عن الكتاب
في ليلٍ صعيديٍّ ساكن، يعلو صوتُ الكروان حزينًا متهدّجًا، فتُصغي إليه فتاةٌ حملت في قلبها جرحًا لا يندمل وثأرًا لا ينام. تخاطبه كأنه رفيقٌ يعرف سرّها، وتروي له قصّة أختٍ ذبحها شرفُ العائلة، وأمٍّ شرّدها الفقر، وحبٍّ وُلد من رحم الرغبة في الانتقام فقلب كلّ شيء. هي حكاية آمنة التي خرجت تطلب الثأر لأختها فوقعت في شرك ما جاءت لتقتله. هذه هي «دعاء الكروان»، رائعة طه حسين الروائية عن قهر المرأة وصراع الحبّ والثأر.

هو طه حسين، وُلد سنة 1889 في قريةٍ من قرى صعيد مصر، لأسرةٍ متوسّطة الحال كثيرة العيال. فقد بصره طفلًا صغيرًا إثر رمدٍ أصاب عينيه عُولج علاجًا خاطئًا، فعاش عمره كلّه كفيفًا. غير أن هذا الحرمان لم يُقعده، بل شحذ ذاكرته وسمعه وشغفه بالعلم، حتى حفظ القرآن في كُتّاب قريته صبيًّا، ثم شدّ الرحال إلى القاهرة ليطلب العلم في الأزهر، فالجامعة المصرية، فجامعة السوربون في باريس.
عاد طه حسين إلى مصر أستاذًا للأدب، فعميدًا لكلية الآداب، ثم وزيرًا للمعارف حيث نادى بمجّانية التعليم. وكان مجدِّدًا جريئًا أثارت آراؤه جدلًا واسعًا، لكنه ظلّ رمزًا للنهضة الفكرية والأدبية في العالم العربي، حتى لُقّب بـ«عميد الأدب العربي». وإلى جانب النقد والدراسة، كتب القصّة والرواية، فكانت «دعاء الكروان» من أنضج أعماله الروائية وأحبّها إلى القرّاء.
التعليم كالماء والهواء، حقٌّ لكل مواطن.
تدور الرواية حول فتاةٍ صعيدية اسمها آمنة، تفقد أباها فتخرج مع أمّها زهرة وأختها هنادي من بلدتهنّ باحثاتٍ عن عيشٍ في مدينةٍ غريبة، حيث يعملن خادماتٍ في البيوت. وهناك تقع المأساة التي تُشعل الحكاية كلّها: تتعرّض هنادي لغوايةٍ من الرجل الذي تخدم في بيته، فيثور خالُها غسلًا لعار العائلة، ويقع ما لا يُغتفر.
من هذا الجرح تنطلق آمنة عازمةً على الثأر لأختها ممّن كان سببًا في مصيرها. تدخل بيته وقد أضمرت له الانتقام، تنتظر لحظتها وتُحكم خطّتها، لكنّ القلب لا يسير دائمًا حيث تريد الإرادة؛ فبين الرغبة في الثأر وبين ما ينبت في النفس من مشاعرَ لم تكن في الحسبان، تجد آمنة نفسها في صراعٍ مع ذاتها أعنف من صراعها مع خصمها.
ولن نكشف هنا كيف تُحسم هذه المعركة بين الحبّ والثأر، فذلك سرّ الرواية الذي يُبقي القارئ مشدودًا حتى السطر الأخير. يكفي أن نقول إن «دعاء الكروان» ليست حكاية انتقامٍ فحسب، بل رحلةٌ في أعماق نفسٍ ممزّقة بين الوفاء لأختها القتيلة وبين نداءٍ آخر لم تعرف كيف تقاومه.
في قلب «دعاء الكروان» قضيةٌ اجتماعية جريئة: قهر المرأة في المجتمع الريفي، وما يُرتكب باسم الشرف من ظلمٍ يقع على الضحية لا على الجاني. فطه حسين يضع القارئ وجهًا لوجه أمام مأساة هنادي، لا ليُدين امرأةً ضعيفة، بل ليُدين عُرفًا يُهدر دم الأنثى ويترك الرجل حرًّا طليقًا. وهو بذلك يكتب أدبًا يحمل ضميرًا، ويجعل من قصّةٍ عاطفية مرافعةً صامتة عن كرامة المرأة.
وإلى جانب ذلك تتناول الرواية صراع الثأر والغفران، وذلك السؤال العسير: هل يُطفئ الانتقام نار الفقد، أم يزيدها اشتعالًا؟ تعيش آمنة هذا الصراع في نفسها، فتتأرجح بين وفاءٍ لأختها يدفعها إلى الانتقام، وإنسانيةٍ تنازعها كلّما اقتربت من تنفيذ ما عزمت عليه. وفي هذا التأرجح تكمن أعمق لحظات الرواية وأصدقها.
تُروى «دعاء الكروان» بضمير المتكلّم على لسان آمنة، فنسمع الحكاية من فم صاحبتها وقد أثقلها الحزن، لا من راوٍ محايد خارج الأحداث. وهذا الاختيار يمنح الرواية حرارةً وحميمية، ويجعل القارئ شريكًا في وجدان الفتاة، يعيش حيرتها وألمها وتقلّب مشاعرها من الداخل لا من بعيد.
أمّا اللغة فهي لغة طه حسين المعروفة: نثرٌ شاعريٌّ رفيع، تتماوج فيه الجمل في إيقاعٍ موسيقيٍّ متّزن، حتى ليكاد القارئ يسمع للعبارة رنينًا. والكروان، ذلك الطائر الليليّ الحزين الذي تخاطبه آمنة وتبثّه شكواها، ليس تفصيلًا عابرًا بل رمزٌ يسري في الرواية كلّها؛ فصوته المتهدّج في الليل صدىً لجرح البطلة، ودعاؤه دعاؤها هي، ومن هنا جاء عنوان الرواية.
ذاع صيت «دعاء الكروان» وترسّخت مكانتها حين تحوّلت إلى فيلمٍ سينمائيٍّ مصريٍّ شهير سنة 1959، من إخراج هنري بركات وبطولة فاتن حمامة في دور آمنة. فحمل الفيلمُ الروايةَ إلى جمهورٍ أوسع بكثير من قرّاء الأدب، وصار من كلاسيكيات السينما المصرية، حتى إن كثيرين عرفوا القصّة من الشاشة قبل أن يعرفوها من الكتاب.
لكنّ شهرة الرواية لم تقم على الفيلم وحده؛ فهي عملٌ يجمع بين متانة الحبكة وجمال اللغة وجرأة الطرح، إذ لامس طه حسين قضيةً حسّاسة في المجتمع بأسلوبٍ أدبيٍّ رفيع لا يخطب ولا يعظ، بل يُحرّك القلب ليُوقظ العقل. ولهذا بقيت «دعاء الكروان» حاضرةً في المكتبة العربية، تُقرأ وتُدرّس ويعود إليها جيلٌ بعد جيل.
وتبقى الرواية شاهدةً على مقدرة طه حسين على أن يكون روائيًّا كما كان ناقدًا ومفكّرًا وصاحب سيرة؛ فهو الذي أعطى العربية «الأيام» في السيرة الذاتية، أعطاها «دعاء الكروان» في فنّ الرواية، فأثبت أن قلمه يبدع في كلّ ما يطرقه.
يمكنك قراءة «دعاء الكروان» كاملةً هنا على رحلة، فتتابع الحكاية من بدايتها حين تخرج آمنة وأمّها وأختها من بلدتهنّ، حتى نهايتها التي تحبس الأنفاس. واقرأها متمهّلًا، فهي روايةٌ يُذاق نثرها كما تُتابَع أحداثها؛ أنصت لنداء الكروان في ثناياها، وتأمّل كيف يصنع طه حسين من قصّة حبٍّ وثأرٍ عملًا أدبيًّا خالدًا.
والنصّ الكامل متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا، فابدأ من أوّل الرواية واعبر مع آمنة رحلتها بين الفقد والانتقام والحبّ، في واحدةٍ من أجمل روايات عميد الأدب العربي طه حسين.
النص الكامل بين يديك
دعاء الكروان كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن