عن الكتاب
في بغداد التي جمعت بين عراقة العلم وذبول الدولة العثمانية، نشأ رجلٌ حمل على عاتقه أن يكتب للقرآن تفسيرًا يلمّ شتات ما قاله المفسرون قبله ويزيد عليه. كان الألوسي مفتيًا للحاضرة، غزيرَ الحفظ، واسعَ الاطلاع، لا يقف عند روايةٍ دون دراية، ولا عند لفظٍ دون معنى. فجاء تفسيره سِفرًا موسوعيًا يطوف بك بين القراءات والإعراب والبلاغة وأقوال السلف، ثم يفتح لك في آخر كل مقطع بابًا من لطائف الإشارة يرقّق القلب بعد أن يُشبع العقل. هذا هو «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني»، خاتمةُ التفاسير الجامعة وأوسعُها أفقًا في العصور المتأخرة.

هو أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي البغدادي، وُلد ببغداد سنة سبع عشرة ومئتين وألف للهجرة في بيتٍ عريقٍ في العلم والنسب، ونسبتُه إلى «آلوس»، بلدةٍ على نهر الفرات يُردّ إليها أصل أسرته. نشأ حريصًا على الطلب، فحفظ وقرأ على علماء بغداد، ونبغ مبكرًا حتى صار يُشار إليه بالبنان في التفسير والحديث واللغة والأصول، وجمع إلى سعة الرواية قوةَ النظر وحدّة الذكاء.
تولّى الألوسي إفتاء بغداد سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين وألف، فمكث في منصبه بضع عشرة سنة يُدرّس ويُفتي ويصنّف، حتى صار مرجع أهل العراق في النوازل والمسائل. ثم رحل إلى الآستانة (إستنبول) يعرض علمه وتصانيفه على أعيان الدولة، فلقيه العلماء بالإكبار، وعاد إلى بلده مكرّمًا.
ولم يكن الألوسي عالمًا فردًا فحسب، بل كان مؤسسًا لبيتٍ علميٍّ ظلّ يُنجب الأعلام بعده؛ فمن ذريته ابنه نعمان خير الدين الآلوسي وحفيده العلامة محمود شكري الآلوسي، حتى صار اسم «الآلوسي» عَلَمًا على مدرسةٍ بغداديةٍ في التحقيق. توفي أبو الثناء ببغداد سنة سبعين ومئتين وألف للهجرة، تاركًا وراءه تفسيرًا خلّد اسمه أكثر من كل مناصبه.
ذكر الألوسي في مقدمته أنه طالما اشتاقت نفسه إلى وضع تفسيرٍ يجمع محاسن ما تفرّق في الكتب، حتى شرع فيه في شهر رجب سنة اثنتين وخمسين ومئتين وألف، وهو في عنفوان قوته العلمية. ثم ظلّ يعمل فيه ويُنقّحه قرابة خمس عشرة سنة، يكتب في أثناء انشغاله بالإفتاء والتدريس، حتى أتمّ هذا البناء الضخم الذي استوعب القرآن كله.
وقد جاء تأليفه في زمنٍ كانت فيه الدولة العثمانية تتراجع سياسيًا، بينما بقيت بغداد تحتفظ بمكتباتها العامرة وحلقاتها العلمية. فأفاد الألوسي من هذا التراث المخطوط الهائل، ونهل من تفاسير من سبقه، فكان تفسيره في جانبٍ منه خلاصةً لجهود قرونٍ من المفسّرين، صاغها بعقل ناقدٍ لا بيد ناسخٍ مجرّد.
وعنوان الكتاب نفسه يشي بطموحه؛ فـ«السبع المثاني» في قول جمهور المفسّرين هي فاتحة الكتاب، سُمّيت بذلك لأنها سبع آياتٍ تُثنّى وتُكرَّر في كل صلاة، فكأن الألوسي أراد أن يجعل تفسيره «روحًا» تسري في معاني القرآن العظيم كلِّه، من أوله إلى آخره.
يمتاز «روح المعاني» بأنه تفسيرٌ جامعٌ لا يقتصر على لونٍ واحد؛ فالألوسي يبدأ بالآية فيذكر ما ورد فيها من القراءات، ثم يُعرب ألفاظها، ويكشف عن أسرار بلاغتها، ويورد أقوال السلف والمأثور في معناها، ويعرّج على أسباب النزول والمناسبات بين الآيات والسور، ثم يبسط ما تحتمله من الأحكام الفقهية والمباحث الكلامية واللغوية. فهو بذلك يجمع بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المحمود في نسقٍ واحد.
ومن أبرز ما يُميّز الكتاب أن الألوسي كان يختم كثيرًا من المقاطع بلطائفَ من التفسير الإشاري، يستفتحها بعبارته المعروفة «ومن باب الإشارة»، فيسوق ما لدى أهل التصوّف من إشاراتٍ ورقائق، مع تنبيهه على أنها ليست هي المعنى المراد من اللفظ، بل لطائف تُذكر على سبيل الاعتبار لا التفسير. وبهذا وازن بين انضباط أهل الظاهر وذوق أهل القلوب دون أن يخلط بينهما.
ولم يكن الألوسي ناقلًا محايدًا، بل ناقدًا يوازن بين الأقوال ويُرجّح ويعترض؛ يحترم مَن سبقه ويأخذ عنهم، لكنه لا يتهيّب مخالفتهم إذا لاح له الدليل. وهذه الجرأة العلمية المقرونة بالأدب هي التي رفعت الكتاب من كونه مجموعًا للأقوال إلى كونه اجتهادًا حيًّا في فهم كلام الله.
«ومن باب الإشارة...»
أفاد الألوسي في تفسيره من أمّهات التفاسير التي سبقته، فحضرت في كتابه أنفاسُ «الكشاف» للزمخشري في بلاغته، و«أنوار التنزيل» للبيضاوي في دقته، و«مفاتيح الغيب» للفخر الرازي في مباحثه العقلية الواسعة، و«إرشاد العقل السليم» لأبي السعود، و«البحر المحيط» لأبي حيّان في تحقيقه اللغوي والنحوي. غير أنه لم يكن مجرّد جامعٍ لها، بل كان يمحّصها ويزيد عليها من فيض علمه.
وهذه السعة هي ما جعل الكتاب أشبه بموسوعةٍ قرآنية؛ فالقارئ فيه لا يجد تفسيرًا للآية فحسب، بل يجد حوله علومًا شتّى من اللغة والنحو والصرف والبلاغة والفقه وأصوله والعقيدة والقراءات والتاريخ، مبثوثةً في مواضعها. ولهذا صار «روح المعاني» مرجعًا لا يستغني عنه باحثٌ في التفسير، يعود إليه ليجمع بين يديه أقوال من تقدّم في مسألةٍ واحدة.
يُعدّ «روح المعاني» في نظر أهل العلم من خاتمة التفاسير الجامعة الكبرى؛ إذ جاء متأخّرًا فاستوعب ما قبله، وأضاف إليه، فصار كالخلاصة الناضجة لتراث التفسير الطويل. وقد أثنى عليه العلماء وعوّلوا عليه، ودخل مكتبات طلبة العلم في العالم الإسلامي كلِّه، وبقي إلى اليوم من أوسع ما يُرجَع إليه عند تحرير مسائل التفسير.
وقد طُبع الكتاب مرارًا في نحو ثلاثين جزءًا، ومن أشهر طبعاته طبعة دار إحياء التراث العربي ببيروت، وطبعة دار الكتب العلمية بتحقيق علي عبد الباري عطية مع فهارس تُيسّر الوصول إلى مباحثه. وتعدّد الطبعات وكثرة الإقبال عليها شاهدٌ على حياة الكتاب واستمرار نفعه بعد قرنٍ ونصفٍ من وفاة مؤلفه.
يمكنك أن تقرأ «روح المعاني» كاملًا على منصة رحلة مجانًا، بنصٍّ منسّقٍ يسهُل تصفّحه على الحاسوب والهاتف. اجعل قراءتك مقرونةً بالمصحف؛ اقرأ الآية أولًا، ثم عُد إلى الألوسي لتقف على قراءاتها وإعرابها وبلاغتها وأقوال السلف فيها، فيجتمع لك بين تلاوة النصّ وفهم معناه.
وإن أردت أن تذوق خصوصية الكتاب فتتبّع فقرات «ومن باب الإشارة» في أواخر المقاطع؛ فهي التي تكشف روح التفسير عند الألوسي، حيث يلين القلب بعد أن يمتلئ العقل. وكن على ذكرٍ من تنبيهه أن هذه الإشارات لطائف للاعتبار لا معانٍ يُقصر عليها اللفظ. فابدأ من سورةٍ تحبها، واقرأ على مهلٍ، ودع هذا السِّفر الموسوعي يفتح لك في كل آيةٍ بابًا من العلم.
النص الكامل بين يديك
روح المعاني كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
2123 فصلاً

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
7819 فصلاً

محمد بن أحمد + عبدالرحمن بن أبي بكر المحلي + السيوطي
1 فصل

أبو عبد الله القرطبي
3375 فصلاً

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ)
2279 فصلاً