أبو الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي
تنزيل السكينة على قناديل المدينة
مقدمة
O ولا يجوز تغيير الأوقاف، وفي ذلك أيضا تعظيم الإسلام وحرماته، وترهيب العدو (¬1).
O وأما الإهداء إلى الكعبة فأصله معهود، قال الله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} (¬2)، وإن كان ذلك في الفداء (¬3)، لكنه عرف به مشروعية هذا النوع وإضافته إلى / الكعبة.
O وأما سترها بالحرير وغيره فمجمع عليه، وأما قول أبي بكر / الشامي من أصحابنا: القياس أنه لا يجوز؛ فليس بصحيح، وأي قياس يقتضي ذلك؟، والقياس إنما يكون على منصوص من جهة الشرع، ولم ينص الشرع على شيء يقاس عليه ذلك.
O وهكذا القناديل من الذهب والفضة، لأن الشخص إذا اتخذها للمسجد لم يقصد استعمالها، ولا أن يتزين بها هو، ولا أحد من جهته، والذي حرم اتخاذها على أصح الوجهين إنما حرم ذلك؛ لأن النفس تدعو إلى الاستعمال المحرم، وذلك إذا كانت له، وأما إذا جعلها للمسجد فلا تدعو النفس إلى استعمال حرام أصلا، فكيف تحرم وهي لا تسمى أواني (¬1).
O وأما الطيب فالظاهر أنه ليس بواجب، بل قربة، والظاهر أنه قربة من الأصل فيها وفي كل المساجد، وإن كان فيها أعظم، هذا ما يتعلق بمذهبنا (¬1) في اتخاذها من غير وقف. فإن وقف المتخذ من ذلك من القناديل أو الصفائح ونحوها، فقد قطع القاضي حسين والرافعي بأنه لا زكاة فيه، وأما قطع القاضي حسين فلا يرد عليه شيء، لأنه يقول بإباحتها، ومقتضاه صحة وقفها، وإذا صح وقفها فلا زكاة.
O وأما تذهيب الكعبة فإن الوليد بن عبد الملك بعث إلى خالد بن عبد الله والي مكة، ستة وثلاثين ألف دينار، وجعلها على بابها والميزاب والأساطين والأركان (¬3).
O (القسم الثاني)
O ... فننتقل إلى المدينة الشريفة، دار / الهجرة، على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، ونقول: فيها المسجد والحجرة المعظمة، أما المسجد فقد ذكرنا حكم المساجد في التحلية وتعليق القناديل الذهب والفضة فيها (¬1)، وقلنا: إن مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بذلك من سائر المساجد (¬2) التي لاتشد الرحال (¬3) إليها، ومن مسجد بيت المقدس وإن كانت الرحال تشد إليه، ومن مسجد مكة عند مالك - رضي الله عنه - (¬4) بلا إشكال.
O أما الحجرة / الشريفة المعظمة فتعليق القناديل الذهب فيها أمر معتاد من زمان، ولا شك أنها أولى بذلك من غيرها (¬1)، والذين ذكروا الخلاف في المساجد لم يذكروها ولا تعرضوا لها، كما لم يتعرضوا لمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكم من عالم وصالح من أقطار الأرض قد أتاها للزيارة ولم يحصل من أحد إنكار للقناديل [الذهب] (¬2) التي هناك (¬3)، PageV01P049 فهذا وحده كاف في العلم بالجواز مع الأدلة التي قدمناها عليه، مع استقراء الأدلة الشرعية فلم يوجد فيها ما يدل على المنع منه، فنحن نقطع بجواز ذلك، ومن منع، أو
O إذا كانت القناديل في الحجرة الشريفة المعظمة فلا حق فيها لأحد من الفقراء، كما لا حق لهم في مال الكعبة، وكذا لاحق فيها لما يحتاج إليه من عمارة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وحرمه الخارج عن الحجرة، كما لا حق فيها للفقراء، لما ذكرناه من المغايرة بين الحجرة والمسجد، فلا يكون الذي لأحدهما مستحقا للآخر، ولا حق له فيه. وأما الحجرة نفسها، لو فرض احتياجها إلى عمارة أو نحوها، هل يجوز أن يصرف من القناديل فيها؟ الذي يظهر المنع، فليست القناديل كالمال المصكوك، المعد للصرف الذي في الكعبة، لأن ذاك إنما أعد
O الكعبة والحجرة الشريفة قد علم حالهما، الأولى بالنص للحديث الوارد الذي قدمناه (¬1)، والثانية بالإلحاق به، وبالقطع بعظمتها، وفي كثير من البلاد غيرهما أماكن ينذر لها ويهدى إليها، وقد يسأل عن حكمها ويقع النظر في أنها / هل يلحق بهذين المكانين وإن لم يبلغ مرتبتهما، أو لا؟ قد ذكر الرافعي عن صاحب التهذيب وغيره: أنه لو نذر أن يتصدق بكذا على أهل بلد، عينه، يجب أن يتصدق به عليهم. قال: ومن هذا القبيل ما ينذر بعثه إلى القبر المعروف بجرجان، فإن ما يجتمع منه على ما ms26 يحكى يقسم على جماعة معلومين، وهذا محمو