عن الكتاب
ثلاثة رجالٍ من فلسطين، تفرّقهم الأعمار وتجمعهم الخيبة نفسها، يقايضون كرامتهم بأملٍ في لقمة عيش، فيرمون بأنفسهم في جوف خزّانٍ معدنيٍّ فارغٍ ليُهرَّبوا عبر صحراءٍ ملتهبةٍ من العراق إلى الكويت. تحت شمسٍ لا ترحم، وفي صمتٍ ثقيلٍ يخنق الصدور، تمضي رحلتهم نحو مصيرٍ يختصر مأساة شعبٍ بأكمله. من هذه الصورة القاسية الموجعة صاغ غسان كنفاني واحدةً من أخلد ما كُتب في الأدب العربيّ الحديث: «رجال في الشمس».

غسان كنفاني (1936–1972) أديبٌ وصحفيٌّ فلسطينيٌّ وُلد في مدينة عكّا، وكان في الثانية عشرة من عمره حين اقتُلعت أسرته من فلسطين عام النكبة، فعاش تجربة اللجوء والتشرّد التي ستطبع كتابته كلّها. من رحم هذه التجربة خرج كاتبًا جعل من القضية الفلسطينية مادّته وشغله الشاغل، فصار من أبرز من عبّروا عن وجع شعبه بلغةٍ أدبيةٍ رفيعة.
يُعدّ كنفاني من روّاد ما سمّاه هو نفسه «أدب المقاومة»، وقد نبّه النقّاد والقرّاء إلى هذا التيار وأرسى ملامحه. ولم يكن مجرّد روائيّ، بل كان صحفيًّا مرموقًا وناطقًا سياسيًّا، جمع بين القلم والموقف. وإلى جانب «رجال في الشمس» ترك أعمالًا خالدة مثل «عائد إلى حيفا» و«ما تبقّى لكم» و«أمّ سعد».
اغتيل كنفاني في بيروت في تموز/يوليو 1972 بانفجار عبوةٍ زُرعت في سيارته، وهو في السادسة والثلاثين، فطوى موتُه المبكّر مسيرةً واعدة. غير أنّ رحيله المأساويّ لم يُطفئ أثره، بل زاد أعماله حضورًا ورمزيّة، وجعل من سيرته امتدادًا لما كتب عن التضحية والفقد والصمود.
تدور الرواية حول ثلاثة فلسطينيين من أجيالٍ مختلفة تلاقت بهم دروب اللجوء في مدينة البصرة العراقية، وكلٌّ منهم يحمل حلمًا واحدًا: بلوغ الكويت حيث الرزق والعمل والنجاة من ذلّ المخيّم. هناك أبو قيس، الشيخ الذي أثقلته السنون وأحلام العودة إلى أرضه؛ وأسعد الشابّ الذي خذلته الوعود؛ ومروان، الفتى الغضّ الذي حُمّل قبل الأوان عبء إعالة أسرته.
لا يملك الثلاثة ثمن التهريب الآمن، فيقعون في يد أبي الخيزران، سائقٍ يقود شاحنةً تحمل خزّان ماءٍ فارغًا، يعرض أن يعبر بهم الحدود مقابل مالٍ زهيد، على أن يختبئوا في جوف الخزّان المعدنيّ كلّما اقتربوا من نقاط التفتيش. وأبو الخيزران نفسه رجلٌ مثخنٌ بجرحٍ خفيّ، فقد فقد رجولته في حرب 1948، فبات جسده صورةً حيّةً لما فقده وطنٌ بأكمله.
تنطلق الرحلة عبر رمال الصحراء الملتهبة، حيث يتحوّل الخزّان الفارغ في عزّ الظهيرة إلى فرنٍ لا يُطاق. ومن هذه المفارقة القاسية، رجالٌ يهربون نحو الحياة داخل ما يشبه القبر، تنسج الرواية توترها. ونؤثر ألّا نكشف تفاصيل النهاية؛ فوقع «رجال في الشمس» كلّه رهنٌ بتلك اللحظات الأخيرة تحت الشمس، حيث ينتظر القارئ مصير الرجال وقلبه معلّق.
ليست «رجال في الشمس» رحلة تهريبٍ فحسب، بل هي مرثيّةٌ رمزيّةٌ لمأساة فلسطين وشتات أهلها. فالخزّان الفارغ منفى مغلق، والصحراء العابرة قدرٌ لا فكاك منه، والشمس الحارقة صورةٌ لعالمٍ لا يكترث لعذاب المقتلعين من أرضهم. وفي عجز أبي الخيزران الجسديّ إسقاطٌ موجعٌ على عجزٍ أكبر: عجز جيلٍ عن حماية أرضه وكرامته.
لكنّ أعمق ما تطرحه الرواية سؤالها المدوّي عن الصمت والاستسلام: لماذا يسكت المقهورون؟ لماذا لا يصرخون، لا يقرعون الجدران التي تخنقهم؟ لقد أراد كنفاني أن يهزّ ضمير أمّته، وأن ينتقد الخضوع والانتظار السلبيّ، وأن يقول إنّ النجاة لا تُنال بالهرب الصامت، بل بأن يرفع الإنسان صوته ويقاوم مصيره.
وقد تكثّف هذا كلّه في السؤال الأخير الذي يطلقه أبو الخيزران في ذهولٍ وحسرة، فصار من أشهر ما يُستشهد به في الأدب العربيّ الحديث، لأنه لا يوجَّه إلى الموتى وحدهم، بل إلى كلّ قارئٍ يسمعه.
لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟
يكتب كنفاني «رجال في الشمس» بأسلوبٍ حديثٍ متأثّرٍ بتيارات الرواية العالمية في زمنه، فيوزّع السرد على فصولٍ يحمل كلٌّ منها اسم أحد شخصياته، ويتنقّل بين حاضر الرحلة وماضي كلّ رجلٍ عبر استرجاعاتٍ تكشف جرحه الخاصّ. وبهذا البناء المتعدّد المنظور تتجمّع أصوات الرجال الثلاثة في مأساةٍ واحدة، دون أن يفقد أيٌّ منهم ملامحه.
ولغته مقتصدةٌ مشحونة، تقول الكثير بالقليل، وتترك للصورة والرمز أن يحملا ما لا يُقال مباشرةً. فالرواية قصيرةٌ تُقرأ في جلسةٍ واحدة، لكنّ كثافتها تجعلها تسكن القارئ طويلًا بعد الفراغ منها. وهذا المزج بين الإيجاز والعمق، وبين الحدث المشوّق والدلالة الرمزية، هو سرّ رسوخها في الذاكرة.
منذ صدورها احتلّت «رجال في الشمس» مكانةً خاصّةً بوصفها أحد أهمّ نصوص الأدب الفلسطينيّ الحديث، ونموذجًا مؤسِّسًا لأدب المقاومة. فقد نجحت في تحويل مأساةٍ سياسيةٍ إلى عملٍ فنيٍّ إنسانيٍّ يتجاوز حدود القضية إلى كلّ من عرف المنفى والفقد والبحث المرير عن الكرامة، فقُرئت في العالم العربيّ وخارجه، وتُرجمت إلى لغاتٍ عديدة.
وقد زاد من انتشارها أنّ المخرج توفيق صالح اقتبسها في فيلمٍ شهيرٍ بعنوان «المخدوعون» عام 1972، فحمل الحكاية إلى جمهورٍ أوسع ورسّخ صورها في الوجدان. ولا تزال الرواية تُدرَّس وتُناقَش في الجامعات والأوساط الأدبية، ويُستعاد سؤالها الأخير كلّما دار حديثٌ عن القهر والصمت والمصير.
إنّ خلود «رجال في الشمس» نابعٌ من صدقها وكثافتها معًا: عملٌ صغير الحجم عظيم الأثر، جمع بين الحكاية المشوّقة والرسالة الموجعة، وبين خصوصية التجربة الفلسطينية وعموم السؤال الإنسانيّ. ولهذا بقيت حيّةً في وجدان الأجيال، يجدّد كلّ قارئٍ اكتشافها من جديد.
هذه رواية لكلّ من يحبّ الأدب الذي يمسّ القلب ويوقظ العقل، ولمن يهتمّ بالقضية الفلسطينية وأدبها، ولمن يبحث عن نصٍّ قصيرٍ بليغٍ يترك أثرًا لا يُمحى. وهي بابٌ مثاليٌّ للدخول إلى عالم غسان كنفاني وإلى أدب المقاومة عمومًا، يقرؤها المبتدئ فيشدّه الحدث، ويقرؤها المتمرّس فيتأمّل رموزها ودلالاتها.
ونضع على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يقرّبك من عالم الرواية وأفكارها وسرّ مكانتها، لا نسخةً كاملةً من نصّها. والرواية متوفّرةٌ في طبعاتها المتعددة لمن أراد أن يقرأها كاملة، ونحن هنا نوجز لك خلاصتها ونضعك على أوّل الطريق إليها.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون