عن الكتاب

رسالة الغفران

من معرّة النعمان، حيث اعتزل رجلٌ ضريرٌ الناسَ في بيته يسمّي نفسه «رهين المحبسين»، خرجت واحدةٌ من أعجب رسائل الأدب العربي وأبعدها خيالًا. لم يكن أبو العلاء المعري يكتب قصةً بالمعنى المألوف، وإنما ردَّ على رسالةٍ بعث بها إليه صديقه ابن القارح، فتخيّله وقد بُعث في الآخرة، يتنقّل بين الجنة والنار، يلقى فحول الشعراء وأهل اللغة والأدب، فيسائلهم كيف غُفر لهم وكيف كانوا ينظمون ويعربون. فامتزج في الرحلة السخريةُ بالجدّ، والنقدُ الأدبيُّ بالتأمّل في مصائر البشر، حتى صارت من أطرف ما كُتب في الأدب الإنساني عن العالم الآخر؛ إنها «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري.

غلاف رسالة الغفران
المؤلف
أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، الملقّب برهين المحبسين
مولده ووفاته
وُلد بمعرّة النعمان بالشام سنة 363 هـ وتوفّي بها سنة 449 هـ
النوع
رسالة أدبية نثرية، تُعدّ من أقدم ما كُتب في الرحلة الخيالية إلى العالم الآخر
سبب تأليفها
ردٌّ على رسالةٍ بعث بها إلى المعري صديقُه أبو الحسن علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح
بناؤها
قسمان: رحلةٌ خيالية في الجنة والنار يُسائل فيها الأدباء، ثم مناقشةٌ فكرية وأدبية لما ورد في رسالة ابن القارح
من أشهر تحقيقاتها
تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» الذي ذاع بين الباحثين

من هو أبو العلاء المعري؟

هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري، وُلد بمعرّة النعمان من بلاد الشام سنة ثلاثٍ وستّين وثلاثمائة، في بيتِ علمٍ وقضاءٍ وأدب. أصابه الجُدَريّ في صِغره فذهب ببصره وهو طفلٌ صغير، فلم يمنعه ذلك من أن يحفظ ويقرأ ويناظر، حتى صار من أوسع أهل زمانه علمًا باللغة والشعر والأخبار وأيام العرب، يُضرب بذاكرته المثل. رحل إلى بغداد في شبابه فلقي أهل العلم بها، ثم عاد إلى معرّته فلزم بيته ولم يبرحه.

وقد سمّى نفسه «رهين المحبسين»، يعني بذلك سجنَ العمى وسجنَ لزومِه بيته؛ وزاد بعضهم محبسًا ثالثًا هو بقاء روحه في جسده. عاش زاهدًا متقشّفًا، امتنع عن أكل اللحم وما يخرج من الحيوان، ولم يتزوّج ولم يُخلِّف ولدًا، إيثارًا لحياة العُزلة والتأمّل. وقد غلب على شعره وفكره نزوعٌ إلى الحيرة والتشاؤم والنظر العميق في الموت ومصير الإنسان، حتى لُقّب بشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء.

خلّف المعري آثارًا عظيمة في الشعر والنثر، منها ديوانه «سقط الزَّند»، و«لزوم ما لا يلزم» المعروف بـ«اللزوميات» الذي التزم فيه ما لا يلزم من القافية وضمّنه فلسفته في الحياة، وهذه «رسالة الغفران» في النثر. وقد أوصى أن يُنقش على قبره بيتٌ يختصر نظرته المتشائمة إلى وجوده، يحمِّل فيه أباه مسؤولية إخراجه إلى الدنيا ويبرّئ نفسه من أن يكون قد جنى بمثل ذلك على أحد.

هذا جَناهُ أبي عليَّ وما جَنيتُ على أحدِ
أبو العلاء المعري، البيت الذي أوصى أن يُكتب على قبره

كيف نشأت الرسالة؟ حكاية ابن القارح

لم تُكتب «رسالة الغفران» ابتداءً، وإنما جاءت جوابًا؛ فقد بعث إلى أبي العلاء صديقُه الأديب أبو الحسن علي بن منصور الحلبي، المعروف بابن القارح، برسالةٍ طويلةٍ تفيض بالعلم والأدب، خاض فيها في مسائل من اللغة والشعر، وعرَّج على ذكر جماعةٍ من الزنادقة والملحدين وأهل الأهواء. فردّ عليه المعري بهذه الرسالة البديعة، فجاراه في علمه، وسايره في همومه، لكنه سلك إلى ذلك طريقًا لم يخطر لصاحبه على بال.

فقد عمَد أبو العلاء إلى ابن القارح نفسه، فتخيّله وقد قامت القيامة وبُعث الناس، فساقه في رحلةٍ عبر العالم الآخر؛ يدخل الجنة فيلقى مَن فيها من الشعراء والرواة وأهل اللغة، ثم يشرف على النار فيرى مَن حلّ بها. وبهذا الإطار الطريف حوّل المعري رسالةً في النقد والجدل إلى عملٍ خياليٍّ فريد، يمزج المتعة بالعلم، ويتيح له أن يقول ما يشاء في الأدب واللغة والدين على ألسنة أهل الآخرة.

ولأنّ محور الرحلة هو مصير هؤلاء الأدباء وكيف نالوا المغفرة ودخلوا الجنّة رغم ما في أشعارهم من مجونٍ أو خمرٍ أو جاهلية، سُمّيت الرسالة بـ«رسالة الغفران». فالسؤال الذي يتردّد في أرجائها: كيف غُفر لفلانٍ وفلان؟ وبماذا نجا هذا وهلك ذاك؟ وهو سؤالٌ يفتح البابَ واسعًا أمام أبي العلاء ليعرض حيرته وسخريته وتأمّلاته في العدل والجزاء.

رحلة الآخرة: عالم الجنة والنار

تنقسم الرسالة قسمين؛ أشهرهما وأبدعهما هو رحلة ابن القارح في العالم الآخر. فنراه يتقلّب في نعيم الجنّة، يجول في مجالس الأدباء وقد صاروا من أهلها، يسائل فحول الشعراء من الجاهليين والإسلاميين عن أشعارهم ولغتهم ورواياتهم، ويناقشهم في دقائق النحو والعروض واللغة كما لو كانوا في حلقة درسٍ بالدنيا. ثم يشرف على أهل النار فيرى مصير من كذّب أو ألحد، ويلتقي بمن هناك من الشعراء المُغضَب عليهم، بل يبلغ الأمرُ أن يحاور إبليس نفسه.

وفي هذا الإطار الخيالي يتجلّى خيال المعري الجامح وسعة اطّلاعه؛ فالجنة عنده أشبه بروضةٍ أدبيةٍ لغوية، حورُها ونعيمها لا يُنسيان أهلَها أمرَ القوافي والأوزان والغريب من الكلام. وهو يصف مجالسها وأنهارها وأشجارها وصفًا بديعًا، لكنه يشحنه بالطُّرفة والمفارقة، فيجعل من مشهد الحساب والجزاء مسرحًا يعرض عليه رؤيته للأدب والحياة معًا.

وأمّا القسم الثاني من الرسالة فمناقشةٌ مباشرة لما ورد في كتاب ابن القارح، يعود فيها المعري إلى ذكر مَن سمّاهم صاحبُه من الزنادقة وأهل الشكّ، فيتحدّث عن أخبارهم وأقوالهم وأشعارهم، بأسلوبٍ يمتزج فيه الجدُّ بالسخرية والعلمُ باللغة بالنظر الفلسفي. وبين القسمين تتكشّف شخصية أبي العلاء: العالم الحافظ، والناقد اللاذع، والحائر المتأمّل في آنٍ واحد.

أسلوبها وأفكارها: سخرية وعلم وحيرة

ليست «رسالة الغفران» عملًا سرديًّا خالصًا، وإنما هي نسيجٌ متداخل من الأدب واللغة والفكر. فالمعري يتّخذ من رحلة الآخرة ذريعةً لعرض علمه الغزير بالشعر ورواته وأخباره، فتراه يستطرد في ضبط لفظةٍ أو تعليل قافيةٍ أو تصحيح روايةٍ من دواوين العرب، حتى غدت الرسالة كنزًا لغويًّا وأدبيًّا يعوّل عليه الدارسون في معرفة الشعر القديم وأخبار أهله.

ويغلب على الرسالة روحٌ من السخرية اللطيفة والتهكّم الرفيع؛ فأبو العلاء لا يكتب واعظًا ولا مؤرّخًا، بل ناقدًا فيلسوفًا يبتسم من وراء الكلمات، يضع الشعراءَ الكبار في مواقف طريفة، ويسائلهم عمّا قالوه في الدنيا، ويكشف عن المفارقة بين حياتهم وما آل إليه أمرهم. وتحت هذه السخرية تكمن حيرته العميقة إزاء مسائل المصير والعدل والجزاء التي شغلت فكره طوال عمره.

ولأنها كُتبت بلغةٍ رصينةٍ عاليةٍ مشحونةٍ بالغريب والإشارات، عُدّت من النصوص التي تحتاج قارئًا متأنّيًا؛ فهي متعةٌ لمن يتذوّق فصاحة العربية ويأنس إلى استطرادات العلماء، وميدانٌ خصبٌ للباحث في الأدب واللغة والفكر. وهذا التنوّع بين الخيال والعلم والفلسفة هو سرُّ بقائها حيّةً يُعاد قراؤتها ودرسها جيلًا بعد جيل.

الغفران بين النقاد ومقارنتها بالكوميديا الإلهية

من أكثر ما شغل الدارسين في «رسالة الغفران» شبَهُها بفكرة الرحلة إلى العالم الآخر التي عالجها الأدب العالمي، وعلى رأسه «الكوميديا الإلهية» للشاعر الإيطالي دانتي أليغييري التي نظمها بعد أبي العلاء بنحو ثلاثة قرون. فكلا العملين يقوم على رحلةٍ خيالية بين الجنة والنار، يلتقي فيها صاحبُها بأمواتٍ من الشعراء والأعلام. ولذلك يكثر عقد المقارنة بينهما في الدراسات الأدبية.

وقد ذهب بعض المستشرقين، وأشهرهم الإسباني آسين بلاثيوس، إلى أنّ التصوير الأخروي في الأدب العربي والإسلامي ربما ترك أثرًا في مخيّلة الأدب الأوروبي وفي «الكوميديا الإلهية» خاصة. غير أنّ هذه المسألة تبقى محلَّ نقاشٍ بين الباحثين؛ فليس ثمّة دليلٌ قاطع على تأثيرٍ مباشر، والأشبه أنّ الفكرة نبعت في كل ثقافةٍ من تصوّراتها الدينية عن الحساب والجزاء.

وأيًّا كان القول في مسألة التأثير، فإنّ مجرّد وضع «رسالة الغفران» في هذا السياق العالمي يدلّ على مكانتها؛ فهي شاهدٌ على أنّ الأدب العربي عرف هذا اللون الرفيع من الخيال الفلسفي مبكّرًا، وقدّم فيه نصًّا لا يزال يُقرأ ويُقارَن بأعظم ما أنتجته الآداب الإنسانية في بابه.

مكانتها وأثرها وكيف تقرؤها على رحلة

احتلّت «رسالة الغفران» مكانةً رفيعة في تاريخ النثر العربي، فهي من عيون فنّ الرسائل، ومن أبرز ما يُدرَّس في الأدب العباسي وأدب أبي العلاء خاصة. وقد عُني بها العلماء المحدثون عنايةً ظاهرة؛ فكتب عن أبي العلاء وفكره طه حسين في غير كتاب، وأخرجت تلميذتُه الدكتورة عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» تحقيقًا مشهورًا للرسالة، غدا مرجعًا للباحثين في نصّها وشرح غريبها.

وتبقى قيمة الرسالة مزدوجة؛ فهي من جهةٍ عملٌ أدبيٌّ ممتع يأخذ القارئ في رحلةٍ خيالية طريفة، ومن جهةٍ أخرى وثيقةٌ لغويةٌ وأدبيةٌ نفيسة تحفظ كثيرًا من أخبار الشعراء ورواياتهم ونقد أشعارهم. ولهذا يقصدها الأديب طلبًا للمتعة، ويقصدها الباحث طلبًا للمادّة، ويجد كلٌّ منهما فيها بغيته.

وأنت تقرؤها على رحلة تجد نصّها كاملًا متاحًا للقراءة والبحث مجانًا؛ فإن شئت المتعة فاتبع رحلة ابن القارح في الجنة والنار وما فيها من طرائف ومساجلات، وإن شئت مادّةً بعينها فابحث عن شاعرٍ أو مسألةٍ في نصّ الرسالة فيوصلك البحث إلى موضعها. واقرأها قراءة المتأمّل الذي يتذوّق فصاحة العربية ويتتبّع خيال أبي العلاء وسخريته وحيرته في آنٍ واحد.

أسئلة شائعة

من مؤلف رسالة الغفران؟
مؤلفها الشاعر والأديب الفيلسوف أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري، المولود بمعرّة النعمان سنة 363 هـ والمتوفّى بها سنة 449 هـ. أصابه العمى في صِغره ولُقّب برهين المحبسين لعزلته في بيته، وهو صاحب «سقط الزند» و«اللزوميات»، ويُعدّ من أعظم شعراء العربية وأعمقهم فكرًا.
عن ماذا تتحدّث رسالة الغفران؟
تقوم الرسالة على رحلةٍ خيالية يتخيّل فيها المعري صديقَه ابن القارح وقد بُعث في الآخرة، فيتنقّل بين الجنة والنار، يلتقي بفحول الشعراء والأدباء واللغويين ويسائلهم عن أشعارهم وكيف غُفر لهم. ثم يعقب ذلك قسمٌ يناقش فيه المعري ما ورد في رسالة ابن القارح من ذكر الزنادقة وأهل الشكّ، فتمتزج فيها المتعة الأدبية بالعلم اللغوي والنظر الفلسفي.
لماذا سُمّيت بـ«رسالة الغفران»؟
لأنّ محورها هو مصير الأدباء والشعراء في الآخرة وكيف نالوا المغفرة ودخلوا الجنة رغم ما في أشعارهم من مجونٍ أو خمرٍ أو جاهلية. فالسؤال الذي يتردّد في أرجائها: بماذا غُفر لهؤلاء؟ وهو سؤالٌ يتيح لأبي العلاء أن يعرض حيرته وتأمّلاته في العدل والجزاء ومصائر البشر.
ما علاقة رسالة الغفران بالكوميديا الإلهية لدانتي؟
يعقد كثيرٌ من الدارسين مقارنةً بين الرسالة و«الكوميديا الإلهية» لدانتي، لاشتراكهما في فكرة الرحلة الخيالية بين الجنة والنار ولقاء الأموات من الشعراء. وقد ذهب بعض المستشرقين كآسين بلاثيوس إلى احتمال تأثّر الأدب الأوروبي بالتصوير الأخروي العربي والإسلامي، لكنّ المسألة تبقى محلّ نقاش ولا دليل قاطع على تأثيرٍ مباشر.
هل يمكن قراءة رسالة الغفران كاملة مجانًا؟
نعم، النصّ الكامل لرسالة الغفران متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة. يمكنك أن تتابع رحلة ابن القارح في الجنة والنار وما فيها من مساجلات ومفارقات، أو أن تبحث عن شاعرٍ أو مسألةٍ بعينها في نصّ الرسالة فيوصلك البحث إلى موضعها بسهولة.

النص الكامل بين يديك

رسالة الغفران كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن