذي يعشقها ويحلم بالزواج منها وبحياةٍ مستقرّةٍ في الزقاق. وحين يعزم على أن يجمع لها المال، يرحل ليعمل في خدمة المعسكرات الإنجليزية التي جاءت بها الحرب، آملًا أن يعود بما يليق بأحلامها. لكنّ ما تصبو إليه حميدة أبعد ممّا يعرضه عليه قلبه البسيط، ويظلّ التوتّر بين حلمه المتواضع وطموحها الجامح شرارةً تدفع الأحداث إلى منعطفاتها.

ونكتفي هنا بهذا القدر دون أن نكشف إلى أين تمضي بهما الأقدار، فذلك ممّا يُترك لمتعة القارئ في صفحات الرواية. غير أنّ ما ينبغي أن يُقال إنّ محفوظ لا يحاكم شخصياته ولا يرسمها ملائكةً ولا شياطين، بل يصوّرها بشرًا من لحمٍ ودمٍ تتنازعهم الرغبة والخوف والفقر، فنفهمهم وإن لم نبرّئهم.

نجيب محفوظ: عميد الرواية العربية

نجيب محفوظ (1911–2006م) روائيٌّ مصريٌّ وُلد في حيٍّ من أحياء القاهرة القديمة التي ظلّت حاضرةً في أدبه طوال حياته، وهو أشهر روائيّي العربية على الإطلاق وأغزرهم إنتاجًا. أفنى عمره في الكتابة، فترك عشرات الروايات والمجموعات القصصية التي رسمت لوحةً واسعةً للمجتمع المصريّ عبر عقودٍ من التحوّل، حتى صار يُلقَّب بعميد الرواية العربية.

تنتمي «زقاق المدق» إلى مرحلة محفوظ الواقعية، وهي المرحلة التي بلغت ذروتها في ثلاثيّته الشهيرة «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية». في هذه المرحلة اتّجه محفوظ إلى تصوير حياة الحارة المصرية وطبقاتها الشعبية بعينٍ فاحصةٍ ولغةٍ رصينةٍ متينة، فرصد آمال الناس البسطاء وخيباتهم وصراعهم مع الفقر والزمن المتغيّر.

وفي عام 1988م تُوّجت مسيرته بجائزة نوبل في الأدب، فكان أوّل أديبٍ عربيّ ينالها، وحملت الجائزة الأدب العربيّ الحديث إلى مصافّ الآداب العالمية. وقد نبّهت أعمال محفوظ العالمَ إلى ثراء الرواية العربية، وتُرجمت رواياته إلى عشرات اللغات، وصارت «زقاق المدق» من أوائل ما عرفه القرّاء في الغرب من أدبه.

الفقر والطموح والأصالة والحداثة

تدور «زقاق المدق» في جوهرها حول صراع الإنسان البسيط مع الفقر ومع طموحٍ يتجاوز ما تسمح به ظروفه. فأهل الزقاق موزّعون بين من يقنع بنصيبه ويأنس إلى مألوفه، ومن تشدّه أحلامٌ أكبر يسعى إليها بأيّ ثمن. وفي هذا الصراع تكمن مأساة كثيرٍ من شخصياتها، إذ يدفع الطموح ثمنه غاليًا حين يصطدم بجدار الواقع.

وتحت هذا الصراع تجري ثيمةٌ أعمق: تنازع الأصالة والحداثة. فالزقاق يمثّل القديم الراسخ بعاداته وقيمه، بينما تهبّ عليه من خارجه رياح زمنٍ جديدٍ حملته الحرب العالمية الثانية بما فيه من مالٍ سهلٍ وإغراءاتٍ وقيمٍ متبدّلة. يصوّر محفوظ هذا التحوّل دون وعظٍ مباشر، تاركًا القارئ يتأمّل ثمن الانتقال من عالمٍ إلى عالم.

ومن ثيماتها كذلك مكانة المرأة وضيق الخيارات المتاحة لها في ذلك العالم، ودور المال في تشكيل المصائر، وهشاشة الأحلام حين تُبنى على غير أساس. وبراعة محفوظ أنّه يمزج هذه الأفكار الكبيرة في نسيج الحكاية اليومية، فلا نشعر بها أطروحاتٍ مجرّدةً بل نعيشها في مصائر أناسٍ نعرفهم ونشفق عليهم.

أسلوبها ومكانتها واقتباساتها السينمائية

كُتبت «زقاق المدق» بأسلوبٍ واقعيٍّ رصينٍ يجمع بين متانة اللغة العربية الفصحى ودقّة التصوير للتفاصيل اليومية. يبني محفوظ روايته على البناء المحكم والحوار الكاشف والوصف الذي يجعل القارئ يرى الزقاق ويسمع أصوات أهله؛ فلا تكاد شخصيةٌ تمرّ حتى تنطبع في الذاكرة بملامحها ولغتها وهواها الخاصّ.

وقد نالت الرواية مكانةً رفيعةً بين أعمال محفوظ ولدى النقّاد والقرّاء معًا، وعُدّت من كلاسيكيات الرواية العربية الحديثة التي تُدرَّس ويُعاد قراءتها جيلًا بعد جيل. وأسهم انتشارها المبكّر وترجمتها إلى الإنجليزية بعنوان Midaq Alley في تعريف القارئ الغربيّ بعالم محفوظ قبل نوبل وبعدها.

وتجاوزت شهرة الرواية صفحات الكتاب إلى الشاشة؛ فاقتُبست في فيلمٍ مصريٍّ حمل اسمها عام 1963م أدّت فيه شادية دور حميدة، كما اقتُبست في المكسيك في فيلم «زقاق المعجزات» (El Callejón de los Milagros) عام 1995م الذي شاركت في بطولته سلمى حايك، ونُقلت أحداثه إلى حارةٍ مكسيكية، وحاز جوائز عدّة. وفي هذا الانتقال عبر الثقافات دليلٌ على إنسانية حكايتها التي تتجاوز حدود المكان.

سرّ شهرتها ولمن هي؟ ونبذةٌ على رحلة

ذاع صيت «زقاق المدق» لأسبابٍ مجتمعة: صدق تصويرها للحياة الشعبية المصرية، وشخصياتها التي صارت أيقوناتٍ في الذاكرة الأدبية، ولغتها الرصينة الآسرة، ثمّ اسم مؤلفها الذي بلغ العالمية بجائزة نوبل. وقد ثبّتها كلّ ذلك عملًا مرجعيًّا يُقرأ في المدارس والجامعات ونوادي القراءة، ويظلّ مدخلًا محبّبًا إلى عالم نجيب محفوظ.

هي روايةٌ لكلّ من يحبّ الأدب الواقعيّ الذي يصوّر الناس والمجتمع بصدقٍ وعمق، ولمن يودّ التعرّف إلى القاهرة القديمة وحاراتها في لحظةٍ فارقةٍ من تاريخها، ولكلّ قارئٍ يبدأ رحلته مع نجيب محفوظ ويبحث عن بابٍ لا يُنسى يدخل منه إلى عالمه الروائيّ. وهي كذلك عملٌ يثري نقاش من يهتمّ بأسئلة الطموح والفقر والتحوّل الاجتماعيّ.

نقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يضعك على أعتاب عالم الرواية وشخصياتها وأفكارها ومكانتها، دون أن نستضيف نصّها الكامل. و«زقاق المدق» من كلاسيكيات الأدب العربيّ المتوفّرة لدى ناشريها وفي المكتبات ومنصّات البيع، ونحن هنا نوجز لك خلاصتها ونشير إلى قيمتها لتقرّر إن كانت وجهتك القادمة في القراءة.

أسئلة شائعة

عن ماذا تتحدّث رواية زقاق المدق؟
تصوّر الرواية حياة زقاقٍ صغيرٍ من أزقّة القاهرة القديمة إبّان الحرب العالمية الثانية، وما يعتمل في نفوس أهله من فقرٍ وطموحٍ وأحلام. وفي قلبها حكاية الفتاة حميدة التي يدفعها جمالها وطموحها إلى الحلم بحياةٍ أوسع من الزقاق، في مقابل حبٍّ بسيطٍ يعرضه عليها الحلّاق عبّاس. وهي في العمق تأمّلٌ في صراع الأصالة والحداثة وثمن الطموح.
من مؤلف رواية زقاق المدق ومتى صدرت؟
مؤلفها الروائيّ المصريّ نجيب محفوظ (1911–2006م)، أشهر روائيّي العربية وأوّل أديبٍ عربيّ يفوز بجائزة نوبل في الأدب عام 1988م. صدرت الرواية عام 1947م، وتنتمي إلى مرحلته الواقعية التي بلغت ذروتها لاحقًا في ثلاثيّته الشهيرة.
لماذا تُعدّ زقاق المدق من أشهر روايات نجيب محفوظ؟
لأنّها تجمع بين صدق تصوير الحياة الشعبية المصرية، وشخصياتٍ لا تُنسى صارت أيقوناتٍ أدبية، ولغةٍ رصينةٍ وبناءٍ محكم. كما أنّها من أوائل ما تُرجم من أدب محفوظ وعرفه القرّاء في الغرب، فرسّخت مكانتها عملًا مرجعيًّا يُدرَّس ويُعاد قراءته جيلًا بعد جيل.
هل تحوّلت رواية زقاق المدق إلى فيلم؟
نعم؛ اقتُبست في فيلمٍ مصريٍّ حمل اسمها عام 1963م أدّت فيه شادية دور حميدة. كما اقتُبست في المكسيك في فيلم «زقاق المعجزات» (El Callejón de los Milagros) عام 1995م الذي شاركت في بطولته سلمى حايك، حيث نُقلت أحداث الرواية إلى حارةٍ مكسيكية.
لمن تُنصح قراءة رواية زقاق المدق؟
تُنصح لمحبّي الأدب الواقعيّ الذي يصوّر الناس والمجتمع بعمق، ولمن يودّ التعرّف إلى القاهرة القديمة وحاراتها، ولكلّ قارئٍ يريد أن يبدأ رحلته مع نجيب محفوظ من بابٍ لا يُنسى. وهي مناسبةٌ كذلك لمن يهتمّ بأسئلة الفقر والطموح والتحوّل الاجتماعيّ في الأدب.

احصل على الكتاب

هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.

اطلبه من أمازون