عن الكتاب
في زمنٍ تبدّلت فيه دولُ الشام، فانطوت صفحةُ المماليك وأقبل العثمانيون، نهض شيخُ الحنابلة بدمشق ليضع بين يدي طلاب الفقه زادًا يُغنيهم. عمد إلى «المقنع» للموفَّق ابن قدامة، وهو من أمهات كتب المذهب، فاختصره وجرّده من ذكر الخلاف والروايات، واقتصر على القول المعتمد الذي عليه العمل. فخرج متنٌ صغيرُ الحجم، محكمُ العبارة، جمع مسائل الفقه من الطهارة إلى آخر أبواب المعاملات والأحكام في كفٍّ واحدة، فحفظه الطلاب وتناقلته الحلقات جيلًا بعد جيل. إنه «زاد المستقنع في اختصار المقنع» لشرف الدين أبي النجا الحجاوي.

هو شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي المقدسي ثم الصالحي، فقيه الحنابلة وشيخهم في دمشق في القرن العاشر الهجري. نُسب إلى «حجّة» من قرى نابلس بفلسطين، وإلى بيت المقدس، ثم استقرّ في الصالحية بدمشق، فصار إليها مرجع المذهب في زمانه، يُقصَد في الفتوى والتدريس وتحرير المسائل. عاش أواخر الدولة المملوكية وشهد دخول العثمانيين بلاد الشام، فكان من العلماء الذين حفظوا للناس علمهم في زمن اضطراب السياسة وتبدّل الدول.
لم يكن الحجاوي محرِّرًا لمتنٍ صغير فحسب، بل كان من كبار من ضبطوا المذهب الحنبلي في عصره المتأخّر. فمن أشهر مؤلفاته «الإقناع لطالب الانتفاع»، وهو من أوسع كتب المذهب، وصار أحد الكتابين اللذين عليهما مدار الفتوى عند متأخّري الحنابلة، حتى شرحه العلامة منصور البهوتي في «كشاف القناع». فالرجل الذي جمع للمنتهين موسوعة «الإقناع» هو نفسه الذي جرّد للمبتدئين «زاد المستقنع»، فخدم طرفَي الطلب: المتوسّع والمبتدئ.
توفّي الحجاوي سنة ثمانٍ وستين وتسعمائة للهجرة، وقد ترك في المذهب أثرًا لا يُمحى؛ فبقيت كتبه عمدةَ الدارسين، وظلّ «زاد المستقنع» على وجه الخصوص من أوائل ما يُحفظ ويُدرَّس في حلقات الفقه الحنبلي إلى يومنا هذا.
أصلُ «زاد المستقنع» كتابٌ من أمهات المذهب، هو «المقنع» للإمام موفَّق الدين ابن قدامة المقدسي المتوفَّى سنة عشرين وستمائة، صاحب «المغني» الشهير. وكان ابن قدامة قد صنّف للفقه الحنبلي سلسلةً متدرّجة: «العمدة» للمبتدئ، و«المقنع» للمتوسّط، و«الكافي» و«المغني» للمنتهي. وامتاز «المقنع» بأنه يذكر في المسألة الواحدة ما فيها من الروايات والأوجه عن الإمام أحمد وأصحابه، دون أن يقطع دائمًا بالراجح، فكان بحرًا في الخلاف يحتاج قارئه إلى من يدلّه على المعتمد.
ومن هنا جاءت حاجة الطلاب إلى متنٍ يجرّد لهم زُبدة «المقنع» ويقتصر بهم على القول الذي عليه العمل في المذهب. فعمد الحجاوي إلى هذا الأصل الحافل بالخلاف، فحذف منه الروايات المرجوحة وذِكر الأدلة والمناقشات، وأبقى القول المعتمد وحده في عبارةٍ موجزة، فصار الكتاب زادًا محرَّرًا يمشي به المفتي والدارس على بيّنة.
وفي اسمه لطيفةٌ تكشف مقصده: «الزاد» ما يتزوّده المسافر لطريقه، و«المستقنِع» الطالبُ للقناعة والاكتفاء بما يكفيه. فكأنّ المؤلف يقول لطالب الفقه: خذ هذا زادًا يكفيك ويُقنعك بأصول المذهب ومعتمده، دون أن تُثقَل بتفاصيل الخلاف قبل أوانها.
قام منهج «زاد المستقنع» على ثلاثة أسس متضافرة: الاقتصار على قولٍ واحد هو المعتمد في المذهب، وحذف ذِكر الخلاف والأدلة والتعليل، والإيجاز الشديد في العبارة إلى حدّ أن الكلمة الواحدة قد تحمل حكمًا مستقلًّا. فليست عبارة المتن سردًا يُقرأ على عجل، بل نصٌّ مكثّف يحتاج إلى فكٍّ وشرح، وهذا سرّ صلاحيته للحفظ وللبناء عليه في التدريس.
أمّا ترتيبه فجرى على أبواب الفقه المعهودة عند الفقهاء: يبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة والزكاة والصيام والحجّ، فأبواب المعاملات من البيوع والإجارة والوقف والفرائض، ثم النكاح والطلاق، فالجنايات والحدود والقضاء، إلى آخر أبواب الأحكام. فهو متنٌ جامعٌ لمسائل الفقه كلها، لا يقتصر على العبادات، بل يستوعب حياة المكلَّف من عبادته إلى معاملته وأحكام أسرته وقضائه.
وقد جعل هذا التحريرُ الشديد المتنَ مادةً خصبة لأهل الشرح؛ فمن جاء بعده لم يكتفِ بحلّ عباراته، بل تعقّبه أحيانًا في مواضع اختار فيها غير المعتمد في المذهب، كما فعل البهوتي في «الروض المربع» حين ينبّه على أن قول الحجاوي في مسألةٍ ما خلاف ما عليه أكثر أهل المذهب. وهذا التعقّب ذاته دليلُ عناية العلماء بالكتاب ومنزلته عندهم.
متنٌ صغيرُ الحجم، كبيرُ النفع؛ جمع فأوعى، وحرّر فأتقن، فصار زادًا لطالب الفقه الحنبلي لا يكاد يستغني عنه.
تبوّأ «زاد المستقنع» مكانةً رفيعة بين متون الحنابلة، حتى صار من أكثرها حفظًا وتدريسًا، ولا سيّما في نجد والجزيرة العربية حيث اتّخذته حلقات المساجد والمعاهد متنًا رئيسًا في تعليم الفقه. وكثيرٌ من علماء المذهب في القرون المتأخّرة بدؤوا طلبهم بحفظه، ثم بنَوا عليه ما بعده من كتب المذهب.
وفي سُلّم الطلب عند الحنابلة يقع «الزاد» في المنزلة المتوسّطة: يُنتقل إليه بعد المختصرات الصغرى كـ«عمدة الفقه» و«أخصر المختصرات»، ويُتدرَّج منه إلى الكتب الكبرى المعتمدة كـ«الإقناع» و«منتهى الإرادات». فهو الجسر الذي يعبر به الطالب من مبادئ المذهب إلى تحقيقه، ولذلك عُني به المدرِّسون عنايةً خاصة، وجعلوه محورًا لِما يُلقونه من دروس الفقه.
أشهر ما خدم «زاد المستقنع» شرحُه «الروض المربع» للعلامة منصور بن يونس البهوتي المتوفَّى سنة إحدى وخمسين وألف، شيخ الحنابلة بمصر. وقد صار «الروض المربع» قرينًا ملازمًا للمتن حتى لا يكاد يُذكر أحدهما إلا ويُذكر الآخر؛ فالطالب يحفظ «الزاد» ويقرأ عليه «الروض» ليفكّ إيجازه ويبيّن أدلّته. وعلى «الروض» حواشٍ نفيسة، أشهرها «حاشية الروض المربع» للشيخ عبد الرحمن بن قاسم، جمع فيها فوائد المذهب وأقوال المحقّقين.
ومن شروحه المعروفة أيضًا «السلسبيل في معرفة الدليل» للشيخ صالح البليهي، الذي عُني ببيان أدلّة مسائل المتن. ثم كان لهذا المتن في العصر الحديث نهضةٌ عظيمة على يد الشيخ محمد بن صالح العثيمين في «الشرح الممتع على زاد المستقنع»، وهو شرحٌ موسَّع ذائع الصيت، بسط فيه المسائل ورجّح بالدليل، فأحيا الاشتغال بالمتن وأدخله بيوت طلبة العلم في كل مكان.
وبين هذه الشروح والحواشي المتعاقبة يظهر أثرُ «زاد المستقنع»: متنٌ لم يزل حيًّا منذ نحو خمسة قرون، تُعقد عليه الدروس، وتُطبع له الشروح، ويتخرّج على حفظه الفقهاء. فقد جمع بين إيجاز اللفظ وضبط المذهب، فاستحقّ أن يكون من أعمدة التعليم الفقهي الحنبلي إلى اليوم.
لست بحاجةٍ إلى أن تحفظ المتن عن ظهر قلب لتنتفع به هنا. افتح «زاد المستقنع» على رحلة، وتنقّل في أبوابه من الطهارة إلى آخر الكتاب، لتقف على المعتمد في كل مسألة في عبارةٍ مختصرة محرَّرة. واجعل قراءتك متأنّية، فالكلمة في هذا المتن قد تحمل حكمًا كاملًا يستحقّ الوقوف عنده والتأمّل فيه.
واجعله رفيق دراستك للفقه الحنبلي: كلما مرّت بك مسألة أردت أن تعرف قول المذهب فيها، عُد بها إلى «الزاد» لتجده مجرّدًا من الخلاف، ثم اطلب بيانه في شروحه إن شئت التوسّع. النص كامل متاح للقراءة مجانًا على رحلة، فابدأ من أي بابٍ شئت، وامضِ في تحصيل الفقه على بصيرة.
النص الكامل بين يديك
زاد المستقنع كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن