عن الكتاب
كم من ليلةٍ سهرها المرء يقلّب همًّا لم يقع، ويجترّ ماضيًا لا يُردّ، ويستبق مستقبلًا لا يملك مفاتيحه؟ من هذا الوجع الإنسانيّ المشترك ينطلق ديل كارنيجي ليقول إنّ القلق ليس قدرًا محتومًا، بل عادةٌ يمكن كسرها بقواعد بسيطة يتعلّمها الإنسان كما يتعلّم أيّ مهارةٍ أخرى. لا يعِد الكتاب قارئه بحياةٍ بلا مشكلات، بل يعلّمه كيف يحبس همّ الأمس والغد خارج يومه، ويعيش في حدود «حجرةٍ محكمة الإغلاق» اسمها اليوم الحاضر. وحين تنكشف له هذه الحيلة الصغيرة يكتشف أنّ نصف عمره كان يُنفَق في معاركَ مع أشباح. هذه هي خلاصة «دع القلق وابدأ الحياة».

يقوم الكتاب على قاعدةٍ يجعلها كارنيجي حجر الأساس: أن يعيش الإنسان في «حدود يومٍ واحد»، فيغلق البابين الحديديين على ماضٍ مضى لا يُستدرك، وعلى غدٍ لم يأتِ بعدُ ولا يملك أحدٌ ضمانه. فمعظم ما يستنزفنا ليس همّ اللحظة الحاضرة، بل ندمٌ على أمسٍ وخوفٌ من غد، ومتى عزلنا هذين عن يومنا خفّ الحِمل فجأةً وصار محتملًا.
ويستعير كارنيجي لهذه الفكرة صورةً بديعة: صورة السفينة التي تنقسم إلى حجراتٍ محكمة الإغلاق، تُغلَق دونها الأبواب عند الخطر فلا يغرقها تسرّبٌ في جانب. كذلك ينبغي للمرء أن يعيش في «حجراتٍ محكمة الإغلاق بحدود اليوم»، لا يدع همّ الأمس ولا قلق الغد يتسرّبان إلى يومه فيُغرقانه. إنها دعوةٌ إلى تركيز الطاقة كلّها في المهمّة التي بين اليدين الآن.
وبهذا يقدّم الكتاب نفسه لا كنظريةٍ في علم النفس، بل كدليلٍ عمليٍّ في فنّ العيش، يخاطب الموظّف والأمّ والطالب وكلّ إنسانٍ أنهكه الهمّ، بلغةٍ سهلةٍ محبّبةٍ تفيض بالأمثلة من حياة أناسٍ حقيقيّين واجهوا قلقهم فانتصروا عليه.
ديل كارنيجي كاتبٌ ومحاضرٌ أمريكيّ (1888–1955م)، نشأ في أسرةٍ فقيرةٍ بولاية ميزوري، وشقّ طريقه من العَوَز إلى أن صار من أشهر معلّمي التطوير الذاتيّ والخطابة في القرن العشرين. اشتُهر بدوراته في فنّ التواصل والتحدّث أمام الجمهور، ومنها تولّدت كتبه التي خاطبت الإنسان العاديّ في همومه اليومية بلغةٍ يفهمها.
ذاع صيت كارنيجي أوّلًا بكتابه «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس» (1936م)، الذي صار من أكثر الكتب مبيعًا في التاريخ. ثم أتبعه بعد سنواتٍ بـ«دع القلق وابدأ الحياة» ليعالج وجهًا آخر من حياة الإنسان: صراعه الداخليّ مع الهمّ والتوتّر، فجاء الكتابان معًا كجناحين لمشروعه في تعليم الناس كيف يحسنون التعامل مع أنفسهم ومع من حولهم.
ولم يكن كارنيجي فيلسوفًا ولا عالِم نفسٍ أكاديميًّا، بل جامعًا بارعًا لحكمة التجربة؛ يستقي من قصص الناس ومن أقوال الحكماء والأطبّاء ورجال الأعمال، ثمّ يصوغ ذلك كلّه في قواعدَ عمليةٍ يسيرةٍ يستطيع القارئ تطبيقها فور أن يغلق الكتاب. وهذا القرب من همّ القارئ هو سرّ بقاء أعماله حيّةً تُقرأ بعد عقود.
لا يكتفي الكتاب بالوعظ، بل يقدّم «وصفةً» عمليةً لتحليل أيّ همٍّ يلحّ على المرء، خلاصتها ثلاث خطوات: أن يسأل نفسه بهدوء «ما أسوأ ما يمكن أن يحدث؟»، ثمّ أن يهيّئ نفسه لتقبّل هذا الأسوأ إن وقع، ثمّ أن يشرع بعد أن هدأ رَوعه في العمل على تحسين ذلك الأسوأ ما استطاع. فبمجرّد أن يواجه الإنسان أقصى ما يخافه ويصالحه، يزول عنه شلل القلق وتتحرّر طاقته للفعل.
ويضيف كارنيجي قاعدةً يسمّيها «قانون المعدّلات» أو منطق الأرقام؛ إذ يدعو القارئ إلى أن يسأل: ما احتمال وقوع ما أخافه فعلًا؟ فكثيرٌ من مخاوفنا حين نحاكمها إلى سجلّ الاحتمالات نجدها بعيدةً جدًّا عن الحدوث، ننفق عليها من القلق أضعاف ما تستحقّ. ومن قواعده كذلك «التعاون مع ما لا مفرّ منه»، أي تقبّل المحتوم بدل استنزاف النفس في مصارعة ما لا يُردّ.
ومن أنجع ما يوصي به كسرًا لعادة القلق أن يبقى الإنسان مشغولًا؛ فالعقل الفارغ مرتعٌ خصبٌ للهواجس، والانهماك في عملٍ نافعٍ يطرد الهمّ طردًا. ويحذّر من الوقوف طويلًا عند التوافه التي لا تستحقّ، ومن اجترار أخطاء الماضي، داعيًا إلى أن نضع لهمومنا حدًّا نتوقّف عنده فلا نبيع راحتنا بأبخس الأثمان.
حقّق «دع القلق وابدأ الحياة» رواجًا هائلًا منذ صدوره، فبِيعت منه ملايين النسخ، وتُرجم إلى عشرات اللغات، وبقي عقودًا طويلةً حاضرًا على رفوف المكتبات وقوائم الأكثر مبيعًا، حتى صار من أشهر ما كُتب في بابه على الإطلاق. وفي العالم العربيّ تُرجم مرارًا وانتشر انتشارًا واسعًا، وصار عنوانه عبارةً مألوفةً على الألسنة.
وسرّ هذا الرواج أنّ الكتاب لامس همًّا يشترك فيه البشر على اختلاف أزمانهم وثقافاتهم: القلق. فما من قارئٍ إلا وجد نفسه في صفحاته، ووجد قاعدةً يستطيع تطبيقها في يومه ذاته. لم يخاطبهم من علٍ بلغةٍ عالِمةٍ معقّدة، بل حدّثهم كصديقٍ خبير، ووضع بين أيديهم أدواتٍ بسيطةً محسوسة بدل النظريات المجرّدة.
يُضاف إلى ذلك أسلوبه القصصيّ الآسر؛ فالكتاب مرصّعٌ بحكاياتٍ عن أشخاصٍ حقيقيّين صرعهم القلق ثم انتصروا عليه، وهذه القصص تعلق في الذهن وتُقنع أكثر من ألف نصيحةٍ مجرّدة. اجتمع هذا كلّه فصنع كتابًا يوصي به القرّاء بعضهم بعضًا جيلًا بعد جيل.
وجد فيه ملايين القرّاء عونًا حقيقيًّا؛ إذ منحهم أدواتٍ عمليةً خفّفت من وطأة همومهم، وأعادت إليهم قدرًا من الطمأنينة والقدرة على الفعل. ولهذا يُعدّ عند كثيرين مدخلًا كلاسيكيًّا لا يزال نافعًا لمن يريد أن يبدأ رحلته في ترويض القلق وتنظيم انفعالاته.
وفي المقابل يرى بعض النقّاد أنّ الكتاب يميل إلى التبسيط والتفاؤل الزائد، وأنّ نصائحه، على نفعها، لا تكفي وحدها في مواجهة صور القلق الشديدة أو الاضطرابات النفسية التي تحتاج إلى علاجٍ متخصّص. كما يؤخذ عليه أنّه ابن زمنه في بعض أمثلته ولغته، وأنّه أقرب إلى حكمة التجربة منه إلى البحث النفسيّ المحكّم.
وبين هذا وذاك يستقرّ موقفٌ منصفٌ يتبنّاه قرّاءٌ كثيرون: أن يُقرأ الكتاب بوصفه مجموعةً من القواعد العملية المُلهِمة في إدارة الهمّ اليوميّ، لا بديلًا عن العلاج حين يشتدّ الأمر. فهو يحسن ما يعِد به: تخفيف قلق الحياة المعتاد وإعادة توجيه الطاقة نحو الحاضر.
يناسب الكتاب كلّ من أنهكه القلق والتوتّر وأراد قواعد عمليةً يبدأ بها فورًا، ومن يبحث عن مدخلٍ سهلٍ ممتعٍ إلى فنّ إدارة الهمّ دون تعقيدٍ نظريّ. وهو مفيدٌ خاصّةً للطلّاب والموظّفين وأصحاب المسؤوليات الذين يثقل عليهم استباق المستقبل واجترار الماضي.
أمّا من يعاني قلقًا شديدًا أو اضطرابًا نفسيًّا حقيقيًّا، فالأولى ألّا يجعل الكتاب بديلًا عن أهل الاختصاص، بل يأخذ منه ما ينفعه إلى جانب العلاج. والأفضل قراءته بروح المجرِّب الذي يطبّق قواعده على واقعه، لا القارئ الذي يكتفي بالإعجاب من بعيد.
ونقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يضعك على أعتاب فكرة الكتاب وقواعده وسرّ رواجه، دون أن نستضيف نصّه الكامل. فالكتاب من الأعمال العالمية المترجمة المتوفّرة لدى ناشريها وفي المكتبات، ونحن هنا نوجز لك خلاصته ونشير إلى مكانته لتقرّر إن كان وجهتك القادمة في القراءة.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون