عن الكتاب

حب في زمن الكوليرا

شابٌّ فقيرٌ يقع في هوى فتاةٍ من أوّل نظرة، فيكتب إليها الرسائل ويعزف لها ويقسم أن ينتظرها ما دام حيًّا؛ لكنّها تتزوّج طبيبًا وجيهًا وتمضي في حياتها، فيمضي هو في حياته أيضًا وقلبُه معلّقٌ بها لا يبرح. تمرّ السنون تلو السنين، ويشيخ العاشقان كلٌّ على حِدة، حتى إذا مات الزوج بعد أكثر من نصف قرنٍ عاد الرجل العجوز يطرق بابها ليجدّد لها العهد الذي قطعه في شبابه. من هذه الحكاية المجنونة عن الحبّ والصبر والزمن نسج الروائيّ الكولومبيّ غابرييل غارسيا ماركيز روايته «حب في زمن الكوليرا».

غلاف حب في زمن الكوليرا
المؤلف
غابرييل غارسيا ماركيز · روائيّ كولومبيّ (1927–2014م)
اللغة الأصلية
الإسبانية، وعنوانها الأصليّ El amor en los tiempos del cólera
سنة النشر
صدرت بالإسبانية عام 1985م
النوع
رواية عالمية مترجمة · رواية حبّ
المكانة
من روائع أدب أمريكا اللاتينية؛ لصاحب جائزة نوبل في الآداب (1982م)
من وحيها
استوحى الكاتب جانبًا منها من قصّة حبّ والدَيه

عالم الرواية: مدينةٌ على الكاريبي وحبٌّ مؤجّل

تدور أحداث الرواية في مدينةٍ ساحليةٍ على البحر الكاريبي في كولومبيا، لم يُسمِّها ماركيز صراحةً وإن استوحى ملامحها من مدنٍ عرفها كقرطاجنة وبارّانكيّا، في زمنٍ يمتدّ من أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين. مدينةٌ حارّةٌ رطبةٌ تفوح منها روائح المرفأ والأسواق، تتناوب عليها موجات الكوليرا والحروب الأهلية، وفيها تنبت حكاية حبٍّ تمتدّ على عمرٍ كامل.

ثلاثةٌ يحملون الحكاية: فلورنتينو أريثا، الشابّ الحالم الفقير الذي يهوى فيرمينا داثا هوى الشباب الأوّل فيقسم لها بالوفاء الأبديّ؛ وفيرمينا نفسها، الفتاة الجميلة الأبيّة التي تنصرف عنه في النهاية لتتزوّج الطبيب المرموق خوفينال أوربينو؛ والطبيب أوربينو، الرجل الوجيه صاحب المكانة الذي كرّس عمره لمحاربة أوبئة مدينته وفي مقدّمتها الكوليرا. حول هذا المثلّث ينسج ماركيز روايةً عن الحبّ في كلّ أطواره.

لن يظفر فلورنتينو بحبيبته في شبابه، لكنّه لن ييأس أيضًا؛ يمضي في الحياة ويرتقي في عمله ويملأ سنينه بعلاقاتٍ عابرةٍ لا تُحصى يقيّدها في دفاتره، بينما يحتفظ في أعماقه بمكانٍ لا يمسّه أحدٌ سواها. وحين يشيخ الجميع ويطوي الزمن نصف قرنٍ كامل، يقع ما يقلب الحكاية رأسًا على عقب فيعود العاشق القديم ليطرق بابًا ظنّ الناس أنّه أُغلق إلى الأبد. وما بعد ذلك ممّا نتركه لمتعة القارئ في صفحات الرواية.

غابرييل غارسيا ماركيز: صاحب نوبل وأشهر روائيّي أمريكا اللاتينية

غابرييل غارسيا ماركيز (1927–2014م) روائيٌّ وصحفيٌّ كولومبيّ، يُعدّ من أعظم كتّاب اللغة الإسبانية وأشهر أدباء أمريكا اللاتينية في القرن العشرين، ومن أبرز أعلام تيّار «الواقعية السحرية». عُرف بلقب «غابو» في بلاده وبين قرّائه، ونال جائزة نوبل في الآداب عام 1982م تقديرًا لعالمه الروائيّ الذي مزج فيه الخيال بالواقع وتاريخ قارّته بأساطيرها.

ذاع صيت ماركيز في العالم كلّه برائعته «مئة عام من العزلة» (1967م) التي حكت ملحمة عائلة بوينديا وقريتها ماكوندو، وصارت من أشهر روايات القرن العشرين وأوسعها انتشارًا وترجمة. وجاءت «حب في زمن الكوليرا» بعدها بنحو عقدين لتؤكّد مكانته، فعُدّت من أنضج أعماله وأكثرها التصاقًا بالقلب، حتى وصفها بعض النقّاد بأنّها إحدى أجمل روايات الحبّ التي كُتبت.

وقد صرّح ماركيز بأنّ الرواية استوحت بذرتها الأولى من قصّة حبّ والدَيه ومن مشاهد شيخوخةٍ رآها بعينه، فصهر ذلك كلّه في خيالٍ روائيّ واسع. وبموته عام 2014م ودّع العالمُ واحدًا من أعظم رواة القصص في العصر الحديث، وبقيت كتبه تُقرأ وتُترجم في كلّ لغة، ومنها هذه الرواية التي نتناولها هنا.

الحبّ في كلّ أعماره

الفكرة التي تقوم عليها الرواية أنّ الحبّ ليس حكرًا على الشباب، وأنّ القلب قد يظلّ ينبض بالشوق نفسه بعد أن يشيخ صاحبه ويتجعّد وجهُه وتبيضّ لحيته. فما يفعله ماركيز هنا جريءٌ نادر: يكتب قصّة حبٍّ عظيمةٍ يتحقّق تتويجها في الشيخوخة لا في ريعان الصبا، ويسأل بلا خجل: أيحقّ للعجائز أن يعشقوا كما يعشق الفتيان؟

وتتّسع الرواية لتستعرض ألوان الحبّ كلّها لا لونًا واحدًا: حبّ الشباب المتّقد، والزواج الطويل الذي يخلط الألفة بالملل والوفاء بالخيانات الصغيرة، والعلاقات العابرة التي لا تُشبع، والوَلَه الصبور الذي يعيش على الرسائل والذكرى عشرات السنين. فكأنّ الكتاب موسوعةٌ في مذاهب الحبّ الإنسانيّ، يعرضها بلا وعظٍ ولا مثالية، بما فيها من جمالٍ وضعفٍ وتناقض.

ومن أعمق ما تلمسه الرواية علاقة الحبّ بالزمن والشيخوخة والموت؛ فالانتظار الطويل الذي يقطعه العاشق يجعل من الصبر بطلًا خفيًّا في الحكاية، ويجعل من مرور العمر امتحانًا للعهد لا نهايةً له. وبين شبابٍ يذبل وأجسادٍ تهرم وقلوبٍ لا تكفّ عن الحبّ، تطرح الرواية سؤالها الخالد: هل ينتصر الحبّ على الزمن، أم يكتفي بأن يصالحه؟

الكوليرا بين المرض والمجاز

الكوليرا في الرواية حاضرةٌ بوجهين: وباءٌ حقيقيّ يفتك بالمدينة الساحلية ويطارد أهلها في تلك الحقبة، يقف الطبيب أوربينو في وجهه ويكرّس علمه لدرئه؛ وهي في الوقت نفسه مجازٌ عن الحبّ نفسه. فقد لاحظ الكاتب أنّ أعراض العشق المضني تشبه أعراض الداء: الحُمّى، والسهاد، وشحوب الوجه، والاضطراب، وفقدان الشهية، حتى ليكاد المحبّ يبدو مريضًا مصابًا.

من هذا التشابه الموحش يبني ماركيز عنوانه ودلالته؛ فالحبّ في هذه الرواية ليس نزهةً هادئة، بل هو كالوباء يجتاح صاحبه فيسلبه رشده وصحّته وسكينته، ويلازمه العمر كلّه كأنّه علّةٌ لا شفاء منها. وبهذا يصير «زمن الكوليرا» زمنَ الحبّ نفسه: عصرٌ يعيش فيه الناس تحت وطأة الأوبئة والحروب، ويعيش فيه العاشق تحت وطأة شوقٍ لا يبرأ.

وتبلغ هذه الرمزية ذروتها في المشاهد الأخيرة حين يصير المرض نفسه حيلةً وملاذًا؛ إذ ترفع الرحلة النهرية في ختام الرواية رايةً تُعلن الوباء لتخلو لصاحبيها من كلّ الناس. وفي هذا المزج بين المرض والحبّ والموت تكمن عبقرية العنوان الذي جعل «الكوليرا» قرينةً للعشق لا نقيضًا له.

أسلوب ماركيز: سحرٌ يسكن الواقع

يكتب ماركيز بلغةٍ غنيّةٍ حسّيّةٍ تفيض بالألوان والروائح والتفاصيل، فتشعر وأنت تقرأ كأنّك تتنفّس هواء الكاريبي الرطب وتسمع ضجيج مرافئه. جُمَلٌ طويلةٌ متدفّقة، واستطراداتٌ تحمل في طيّاتها حكاياتٍ فرعيةً وشخصياتٍ عابرة، وسخريةٌ خفيّةٌ رقيقة تصاحب أشدّ اللحظات عاطفية، فلا يسقط النصّ في الميلودراما ولا يفقد دفأه.

وعلى خلاف «مئة عام من العزلة» التي غرقت في العجائب، تميل «حب في زمن الكوليرا» إلى واقعيةٍ أهدأ؛ فالسحر هنا لا يأتي من معجزاتٍ خارقة، بل من مبالغةٍ شعريةٍ في تصوير المشاعر ومن قدرة الكاتب على أن يجعل انتظار خمسين عامًا أمرًا مقنعًا مؤثّرًا. إنّها واقعيةٌ سحريةٌ خفيّة، تسكن تفاصيل الحياة اليومية بدل أن تعلو فوقها.

ومن براعة البناء أنّ الرواية لا تسير في خطٍّ زمنيّ مستقيم؛ فهي تفتتح قرب النهاية ثم ترتدّ إلى الوراء لتحكي عمرًا كاملًا، متنقّلةً بين الأزمنة والشخصيات في نسيجٍ محكم. وبهذا الأسلوب المتمهّل الغنيّ صنع ماركيز روايةً تُقرأ على مهلٍ كما تُشرب قهوةٌ في يومٍ حارّ، وتترك في القارئ أثرًا لا يزول.

مكانتها ورواجها ولمن هي؟ ونبذةٌ على رحلة

نالت «حب في زمن الكوليرا» منذ صدورها عام 1985م احتفاءً نقديًّا واسعًا، وعُدّت من أنضج أعمال ماركيز وأحبّها إلى القرّاء، وتُرجمت إلى عشرات اللغات وبيعت منها نسخٌ لا تُحصى حول العالم. وكثيرًا ما تُذكر في قوائم أعظم روايات الحبّ في الأدب الحديث، وأسهمت في ترسيخ صاحبها بوصفه أحد كبار روائيّي القرن العشرين، وقد اقتُبست سينمائيًّا في فيلمٍ صدر عام 2007م.

وفي العالم العربيّ لقيت الرواية إقبالًا كبيرًا؛ إذ نُقلت إلى العربية وتردّد اسمها بين القرّاء ونوادي القراءة، وصارت من أشهر عناوين الأدب اللاتينيّ المترجم إلى جانب «مئة عام من العزلة». هي روايةٌ لمن يحبّ قصص الحبّ الكبيرة والسرد الغنيّ المتأنّي، ولمن يطرب للأدب اللاتينيّ وأجوائه، ولكلّ قارئٍ يودّ أن يرى الحبّ والشيخوخة والزمن بعينٍ جديدة. غير أنّ فيها من صراحة تصوير العلاقات ما يناسب القارئ الناضج.

نقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يضعك على أعتاب عالم الرواية وأفكارها وسرّ مكانتها قبل أن تقتنيها، دون أن نستضيف نصّها الكامل. والرواية من الأعمال العالمية المترجمة المتوفّرة لدى ناشريها وفي المكتبات ومنصّات البيع، ونحن هنا نوجز لك خلاصتها ونشير إلى قيمتها لتقرّر إن كانت وجهتك القادمة في القراءة.

أسئلة شائعة

عن ماذا تتحدّث رواية حب في زمن الكوليرا؟
تحكي الرواية قصّة حبٍّ تمتدّ على أكثر من نصف قرن في مدينةٍ ساحليةٍ على البحر الكاريبي؛ فالشابّ فلورنتينو أريثا يعشق فيرمينا داثا في شبابه ويقسم لها بالوفاء، لكنّها تتزوّج الطبيب خوفينال أوربينو. ينتظر العاشق عمرًا كاملًا وفيًّا لعهده، حتى إذا ترمّلت حبيبته في شيخوختها عاد ليجدّد لها حبّه، فتصير الرواية تأمّلًا واسعًا في الحبّ والصبر والشيخوخة والزمن.
من مؤلف رواية حب في زمن الكوليرا؟
مؤلفها الروائيّ الكولومبيّ غابرييل غارسيا ماركيز (1927–2014م)، أشهر أدباء أمريكا اللاتينية وصاحب جائزة نوبل في الآداب عام 1982م، ومن أبرز أعلام «الواقعية السحرية». صدرت الرواية بالإسبانية عام 1985م بعد رائعته الأشهر «مئة عام من العزلة».
لماذا سُمّيت «حب في زمن الكوليرا» بهذا الاسم؟
للكوليرا في الرواية وجهان: وباءٌ حقيقيّ كان يفتك بمدن الكاريبي في تلك الحقبة، ومجازٌ عن الحبّ نفسه؛ فقد لاحظ ماركيز أنّ أعراض العشق المضني، الحُمّى والسهاد والشحوب وفقدان الشهية، تشبه أعراض الداء. فالحبّ في الرواية يجتاح صاحبه كالوباء ويلازمه العمر كلّه، ومن هنا جاء العنوان الذي جعل «الكوليرا» قرينةً للحبّ.
هل رواية حب في زمن الكوليرا مبنيّة على قصّة حقيقية؟
ليست سيرةً واقعيةً، لكنّ ماركيز صرّح بأنّه استوحى بذرتها الأولى من قصّة حبّ والدَيه ومن مشاهد شيخوخةٍ رآها، ثمّ صهر ذلك في خيالٍ روائيّ واسع. فهي عملٌ أدبيّ متخيَّل تستلهم مشاعره وشخصياته من الواقع دون أن تنقله حرفيًّا.
هل تستحقّ رواية حب في زمن الكوليرا القراءة؟
يراها كثيرٌ من القرّاء والنقّاد إحدى أجمل روايات الحبّ في الأدب الحديث ومن أنضج أعمال ماركيز، بلغةٍ غنيّةٍ وأجواءٍ كاريبيةٍ آسرة ونظرةٍ عميقة إلى الحبّ والزمن. تناسب محبّي السرد المتأنّي والأدب اللاتينيّ والقارئ الناضج، وقد رشّحها لذلك رواجها العالميّ واحتفاء النقّاد بها واقتباسها سينمائيًّا عام 2007م.

احصل على الكتاب

هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.

اطلبه من أمازون