عن الكتاب
في دمشق القرن السابع، وبينما تتلاطم الأمة بين سيوف التتار وبقايا حملات الصليبيين، جلس فقيهٌ زاهد لم يبلغ الأربعين يَنتقي من كلام سيد المرسلين ﷺ ما يُصلح القلوب ويهذّب النفوس. لم يُرِد أن يجمع الفقه ولا أن يستوعب الأسانيد، بل أراد كتابًا واحدًا يحمله المسلم في سفره وحضره، يقرأ منه في اليوم بابًا فيزداد أدبًا وخُلقًا وتقوى. فانتقى الأحاديث الصحيحة، وصدّر كل باب بآيات من كتاب الله، ورتّبها على منازل السالكين إلى الله من الإخلاص إلى الاستغفار. هذا هو «رياض الصالحين»، رياضٌ يدخلها القلب فيخرج منها أزكى مما دخل.

هو أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، وُلد سنة 631 هـ في بلدة نوى من أعمال حوران جنوبي دمشق، وإليها يُنسب. قدم دمشق شابًا في نحو التاسعة عشرة، فنزل المدرسة الرواحية، وأقبل على العلم إقبالًا لم يُعرف لكثير من أقرانه: يحفظ ويكرر ويقرأ على شيوخه دروسًا كثيرة في اليوم الواحد، في الفقه والحديث واللغة والأصول. واشتهر بزهدٍ صارم؛ قنِع بالقليل من الطعام واللباس، ولم يتزوج، ووقف عمره كله على العلم والعبادة.
كان النووي شافعي المذهب، محدِّثًا فقيهًا لغويًّا، تولّى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وهي من أرفع مواقع أهل الحديث في عصره. ومع زهده كانت له جرأةٌ في الحق أمام السلاطين؛ يُروى أنه وقف من الملك الظاهر بيبرس مواقف في نصرة الرعية والذبّ عن حقوقها، لا يخشى في قول الحق سطوة صاحب سلطان.
ولعل أعجب ما في سيرته أن هذه الآثار الخالدة كلها خرجت في عمرٍ قصير؛ فقد مات سنة 676 هـ ولمّا يتجاوز الخامسة والأربعين، وترك مكتبةً تشهد له: «المنهاج» في شرح صحيح مسلم، و«المجموع» شرح المهذب، و«الأذكار»، و«الأربعون النووية»، و«التبيان في آداب حملة القرآن»، و«منهاج الطالبين» في الفقه، وهذا الكتاب: «رياض الصالحين». وقد تلقّت الأمة كتبه بالقبول جيلًا بعد جيل حتى صارت من عُدّة كل طالب علم.
كُتب «رياض الصالحين» في زمنٍ عصيب: القرن السابع الهجري، ودمشق تحت حكم المماليك الأوائل، وبغداد قد سقطت في أيدي التتار سنة 656 هـ وذهبت خلافتها، وفلول الصليبيين لا تزال على السواحل. في هذا الجوّ المضطرب لم يشتغل النووي بالسياسة وحدها، بل رأى أن أعظم ما تحتاجه الأمة إصلاحُ قلوبها وتهذيبُ أخلاقها، فصرف همّته إلى ما يُحيي النفوس ويربطها بربها.
صرّح النووي في مقدمته بمقصده من الكتاب؛ فقد أراد أن يجمع مختصرًا من الأحاديث الصحيحة، يكون طريقًا لصاحبه إلى الآخرة، ومحصِّلًا لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعًا بين الترغيب والترهيب وسائر ما يحتاجه السالك إلى الله. فليس الكتاب مجموعةً حديثية للحفظ والرواية فحسب، بل هو منهاجُ تربيةٍ عملي يأخذ بيد قارئه من الإخلاص إلى العمل.
وسمّاه «رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين»، والاسم نفسه صورةٌ لطيفة لمضمونه: بساتينُ يتنقّل فيها الصالح بين أبوابها كما يتنقّل الماشي بين أحواض الرياض، فمن باب في التوبة إلى باب في الصبر إلى باب في بر الوالدين، لا يخرج من روضة إلا إلى أنضر منها.
يكون طريقًا لصاحبه إلى الآخرة، ومحصِّلًا لآدابه الباطنة والظاهرة.
التزم النووي في كتابه أن ينتقي من الأحاديث الصحيحة والحسنة، معتمدًا في الأغلب على الصحيحين، البخاري ومسلم، ثم على السنن المشهورة كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وهذا الالتزام هو سرّ ثقة الناس بالكتاب: فالقارئ العامي يطمئن إلى أن ما بين يديه ثابتٌ عن النبي ﷺ، لا يحتاج أن يكون محدِّثًا ليميّز صحيحه من سقيمه.
ومن أبرز ما يميّز منهجه أنه يفتتح كل باب، في الأعم الأغلب، بآياتٍ من القرآن الكريم تناسب موضوعه، ثم يُتبعها بالأحاديث. فيقرأ القارئ في باب الصبر آياتِ الصبر ثم أحاديثه، وفي باب التقوى آياتها ثم أحاديثها، فيجتمع له نورُ الكتاب والسنة في مجلس واحد. وكان النووي يقف أحيانًا عند الكلمة الغريبة فيضبطها ويشرحها في إيجاز، تيسيرًا على من لا يملك أدوات أهل الحديث.
أما الترتيب فهو ترتيبٌ موضوعي على منازل السلوك والأخلاق لا على أبواب الفقه؛ فتراه ينظم أبوابه على الإخلاص والتوبة والصبر والصدق والمراقبة واليقين والزهد والورع، ثم آداب المعاملة من بر الوالدين وصلة الرحم وحقوق الجار، حتى دقائق آداب الطعام والنوم واللباس والسفر. هذا الترتيب جعل الكتاب أقرب إلى كتاب تزكيةٍ وتربية منه إلى مجرد مجموعة حديثية.
يضم الكتاب قرابة 372 بابًا موزعة على جملة كتب، افتُتحت بباب الإخلاص وإحضار النية، وأول أحاديثه حديثُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنما الأعمال بالنيات». وكأن النووي أراد أن يعلن من أول سطر أن العمل كله، وهذا الكتاب منه، مرهونٌ بالنية، فمن أخلص انتفع، ومن قرأ ليعمل لا ليجمع بلغ المقصود.
ثم يتدرج القارئ في أبوابه بين مقامات القلوب وأخلاق الجوارح: التوبة، والمجاهدة، والصبر، والصدق، والمراقبة، والتقوى، والزهد، والقناعة، وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، وإكرام الجار والضيف، والتواضع، وكظم الغيظ، والعفو، وأبوابٌ في الفضائل والأذكار والدعوات، وأخرى في الأمور المنهي عنها. ويُختتم الكتاب بكتاب الاستغفار وأبوابٍ في بيان سعة رحمة الله، فينتهي القارئ حيث يليق أن ينتهي كل عملٍ ناقص: على باب المغفرة.
وبهذا يصير الكتاب رحلةً متكاملة من النية في أوله إلى الاستغفار في آخره؛ كل بابٍ فيه قطعةٌ قائمة بذاتها تُقرأ في دقائق، فيها آيةٌ تهدي وحديثٌ يُلين القلب، بحيث لا يحتاج القارئ أن يبدأ من الأول، بل يفتح حيث شاء فيجد ما ينفعه.
إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
قلّ أن دخل كتابُ حديثٍ بيوت المسلمين ومساجدهم كما دخل «رياض الصالحين»؛ فهو يُقرأ بعد الصلوات، ويُحفظ في الحِلَق، ويُدرَّس للمبتدئ والمنتهي، وتُرجم إلى لغاتٍ كثيرة، حتى صار عند كثيرين أولَ ما يُقرأ من كتب الحديث بعد الأربعين النووية. سرّ هذا الذيوع أنه يجمع بين صحة المادة وسهولة المأخذ وقربها من حاجة الناس اليومية.
وقد خدمه العلماء بالشروح؛ فمن أشهرها «دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين» لمحمد بن علان الصديقي، و«نزهة المتقين شرح رياض الصالحين» وهو عملٌ جماعيّ صدر عن مؤسسة الرسالة، و«شرح رياض الصالحين» للشيخ محمد بن صالح العثيمين وهو من أقربها إلى عامة القراء، و«بهجة الناظرين» لسليم الهلالي. وتعدّدت طبعاته وتحقيقاته حتى صار من أكثر كتب السنة انتشارًا في العالم الإسلامي.
ومكانة الكتاب اليوم أنه جسرٌ بين العالم والعامي: يجد فيه طالبُ العلم مادةً صحيحة مرتبة، ويجد فيه عامة الناس زادًا يوميًّا في الأخلاق والرقائق. وبهذا بقي بعد أكثر من سبعة قرون كتابَ تربيةٍ حيًّا، يُهدى ويُوصى به ويُبدأ به الطريق.
لست مضطرًا لقراءته من أوله إلى آخره؛ افتح الفهرس واختر بابًا يمسّ يومك: باب التوبة إن أثقلك ذنب، باب الصبر إن نزلت بك مصيبة، باب بر الوالدين إن أردت ما يقرّبك، باب الأذكار إن طلبت أُنس القلب. كل باب آيةٌ أو آيات ثم طائفة من الأحاديث الصحيحة، مجلسٌ لا يستغرق إلا دقائق ويبقى معك يومًا.
وفي القارئ هنا تجد نص «رياض الصالحين» كاملًا مرتّبًا على كتبه وأبوابه كما رتّبه النووي، مع فهرسٍ تفصيلي يوصلك إلى أي باب بضغطة واحدة. ابدأ بباب الإخلاص والنية، أول أبواب الكتاب، ثم تنقّل في رياضه حيث شئت، واقرأه كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
رياض الصالحين كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
315 فصلاً