عن الكتاب
في زمنٍ اضطربت فيه الأفهام بين نصوصٍ محكمةٍ من الوحي وقواعدَ كلاميّةٍ وفلسفيّةٍ تزعم أنّ العقل إذا خالف ظاهر النقل وجب تقديمه عليه وتأويل النصّ أو ردّه، وقف شيخ الإسلام ابن تيمية ليهدم هذا الأصل من قواعده. رأى أنّ في هذا «القانون» بابًا يُفضي إلى تعطيل صفات الله وردّ أخبار الأنبياء باسم العقل، فعقد العزم على ردّه بأصله وفرعه، وأن يُثبت أنّ العقل الصريح لا يناقض الوحي الصحيح أبدًا، بل يوافقه ويشهد له. فأملى في ذلك سِفرًا ضخمًا جمع فيه بين تحرير مذاهب المتكلّمين والفلاسفة ونقضها، وبين تقرير موافقة المعقول للمنقول، حتى غدا من أجمع ما كُتب في بابه وأدقّه. هذا هو كتاب «درء تعارض العقل والنقل».

هو الإمام العلّامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحرّاني، وُلد بحرّان سنة إحدى وستين وستمائة، ثم نزح أهله بيته العلمي إلى دمشق فرارًا من غارة التتار، فنشأ في بيتٍ عُرف بالعلم والفقه على مذهب الإمام أحمد. حفظ القرآن صغيرًا، وأقبل على العلوم إقبالًا نادرًا حتى بَرَع في التفسير والحديث والفقه وأصوله واللغة والكلام والفلسفة، وأفتى ودرّس وهو دون العشرين، فشُهد له بالإمامة وسعة الحفظ وقوّة الحجّة.
كان ابن تيمية آيةً في استحضار العلوم ومناظرة المخالفين؛ ناظر الفلاسفة والمتكلّمين وأهل الأهواء، وردّ على المنطق اليوناني وعلى غلاة المتصوّفة والباطنية، وخاض المعارك الفكرية والعملية جميعًا، حتى قاد الناس في مدافعة التتار وحرّض على جهادهم. ولم تكن حياته حياة قلمٍ فحسب، بل حياة مواجهةٍ للباطل بلسانه وسنانه، فاجتمعت له إمامة العلم وشجاعة الموقف.
ابتُلي رحمه الله بمحنٍ وسجونٍ متعدّدة بسبب مواقفه العلمية، وكان يقول إنّ في السجن خلوةً ونعمة، فما زاده الحبس إلا تصنيفًا وإملاءً. وكانت خاتمته أن سُجن في قلعة دمشق ومُنع من الكتابة، فتوفّي بها سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة، فخرجت دمشق كلها في جنازته على نحوٍ لم يُعهد مثله، وبقيت مصنّفاته الجامعة شاهدةً على إمامةٍ قلّ أن يجود الزمان بمثلها.
كان المتكلّمون قد وضعوا قاعدةً كليّة صارت أصلًا يُبنى عليه ردّ كثيرٍ من نصوص الوحي، مؤدّاها أنّه إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل؛ لأنّ العقل أصل النقل، فلو قدّمنا النقل عليه لقدحنا في أصله فبطلا معًا. وبهذا «القانون» فُتح الباب لتأويل نصوص الصفات وصرفها عن ظاهرها، أو تفويض معناها، بحجّة أنّ العقل يقتضي خلاف ظاهرها. وقد قرّر هذا الأصل ونصره فخر الدين الرازي ومن سار على طريقته من متأخّري أهل الكلام.
رأى ابن تيمية أنّ هذا القانون هو الأصل الذي منه تشعّبت شبهات نفي الصفات وردّ الأخبار، وأنّ نقضه هو مفتاح الباب كله؛ فإنّه إذا ثبت أنّ العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، سقطت دعوى التعارض من أصلها، ولم يبقَ للتأويل المتكلَّف موضع. فعقد العزم على تتبّع هذا الأصل بالنقض والتحرير، لا بالردّ المجمل، بل بالمناقشة المفصّلة التي تستوعب حججهم وتردّها واحدةً واحدة.
فجاء الكتاب ثمرة هذا المشروع الكبير؛ يبدأ بذكر «القانون» كما قرّره أصحابه بألفاظهم، ثم يشرع في نقضه بوجوهٍ كثيرة متتابعة عُدّت نحو أربعةٍ وأربعين وجهًا، يهدم بها دعوى التعارض من كل جهة. وقد صار عنوانه الآخر «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» عنوانًا كاشفًا عن مقصوده كله؛ فالغاية إثبات أنّ ما صحّ نقله عن الأنبياء يوافق ما صرَّح به العقل السليم، لا يناقضه.
«العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح، بل يوافقه ويشهد له، وإنما التعارض يقع بين نقلٍ غير صحيحٍ أو عقلٍ غير صريح».
يقوم منهج ابن تيمية في «الدرء» على قاعدةٍ عادلة في المناظرة؛ فهو لا يواجه خصومه بالدعوى المجرّدة، بل ينقل مذاهبهم بأمانةٍ وتفصيلٍ من كتبهم، ثم يبني عليها النقض، حتى إنّ القارئ ليجد في الكتاب أوثق عرضٍ لأقوال المتكلّمين والفلاسفة، مقرونًا بمناقشتها. وهذه الطريقة من أظهر ما يميّز الكتاب؛ إذ يجمع بين تحرير قول المخالف وردّه في سياقٍ واحد.
ثم إنّه لا يكتفي بردّ التعارض المدَّعى، بل يبيّن أنّ العقل الصريح إذا حُقّق شهد للنقل الصحيح ووافقه، فيقلب الحجّة على أصحاب «القانون» ويُثبت أنّ ما ظنّوه معقولًا قاطعًا مخالفًا للنقل إنما هو شبهةٌ فاسدةٌ تنكشف عند التحقيق. وبهذا يجمع الكتاب بين هدم الباطل وبناء الحق، فلا يترك القارئ في حيرة النقض، بل يسوقه إلى قرار الموافقة بين العقل والوحي.
وقد سلك في تصنيفه مسلك الاستطراد الواسع الذي عُرف به؛ فإذا عرضت مسألةٌ استوفى القول فيها من أطرافها، فتراه يعرّج على أصول الفلاسفة في الإلهيات، وعلى مقالات المعتزلة والأشاعرة والكرّامية وغيرهم، وينقل كلام أئمة السلف، ويحرّر معاني العقل والفطرة، حتى صار الكتاب موسوعةً في أصول الدين لا مجرّد ردٍّ على قاعدةٍ واحدة، وإن كان مدار الجميع على تلك المسألة الكبرى.
من أبرز ما يمتاز به «درء تعارض العقل والنقل» أنّه لا يقف موقف المعادي للعقل كما يُتوهَّم، بل يُنزِل العقل منزلته اللائقة به؛ فيُثبت له مكانته في معرفة الله وتصديق الرسل وإدراك الأدلة، وينكر في الوقت نفسه أن يُجعل حاكمًا على الوحي يردّ نصوصه باسم قواطعَ عقليّةٍ ليست بقاطعة. فهو كتابٌ يُنصف العقل والنقل جميعًا، ويردّ الغلوّ في تعظيم أحدهما على حساب الآخر.
ومن مزاياه سعة النَّفَس في تتبّع الشبهة إلى منتهاها؛ فلا يدع للخصم حجّةً إلا ناقشها، ولا مقدّمةً إلا حرّرها، حتى يبلغ باليقين مبلغه. وهذا الاستقصاء هو الذي جعل الكتاب مرجعًا لا غنى عنه لمن أراد أن يفهم مذاهب المتكلّمين والفلاسفة على حقيقتها ثم يعرف مواضع الخلل فيها، فهو في ذلك من أنفع ما كُتب في تحرير مسائل الاعتقاد ومناهج النظر.
وقد جمع الكتاب بهذا كله بين عمق التحقيق وسعة الاطّلاع؛ فصاحبه يستحضر أقوال الفرق ومصنّفاتها استحضار المطّلع عليها، ويردّها ردّ المتمكّن من أصولها، ثم يقرّر مذهب السلف في أنّ نصوص الكتاب والسنّة حقٌّ يوافق صريح العقل، فلا يحتاج المؤمن إلى أن يضرب النصوص بعضها ببعض، ولا أن يعطّل ما دلّ عليه الوحي بدعوى معارضة العقل.
تبوّأ «درء تعارض العقل والنقل» مكانةً عالية بين مصنّفات ابن تيمية خاصّةً، وبين كتب أصول الدين عامّةً؛ حتى عُدّ من أجمع ما صُنّف في تقرير موافقة العقل للنقل ونقض دعوى التعارض بينهما. وهو من كبار مؤلّفاته التي تُظهر سَعة علمه وقوّة نظره، يرجع إليه طلاب العلم والباحثون في مسائل الصفات والعقل والنقل ومناهج المتكلّمين والفلاسفة.
وقد عرفه أهل العلم في العصر الحديث حين طُبع محقَّقًا؛ فكان من أشهر تحقيقاته وأتقنها تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، الذي عُني بضبط نصّه ومقابلة نسخه وخدمته بالفهارس، ونشرته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في نحو عشرة مجلدات. وبهذه الطبعة انتشر الكتاب انتشارًا واسعًا، وصار في متناول الدارسين بعد أن كان حبيسًا في المخطوطات.
ومع مرور القرون على تأليفه، ظلّ الكتاب محتفظًا بقيمته العلمية؛ فهو من جهةٍ مرجعٌ في تقرير عقيدة السلف والردّ على مخالفيها، ومن جهةٍ أخرى مدرسةٌ في طريقة المناظرة والنقض العلمي المنصف، يستفيد منه المتخصّص في العقيدة كما يستفيد منه الباحث في تاريخ الفكر الكلامي والفلسفي عند المسلمين.
يُنصح قارئ «الدرء» أن يبدأ بمقدّمة الكتاب حيث يعرض ابن تيمية «القانون الكلي» الذي وضعه المتكلّمون بألفاظهم، فبها تُمسك بمدار الكتاب كله قبل الدخول في تفاصيله. ثم تتابع الوجوه التي ينقض بها هذا الأصل واحدًا بعد واحد، فتقرأ في كل وجهٍ حجّةً مستقلّة، ولا يضيرك أن يطول النَّفَس في الاستطراد، فذاك من طبيعة الكتاب وسعة علم صاحبه.
واقرأه قراءة المتأمّل لا المستعجل؛ فقف عند تحرير المصطلحات كالعقل والفطرة والتعارض، وتتبّع كيف يقلب حجّة الخصم عليه ليُثبت موافقة المعقول للمنقول، فذاك موضع الفائدة الكبرى فيه. والنصّ كامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أوّله على ترتيب مؤلّفه، أو انتقل عبر البحث إلى المسألة التي تعنيك، واقرأ في سِفرٍ من أعظم ما صنّفه شيخ الإسلام في أصول الدين.
النص الكامل بين يديك
درء تعارض العقل والنقل كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن عبد الوهاب
1 فصل

محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
1 فصل

محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
1 فصل

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
1 فصل

ابن أبي العز الحنفي
1 فصل

أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري
1 فصل