عن الكتاب
في زحمة السفر، بعيدًا عن مكتبته وكتبه، جلس عالمٌ دمشقيٌّ يُملي من محفوظه كتابًا يجمع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل شأنٍ من شؤون الحياة: في وضوئه وصلاته وصيامه، وفي نومه وطعامه ولباسه وسفره، وفي بيعه وقضائه وغزوه، وحتى في دوائه وعلاجه. سمّاه «زادًا» لأنه رأى في اقتفاء أثر النبي عليه الصلاة والسلام خيرَ ما يتزوّده العبد لمعاده وطريقِه إلى الله. فجاء الكتاب سيرةً وفقهًا وطبًّا وتزكيةً في نسقٍ واحد، لا تكاد تسأل عن سنّةٍ من سنن الهدي النبوي إلا وجدت عنده جوابها. هذا هو «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن قيم الجوزية.

هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي ثم الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية. وُلد بدمشق سنة 691 هـ، ونشأ فيها بين حلقات العلم، وإنما لُقّب بهذا اللقب لأن أباه كان قيّمًا على «المدرسة الجوزية» بدمشق، فعُرف الابن بابن قيّم الجوزية. طلب العلم على كبار علماء عصره في التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والتصوف، حتى صار من أوسع أهل زمانه اطلاعًا وأغزرهم مادّةً.
ومن أعظم ما وجّه حياته العلمية صحبتُه لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد لازمه نحو ستة عشر عامًا حتى وفاة الشيخ سنة 728 هـ، وأخذ عنه وانتصر لطريقته في تعظيم النصّ وإحياء السنّة والاجتهاد. وقد نال ابن القيم من المحنة نصيبَ شيخه، فسُجن معه في قلعة دمشق، وأُوذي في سبيل ما يعتقده. ولم يكن مع ذلك مقلِّدًا جامدًا، بل كان صاحب نظرٍ واستقلالٍ في كثير من المسائل، جمع بين تحقيق الفقيه وذوق العارف وبلاغة الأديب.
خرّج ابن القيم تلاميذَ صاروا أعلامًا، منهم الحافظ ابن كثير وابن رجب الحنبلي، وترك مكتبةً من المصنّفات الخالدة، كـ«إعلام الموقعين» و«مدارج السالكين» و«الداء والدواء» و«النونية» و«زاد المعاد» الذي بين يديك. وظلّ عابدًا متبتّلًا كثير الصلاة والذكر حتى توفّاه الله بدمشق سنة 751 هـ، فترك أثرًا لا يزال يتردّد صداه في كل مكتبةٍ إسلامية إلى اليوم.
العِلمُ قالَ اللهُ قالَ رسولُهُ ... قالَ الصحابةُ ليسَ بالتمويهِ
اسم الكتاب يكشف مقصده: «زاد المعاد» أي الزاد الذي يتزوّده العبد لمعاده ورجوعه إلى الله، و«في هدي خير العباد» أي في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته وسنّته. فكأن ابن القيم يقول: إن أنفع ما يحمله المسافر إلى الآخرة هو أن يعرف هدي نبيّه ثم يقتفيه، فليس بين يدي العبد طريقٌ إلى النجاة أهدى من طريق من اصطفاه الله خيرًا للعباد.
ويُذكر أن ابن القيم أنشأ كثيرًا من الكتاب في أثناء أسفاره، يُمليه من محفوظه على غير استعدادٍ ولا مراجعةٍ لأمّهات كتبه، وهو أمرٌ يزيد المرء عجبًا من دقّته وسعة استحضاره. صنّفه في القرن الثامن الهجري في عصر دولة المماليك بالشام، وهو عصرٌ ازدهرت فيه العلوم الشرعية على ما اعتراه من فتنٍ وأهوال، فجاء الكتاب ثمرةً من ثمار مدرسةٍ عُنيت بإحياء السنّة وردِّ الناس إلى معين النبوة الصافي.
ولذلك لم يكن غرض ابن القيم مجرّد سرد أخبار السيرة، بل أراد أن يرسم للمسلم منهاج حياةٍ كاملًا مأخوذًا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، يهتدي به في عبادته ومعاملته وبيته وطعامه ودوائه، فيكون الكتاب زادًا عمليًّا للسالك لا مجرّد متاعٍ للنظر.
ليس «زاد المعاد» سيرةً مرتّبةً على السنين كسيرة ابن هشام، وإنما هو كتابٌ في «فقه الهدي النبوي»؛ يرتّب مادّته على أبواب الحياة لا على تسلسل الأحداث. فهو يمزج بين السيرة والحديث والفقه والتزكية في نسيجٍ واحد: يذكر الحديث أو الفعل النبوي، ثم يستنبط منه الأحكام، ويوازن بين أقوال الفقهاء، ويرجّح ما يترجّح عنده بالدليل، بأسلوبٍ رصينٍ عذبٍ يجمع قوّة المحقّق إلى بلاغة الكاتب.
ويبدأ الكتاب بذكر فضل النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه وأسمائه وأهل بيته ومن حوله، ثم ينتقل إلى هديه في العبادات: في الطهارة والصلاة والذكر والدعاء، والصيام والزكاة والحج. ثم إلى هديه في تفاصيل العيش: في نومه ويقظته، وأكله وشربه، ولباسه ومشيه وسفره، ومعاشرته لأهله. ثم إلى هديه في المعاملات والأقضية والفتاوى، ثم إلى مغازيه وسراياه مرتّبةً، وكتبه إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى الإسلام.
وامتاز ابن القيم في هذا كله باجتهادٍ حرّ؛ فقد يقف عند مسألةٍ من المسائل الفقهية الكبرى فيطيل فيها البحث والترجيح، كمسائل الربا والبيوع والطلاق ونحوها، غير متقيّدٍ بمذهبٍ بعينه، بل يدور مع الدليل حيث دار. ولهذا صار الكتاب مرجعًا في «فقه السيرة» يقصده طالب العلم ليرى كيف تُستخرج الأحكام والحِكم من هدي النبي عليه الصلاة والسلام.
من أشهر أجزاء الكتاب وأكثرها ذيوعًا فصلٌ مطوَّلٌ في «الطب النبوي»، عرض فيه ابن القيم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التداوي وحفظ الصحة والوقاية من الأمراض. وقد نال هذا الفصل من الشهرة ما جعله يُطبع مستقلًّا مرارًا باسم «الطب النبوي لابن القيم»، وصار من أوسع ما كُتب في هذا الباب انتشارًا بين الناس.
ورتّب ابن القيم نظره في العلاج على تقسيمٍ بديع: فالطب عنده طبّ قلوبٍ وطبّ أبدان، وطبّ الأبدان بدوره منه ما هو طبيعيٌّ راجعٌ إلى الغذاء والدواء وتدبير المعيشة، ومنه ما هو إلهيٌّ راجعٌ إلى ما جاء به الوحي من الرُّقى والأدعية. وعرض في ذلك لجملةٍ من الأدوية النبوية كالعسل والحبّة السوداء والحجامة، وأصّل قاعدة الوقاية والحمية قبل وقوع الداء.
وقيمة هذا الفصل أنه يصل بين الطب والدين وصلًا لطيفًا، فيرى القارئ كيف عالج النبي عليه الصلاة والسلام الجسد والروح معًا، وكيف جمع الهدي النبوي بين مصلحة البدن وطمأنينة القلب. ولا يزال هذا الجزء يُقرأ ويُدرَس ويُستشهد به إلى اليوم، وإن كان أهل العلم ينبّهون على أن ما فيه من التدبير الطبي يُفهم في ضوء طبِّ زمانه.
تبوّأ «زاد المعاد» مكانة الصدارة بين مصنّفات ابن القيم، بل هو من أجمع ما كُتب في الهدي النبوي وفقه السيرة على الإطلاق. جمع فيه صاحبه علومًا شتّى في كتابٍ واحد، فصار مرجعًا لا يستغني عنه الفقيه ولا المحدّث ولا الواعظ ولا الباحث في السيرة، يعودون إليه لاستخراج الأحكام والحِكم من سنّة النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد طُبع الكتاب طبعاتٍ كثيرة، أشهرها وأتقنها تحقيق الشيخين شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، الصادر عن مؤسسة الرسالة في نحو خمسة مجلدات، وهي الطبعة التي عليها اعتماد طلبة العلم اليوم لضبطها وتخريج أحاديثها. وإلى جانبها طبعاتٌ ومختصراتٌ ودراساتٌ كثيرة، فضلًا عن إفراد فصل «الطب النبوي» بالطبع مرارًا.
وأثر «زاد المعاد» لا ينحصر في رفوف المكتبات، بل هو كتابٌ حيٌّ يُقرأ في المساجد والدروس والبيوت منذ قرون؛ يجد فيه العالِم مادّةً للاجتهاد، ويجد فيه العامّي هدايةً عمليةً في عبادته وسلوكه. وبذلك حقّق الكتاب ما أراده مؤلّفه: أن يكون زادًا للطريق، لا متاعًا للنظر وحده.
لست بحاجةٍ إلى أن تقرأ «زاد المعاد» من أوّله إلى آخره في نسقٍ واحد لتنتفع به؛ فبناؤه على الأبواب يتيح لك أن تقصد الموضوع الذي تريد. أردت هدي النبي في الصلاة أو الصيام أو الحج؟ اذهب إليه رأسًا. أردت أن تقرأ في المغازي أو في الطب النبوي أو في معاشرته لأهله؟ الكتاب مبوَّبٌ ينقلك إلى بُغيتك.
اجعله رفيق سيرتك مع النبي صلى الله عليه وسلم: تقرأ فيه الخبر، ثم تقف على ما استنبطه ابن القيم منه من فقهٍ وحِكمة، فتزداد بالنبي معرفةً وبسنّته اقتداءً. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من البابِ الذي يشدّك، وتزوّد من هدي خير العباد ما تلقى به يوم معادك.
النص الكامل بين يديك
زاد المعاد كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً

محمد بن عيسى بن سورة الترمذي أبو عيسى
1 فصل

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً

محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

محمد بن عبد الوهاب
1 فصل