عن الكتاب

ثرثرة فوق النيل

على متن عوّامةٍ راسيةٍ على ضفّة النيل، يلتئم كلَّ ليلةٍ نفرٌ من المثقفين والموظفين: محامٍ وممثلٌ وناقدٌ وكاتب، يلتفّون حول «الجوزة» يدخّنون ويسمرون ويطلقون النكات، هاربين من عالمٍ لم يعد يعنيهم في شيء. يتوسّطهم «أنيس زكي»، الموظف الغارق في كِيفه، الذي فقد الرغبة في كلّ شيءٍ إلا في الغياب عن الوعي. وحين تقتحم عليهم كاتبةٌ شابةٌ تبحث عن الجدّية في زمن اللامبالاة، يبدأ توازن العوّامة الهشّ في الاهتزاز، حتى تقودهم ليلةٌ عابثةٌ إلى ما لا رجعة فيه. إنها «ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ.

غلاف ثرثرة فوق النيل
المؤلف
نجيب محفوظ (1911 – 2006)
سنة النشر
1966
النوع
رواية فلسفية وجودية رمزية
اللغة الأصلية
العربية
المكان
القاهرة · عوّامة على النيل في ستينيات القرن العشرين
المكانة
من أشهر روايات نجيب محفوظ الحائز نوبل 1988، ونُقلت إلى فيلمٍ شهير سنة 1971

عالم الرواية: عوّامةٌ على النيل وروّادها

تدور أحداث الرواية كلّها تقريبًا فوق عوّامةٍ راسيةٍ على النيل، تتحوّل كلّ مساءٍ إلى ملجأٍ لجماعةٍ من أبناء الطبقة المتوسطة المثقفة: محامٍ، وممثل، وناقد فنّي، وكاتب، وموظف. يجتمعون حول «الجوزة» يدخّنون الحشيش ويتبادلون النكات والأحاديث التي لا تنتهي، هربًا من مسؤوليات النهار وأثقال الواقع. يتعهّد شؤونهم خادمٌ عجوز هو «عمّ عبده»، يُعدّ لهم أسباب سهرتهم بصمتٍ كأنه حارس المعبد، بينما تنساب الليالي متشابهةً في دخانٍ وثرثرة.

يتوسّط هذه الحلقة «أنيس زكي»، الموظف الصغير الذي جعل من العوّامة مملكته، والذي غرق في كِيفه حتى صار الغياب عن الوعي عادته الدائمة وملاذه من ذكرى فقدٍ قديمٍ أطاح بحياته الأولى. من رأسه المخدَّر تنبثق تأمّلاتٌ شاردةٌ في التاريخ والكون والفراعنة والآلهة، تتناوب مع ثرثرة الجماعة الساخرة التي أعطت الرواية عنوانها: كلامٌ كثيرٌ لمّاعٌ لا يفضي إلى شيء، وضحكٌ يخفي تحته خواءً عميقًا.

ثم يقتحم هذا العالمَ الراكد عنصرٌ غريب: «سمارة بهجت»، كاتبةٌ صحفيةٌ شابةٌ جادّة تنضمّ إلى الجماعة وهي تحمل أسئلةً عن الالتزام والمعنى والمسؤولية في زمنٍ استسلم فيه الجميع للامبالاة. حضورها يوقظ في العوّامة توتّرًا خفيًّا بين الجدّية والعبث، حتى تنقلب سهرةٌ عابثةٌ ذات ليلةٍ إلى حادثةٍ مروّعةٍ تهزّ الجماعة من أساسها وتضعها وجهًا لوجه أمام ما هربت منه طويلًا. ونؤثر ألّا نُفسد على القارئ اكتشاف ما تؤول إليه تلك الليلة ونهاية الحكاية.

نجيب محفوظ: شيخ الرواية العربية

وُلد نجيب محفوظ في حيّ الجماليّة بالقاهرة القديمة سنة 1911، ونشأ في أزقّتها التي صارت مسرحًا لكثيرٍ من أعماله. كرّس حياته للكتابة إلى جانب عمله الوظيفي، فأنجز عشرات الروايات والمجموعات القصصية على مدى أكثر من نصف قرن، حتى غدا أشهر روائيّي العربية في العصر الحديث وأوسعهم انتشارًا وترجمة. وفي سنة 1988 نال جائزة نوبل للآداب فكان أول أديبٍ عربيٍّ يحوزها، حاملًا الأدب العربي إلى واجهة المشهد العالمي.

اشتهر محفوظ أولًا بثلاثيته الواقعية الكبرى «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكّرية»، لكنه في ستينيات القرن الماضي دخل طورًا جديدًا أكثر تكثيفًا وعمقًا فلسفيًّا، فكتب سلسلةً من الروايات القصيرة الرمزية المشغولة بأزمة الفرد وقلقه واغترابه، منها «اللص والكلاب» و«الطريق» و«الشحّاذ» و«ميرامار». وتنتمي «ثرثرة فوق النيل» إلى هذا العنقود بامتياز، إذ تمضي بعيدًا في السؤال الوجودي والرمز.

في هذه المرحلة لم يعد محفوظ راصدًا للوحة المجتمع العريضة بقدر ما صار غوّاصًا في دواخل شخصياته وأزماتها الروحية، مستعينًا بتقنيات السرد الحديثة التي كانت تتطوّر في الآداب العالمية. وقد توفّي سنة 2006 تاركًا إرثًا يُعدّ عمودًا من أعمدة السرد العربي، ونصوصًا ما زالت تُقرأ وتُدرَّس جيلًا بعد جيل.

العبثية واللامبالاة وهروب المثقف

في قلب الرواية سؤالُ المعنى في زمنٍ فقد فيه أبطالها الإيمان بكلّ شيء. جماعة العوّامة نخبةٌ متعلّمةٌ كان يُفترض بها أن تحمل همّ وطنها ومجتمعها، لكنها اختارت الانسحاب إلى دخان الحشيش والثرثرة، تتفرّج على العالم من بعيدٍ دون أن تفعل فيه شيئًا. الحشيش هنا ليس مجرّد لهوٍ عابر، بل رمزٌ لهروبٍ جماعيٍّ من المسؤولية، ولّامبالاةٍ صارت أسلوب حياة.

وتتجسّد المواجهة الفكرية في التقابل بين «أنيس زكي» و«سمارة بهجت»؛ فهو غارقٌ في عبثٍ لا يرى للوجود معنًى ولا للفعل جدوى، وهي تصرّ على أنّ للحياة قضيةً تستحقّ أن يلتزم بها الإنسان. بينهما تتوزّع بقية الشخصيات على درجاتٍ من الاستسلام والتهرّب، حتى تأتي الحادثة الكبرى فتضع اللامبالاة نفسها في قفص الاتهام: ماذا يحدث حين يواجه العابثون ثمن عبثهم؟

ومن وراء حكاية العوّامة يطرح محفوظ سؤالًا أوسع عن اغتراب الإنسان الحديث وعن مسؤوليته الأخلاقية. إنها رواية عن الخواء الذي يتسلّل حين تنسحب النخبة من واقعها، وعن الثمن الفادح الذي يدفعه المجتمع حين تتحوّل الجدّية إلى تهمة، والهروب إلى فضيلة. وهذا العمق الأخلاقي هو ما يرفع الرواية من حكاية سهرةٍ ماجنة إلى تأمّلٍ مقلقٍ في حال أمّةٍ بأكملها.

أسلوبها: تيار الوعي والرمز المكثّف

يزاوج محفوظ في «ثرثرة فوق النيل» بين مستويين من السرد: حوارٌ خارجيٌّ لاذعٌ يتقاذفه روّاد العوّامة في سمرهم، ومونولوجٌ داخليٌّ يغوص في وعي «أنيس زكي» المخدَّر، حيث تتداعى الصور والأفكار والهلوسات عن التاريخ والزمن والوجود. بهذا التناوب يعيش القارئ الرواية من الداخل والخارج معًا، فيسمع ضحك الجماعة السطحيّ ويلمس في الوقت نفسه القلق العميق الذي يحاول ذلك الضحك أن يواريه.

والرمز حاضرٌ في كلّ زاويةٍ من العمل: العوّامة الطافية التي لا ترسو ولا تمضي رمزٌ لجماعةٍ معلّقةٍ بلا اتجاه، والنيل الذي يجري تحتها دون أن يعنيها أمرُه، والدخان الذي يحجب الرؤية. إنها روايةٌ قصيرةٌ محكمةٌ مقتصدةٌ في كلماتها، تكثّف الكثير في القليل، فلا فضول فيها ولا استطراد، وكلّ تفصيلٍ فيها يشير إلى ما هو أبعد منه.

سياقها ومكانتها والفيلم المأخوذ عنها

صدرت الرواية سنة 1966، أي قبيل نكسة 1967 بأشهر، وقرأ فيها كثيرٌ من النقّاد تشخيصًا مبكّرًا لحالٍ من الإحباط والتفكّك الروحي كانت تعتمل تحت السطح؛ فكأنّ محفوظ استشعر الخلل قبل وقوع الكارثة، ورسم في عوّامته صورةً مصغّرةً لمجتمعٍ يثرثر ويلهو بينما ينحدر نحو هاويةٍ لا يراها. ولهذا كثيرًا ما تُقرأ الرواية بوصفها من أكثر نصوص محفوظ نفاذًا إلى روح عصرها.

وقد نُقلت الرواية إلى السينما في فيلمٍ شهير حمل الاسم نفسه سنة 1971، أخرجه حسين كمال، وشارك في بطولته نخبةٌ من ألمع نجوم السينما المصرية، فرسّخ حضور القصة في الذاكرة الشعبية وعرّف بها جمهورًا أوسع. ويُقال إنّ العمل، روايةً وفيلمًا، أثار عند ظهوره حساسيةً لدى السلطة لجرأة نقده لأحوال المثقفين والمجتمع، وهو ما زاد من شهرته ومكانته الإشكالية.

وعلى قِصرها النسبيّ مقارنةً بأعمال محفوظ الكبرى، ظلّت «ثرثرة فوق النيل» من أكثر رواياته حضورًا وتداولًا، تُطبع وتُقرأ جيلًا بعد جيل، وتُدرَّس بوصفها نموذجًا على مرحلة محفوظ الرمزية الوجودية. فأسئلتها عن اللامبالاة والمسؤولية والهروب من الواقع تظلّ حيّةً في كلّ زمنٍ يستسهل فيه الناس الفرجة على مصائرهم من بعيد.

لمن هذه الرواية؟

هذه الرواية لمن يريد أن يعرف الوجه الآخر لنجيب محفوظ؛ لا الراوي الواقعيّ للحارة المصرية، بل الفيلسوف القلق الذي يسائل جدوى الوجود ومعنى الالتزام. وهي عملٌ قصيرٌ مكثّف، يجمع بين متعة الحوار الساخر وعمق التأمّل المرير، ويصلح مدخلًا لمن يحبّ الأدب الذي يطرح الأسئلة الكبرى دون أن يقدّم إجاباتٍ جاهزة.

وتروق خاصةً لقارئ الرواية النفسية والوجودية، ولمن يستهويه أسلوب «تيار الوعي» والرمز في السرد العربي، ولطلاب الأدب الباحثين عن نصٍّ يجمع الجمال الفنيّ بالدلالة الفكرية والسياق التاريخي. وهذه الصفحة تعريفٌ ونبذةٌ بالرواية وعالمها وأفكارها، لا نصّها الكامل، لتكون على بيّنةٍ منها قبل أن تُقبل على قراءتها.

أسئلة شائعة

ما قصة رواية ثرثرة فوق النيل باختصار؟
تدور فوق عوّامةٍ راسيةٍ على النيل يجتمع فيها كلّ ليلةٍ نفرٌ من المثقفين والموظفين حول «الجوزة» يدخّنون ويثرثرون هربًا من الواقع، يتوسّطهم الموظف «أنيس زكي» الغارق في كِيفه. وحين تنضمّ إليهم الكاتبة الجادّة «سمارة بهجت»، يهتزّ توازن الجماعة، حتى تقودهم سهرةٌ عابثةٌ إلى حادثةٍ مروّعةٍ تضعهم وجهًا لوجه أمام مسؤوليتهم.
من كتب رواية ثرثرة فوق النيل ومتى صدرت؟
كتبها الأديب المصري نجيب محفوظ (1911 – 2006)، أشهر روائيّي العربية وأول عربيٍّ يحوز جائزة نوبل للآداب سنة 1988. وصدرت الرواية سنة 1966 باللغة العربية، ضمن مرحلته الرمزية الوجودية في ستينيات القرن الماضي.
ماذا يرمز عنوان ثرثرة فوق النيل ودلالة العوّامة؟
العنوان يشير إلى الكلام الكثير اللمّاع الذي لا طائل تحته والذي تقضي به الجماعة لياليها فوق العوّامة. أما العوّامة الطافية التي لا ترسو ولا تمضي فرمزٌ لجماعةٍ من المثقفين معلّقةٍ بلا اتجاه، تلهو وتثرثر بينما يجري النيل والواقع من تحتها دون أن يعنيها أمرهما.
هل تحوّلت رواية ثرثرة فوق النيل إلى فيلم؟
نعم، نُقلت الرواية إلى فيلمٍ سينمائيٍّ شهير يحمل الاسم نفسه صدر سنة 1971 وأخرجه حسين كمال، وشارك في بطولته نخبةٌ من ألمع نجوم السينما المصرية. وقد رسّخ الفيلم حضور القصة في الذاكرة الشعبية وعرّف بها جمهورًا أوسع.
لماذا تُعدّ ثرثرة فوق النيل من روايات نجيب محفوظ المهمة؟
لأنها من أنضج أعمال مرحلته الرمزية الوجودية، تعالج بجرأةٍ ثيمات العبثية واللامبالاة وهروب المثقف من الواقع والمسؤولية. وقد صدرت قبيل نكسة 1967 فقرأها كثيرون تشخيصًا مبكّرًا لإحباط عصرها، وظلّت من أوسع روايات محفوظ تداولًا، لا سيما بعد الفيلم المأخوذ عنها.

احصل على الكتاب

هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.

اطلبه من أمازون