عن الكتاب
في مطلع عام 1492م تُسلَّم غرناطة، فيُطوى بها آخر ما بقي من الأندلس، وتبدأ فصولٌ من القهر ما كان لأهلها أن يتخيّلوها. من زقاقٍ في حيّ البيازين، حيث يجلس أبو جعفر الورّاق بين كتبه ومخطوطاته، تنسج رضوى عاشور حكاية أسرةٍ غرناطيةٍ عاديةٍ تتناقل الأجيالُ فيها جرحًا واحدًا: كيف يعيش المرء وقد صار غريبًا في وطنه؟ عبر ثلاثة أجيالٍ تمتدّ من سقوط المدينة إلى تهجير المورِيسكيين، نشهد التنصير القسريّ وحرق الكتب في الساحات ومحاكم التفتيش، ونرى شعبًا يقاوم بالحبّ والذاكرة واللغة قبل السيف. تلك هي «ثلاثية غرناطة».

تنطلق الحكاية من لحظةٍ فاصلةٍ في التاريخ: تسليم غرناطة سنة 1492م، حين نزل أبو عبد الله الصغير عن آخر ممالك الأندلس لملكَي قشتالة وأراغون. لكنّ رضوى عاشور لا تكتب تاريخ الملوك والمعاهدات، بل تنزل إلى الأزقّة، إلى بيتٍ في حيّ البيازين يسكنه أبو جعفر الورّاق؛ رجلٌ يعيش على نسخ الكتب وتجليدها، فتصير الأسرة الصغيرة مرآةً لمصير أمّةٍ بأكملها.
ومع مرور السنين تُشدَّد الخناق على أهل غرناطة المسلمين؛ فتُنقض العهود، ويُفرض التنصير القسريّ، وتُحرق الكتب العربية في ساحات المدينة، ويُمنع الناس من لغتهم ولباسهم وحمّاماتهم، وتتربّص بهم محاكم التفتيش. وسط هذا كلّه يحاول أبناء الأسرة وأحفادها أن يحفظوا ما يستطيعون من دينٍ ولسانٍ وذاكرةٍ في السرّ، فيتحوّل مجرّد البقاء إلى فعل مقاومة.
تمتدّ الثلاثية عبر ثلاثة أجيالٍ ونحوٍ من قرنٍ من الزمان، حتى تبلغ ذروتها المأساوية في تهجير المورِيسكيين ونفيهم عن أرضهم. وهي في مجموعها ملحمةٌ عن وطنٍ يُنتزَع ببطء، رُويت من زاوية الناس العاديين لا المنتصرين، من غير أن نكشف تفاصيل المصائر التي تنتظر شخصياتها المحبوبة.
رضوى عاشور روائيةٌ وناقدةٌ وأكاديميةٌ مصرية، وُلدت بالقاهرة عام 1946م، ونالت الدكتوراه في الأدب من الولايات المتحدة، وعملت أستاذةً للأدب الإنجليزيّ في جامعة عين شمس سنواتٍ طويلة. جمعت في حياتها بين البحث الأكاديميّ الرصين والكتابة الإبداعية والالتزام بقضايا أمّتها، فكانت صوتًا يُحترَم في المشهد الثقافيّ العربيّ.
وإلى جوار «ثلاثية غرناطة» كتبت رضوى أعمالًا لقيت حفاوةً واسعة، من أشهرها روايتها «الطنطورية» عن الشتات الفلسطينيّ، وكتابها السِّيريّ «أثقل من رضوى». وقد ارتبطت حياتها بالشاعر الفلسطينيّ مريد البرغوثي زوجًا، وابنهما الشاعر تميم البرغوثي، فصار بيتها بيت أدبٍ وشعرٍ وقضية.
رحلت رضوى عاشور عام 2014م بعد صراعٍ مع المرض، تاركةً إرثًا أدبيًّا جعلها من أبرز الروائيات العربيات في العصر الحديث. وتظلّ «ثلاثية غرناطة» في طليعة ما يُذكر به اسمها، شاهدةً على قدرتها على مزج التاريخ بالوجدان، والفنّ بالموقف.
في قلب الثلاثية سؤالٌ عن الهوية والانتماء: ماذا يبقى من الإنسان حين يُجرَّد من لغته ودينه واسمه وأرضه؟ تتتبّع الرواية كيف يقاوم شعبٌ بأكمله محو ذاكرته، فيتشبّث بالتفاصيل الصغيرة؛ كلمةٌ تُهمَس، عادةٌ تُمارَس خفيةً، كتابٌ يُدفَن ليَسلَم من النار. الذاكرة هنا سلاحٌ، ونسيانُها موتٌ ثانٍ.
ولعلّ أبلغ رموز الثلاثية مشهد حرق الكتب؛ فمهنة أبي جعفر الورّاق تجعل الكتاب رمزًا للعلم والحضارة والوجود ذاته، وحرقه فعلَ إبادةٍ للروح قبل الجسد. ومن هنا تصير اللغة العربية والكلمة المكتوبة بطلًا صامتًا في الرواية، تتوسّل بها الشخصيات للبقاء في وجه محاولات الطمس.
وتُعنى رضوى عاشور عنايةً خاصةً بالنساء وبالحياة اليومية؛ فالبطولة في عالمها ليست في المعارك، بل في صبر امرأةٍ، وفي مائدةٍ تُعَدّ، ومولودٍ يُسمّى، وحكايةٍ تُروى للأحفاد. بهذا النَّفَس الإنسانيّ الدافئ تحوّل التاريخ الجافّ إلى لحمٍ ودمٍ ودمع، وتجعل القارئ يعيش المأساة من الداخل لا من صفحات الحوليّات.
حين نُشرت الثلاثية في تسعينيات القرن الماضي قرأ كثيرٌ من النقّاد والقرّاء في سقوط غرناطة صدىً لجراحٍ عربيةٍ معاصرة، وفي مقدّمتها فقدان فلسطين وتجربة الشتات والتهجير. فمأساة المورِيسكيين المطرودين من ديارهم بدت أشبه بمرآةٍ تعكس آلامًا لم تلتئم، فاكتسب العمل بُعدًا رمزيًّا تجاوز حدود زمانه ومكانه.
وهكذا لم تكن «ثلاثية غرناطة» استعادةً باردةً للماضي، بل كتابةً عن الحاضر بلغة التاريخ. فالأندلس المفقودة صارت رمزًا لكلّ وطنٍ يُنتزَع، ولكلّ شعبٍ يُقتلَع من جذوره، وهو ما منح الرواية حضورًا متجدّدًا في وجدان القارئ العربيّ جيلًا بعد جيل.
لقيت الثلاثية منذ صدورها احتفاءً نقديًّا واسعًا؛ فنالت روايتها الأولى «غرناطة» جائزة أفضل كتابٍ لعام 1994م في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ثم عُدّت الثلاثية كاملةً من علامات الرواية التاريخية العربية الحديثة. وقد أدرجها اتحاد الكتّاب العرب ضمن قائمة أفضل مئة روايةٍ عربية، وهو اعترافٌ رفيعٌ بمكانتها.
وتجاوزت شهرتها حدود العالم العربيّ؛ إذ تُرجمت روايتها الأولى إلى الإنجليزية بعنوان "Granada"، ودُرِّست في الجامعات، وصارت مرجعًا لكلّ من يريد أن يفهم مأساة الأندلس من منظورٍ إنسانيّ روائيّ. وبهذا رسّخت رضوى عاشور اسمها روائيةً كبيرةً، ورسّخت الثلاثية موقعها عملًا يُقرأ ويُدرَّس ويُستعاد.
هذه ثلاثيةٌ لمحبّي الرواية التاريخية والأدب الرفيع، ولكلّ مشغوفٍ بحكاية الأندلس ونهايتها المؤلمة، ولمن تستهويه الأعمال التي تتأمّل في الهوية والذاكرة والوطن. من يبحث عن سردٍ إنسانيٍّ دافئٍ يمزج التاريخ بالوجدان، ويقدّم أبطالًا من الناس العاديين لا الملوك، سيجد فيها عملًا يسكنه طويلًا بعد أن يطوي صفحاته الأخيرة.
نقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يعينك على معرفة عالم الثلاثية وأفكارها وسرّ مكانتها قبل أن تقتنيها، دون أن نستضيف نصّها الكامل. والثلاثية متوفّرةٌ لدى ناشرها وفي المكتبات ومنصّات البيع، ونحن هنا نضعك على أوّل الطريق إليها ونوجز لك خلاصتها وأسباب خلودها.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون