عن الكتاب

تلبيس إبليس

ما من طبقةٍ من الناس إلا وللشيطان عليها مدخل؛ يأتي العالِمَ من باب علمه، والعابدَ من باب زهده، والحاكمَ من باب سلطانه، فيُزيّن لكلٍّ باطلَه في صورة الحق حتى يحسبه صوابًا. من هذا الباب دخل إمامٌ واعظٌ حافظٌ من بغداد ليكشف حِيَل عدوّ الإنسان، فتتبّع مكايد إبليس في الفرق والطوائف، وفصّل كيف يخدع أهل الكلام وأهل الحديث والفقهاء والمتصوّفة والعُبّاد وعامة الناس، لا ليطعن في أحد، بل لينبّه الغافل ويحمي السالك. جمع في ذلك تحذيرَ الناصح وحُجّة العالِم وموعظة الواعظ في سِفرٍ واحد ما زال يُقرأ ويُتدارس منذ ثمانية قرون. هذا هو كتاب «تلبيس إبليس» للإمام ابن الجوزي.

غلاف تلبيس إبليس
المؤلف
الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي القرشي البغدادي الحنبلي
وفاة المؤلف
597 هـ ببغداد
النوع
كتابٌ في نقد المحدثات والانحرافات وكشف مداخل الشيطان على طبقات الناس
ترتيبه
أبوابٌ تبدأ بالحضّ على السنّة وذمّ البدعة، ثم تلبيس إبليس على كل طائفة
المكانة
من أشهر كتب ابن الجوزي وأوسعها أثرًا في التحذير من البدع وتزكية النفوس
من عناوينه
طُبع قديمًا باسم «نقد العلم والعلماء أو تلبيس إبليس»

من هو الإمام ابن الجوزي؟

هو الإمام العلّامة الحافظ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي القرشي التيمي البكري البغدادي الحنبلي، من ذرّية أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وُلد ببغداد في نحو العشر الثاني بعد الخمسمائة، ونشأ بها يتيمًا في كنف أهله، فأقبل على العلم صغيرًا فحفظ وسمع من كبار شيوخ عصره، حتى صار عَلَمًا من أعلام القرن السادس الهجري وأحد أكثر المصنّفين تأليفًا في تاريخ الأمة.

كان ابن الجوزي جامعًا بين فنونٍ قلّما اجتمعت في رجلٍ واحد؛ فهو المفسّر صاحب «زاد المسير في علم التفسير»، والمؤرّخ صاحب «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»، والمحدّث الناقد صاحب «الموضوعات» في كشف الأحاديث المكذوبة، وصاحب «صفة الصفوة» في سِيَر الزهّاد و«صيد الخاطر» في الحكمة والموعظة. وقد بلغت تصانيفه مبلغًا عظيمًا حتى عُدّ من أغزر أهل العلم إنتاجًا على الإطلاق.

وإلى هذا كله كان ابن الجوزي واعظًا لا يُشقّ له غبار، تزدحم مجالسه بالألوف من الناس، يبكيهم ويهزّ قلوبهم ببيانه الساحر وعلمه الغزير، فكان صوت المنبر في بغداد ولسان أهل السنّة في زمنه. ولمّا كانت الوعظ صناعته والنصح ديدنه، جاء «تلبيس إبليس» ثمرةً طبيعيةً لهذا كله: علمٌ واسع، ونظرٌ ناقد، وقلبٌ مشفقٌ على الأمة يخشى عليها مداخل الشيطان. توفّي رحمه الله ببغداد سنة سبعٍ وتسعين وخمسمائة.

دافع التأليف وبيئة العصر

عاش ابن الجوزي في بغداد في القرن السادس الهجري، وهو عصرٌ اضطربت فيه الأهواء وكثرت فيه الفرق والمقالات؛ فبين مذاهب الكلام المتنازعة، وطوائف التصوّف التي دخلها ما دخلها من المحدثات، وتعصّبٍ فقهيٍّ حادّ، صار طالب الحق يقف حائرًا بين دعاوى كثيرة، كلٌّ يزعم أنه على الصواب. فرأى ابن الجوزي بحسّ العالِم الناصح أن كثيرًا من هذه الانحرافات إنما دخل على أصحابها من حيث لا يشعرون، فحسبوا البدعة سنّةً والغلوّ زهدًا والجهل ورعًا.

من هنا انطلق مقصد الكتاب: أن يكشف كيف يتسلّل الشيطان إلى كل صنفٍ من الناس من الباب الذي يليق به، فلا يأمر العابد بترك العبادة بل يحمله على الغلوّ فيها حتى يخرج به عن السنّة، ولا يأمر العالِم بترك العلم بل يشغله بفضوله أو يزيّن له الكِبر والرياء. فأراد ابن الجوزي أن يضع بين يدي المسلم مرآةً يرى فيها مكايد عدوّه، ليعرف من أين يُؤتى فيحترز.

ولذلك جاء الكتاب في جوهره دفاعًا عن جادّة السنّة والاتّباع، وتحذيرًا من الابتداع في الدين، مبنيًّا على قاعدةٍ قرّرها المؤلف في صدره: أن العصمة إنما هي في التمسّك بالكتاب والسنّة وهدي السلف، وأن كل خيرٍ في اتّباع من سلف وكل شرٍّ في ابتداع من خلف.

منهج الكتاب وترتيبه

بنى ابن الجوزي كتابه على تعريفٍ دقيقٍ للتلبيس بيّن به مدار الكتاب كله؛ فالتلبيس عنده هو إظهار الباطل في صورة الحق، وبه يخدع الشيطانُ الناسَ فيقبلون الضلالة وهم يحسبونها هدى. وعلى هذا الأصل دار الكتاب: كيف يُلبّس إبليس على العقول فيرى صاحبُها القبيح حسنًا والبدعة قربة.

ورتّب المؤلف كتابه على أبواب؛ فافتتحه بالحضّ على لزوم السنّة والجماعة، وذمّ البدع والمبتدعين، والتحذير من فتنة الشبهات، ثم انتقل إلى صُلب مقصده فأخذ يستعرض طبقات الناس طبقةً طبقة، يبيّن في كل واحدة كيف تسلّل إليها التلبيس. فتحدّث عن تلبيس إبليس على أهل الكلام، ثم على أهل الحديث والفقهاء، ثم على الوعّاظ والقُصّاص، ثم أفرد للمتصوّفة والعُبّاد والزهّاد أبوابًا واسعة، ثم عرّج على أرباب المناصب والولاة وعامة الناس، حتى لم يكد يترك صنفًا إلا نبّه على مدخل الشيطان إليه.

وطريقته في ذلك أن يسوق البدعة أو الانحراف، ثم يزنه بميزان الكتاب والسنّة والأثر وما كان عليه السلف، ثم يردّه بالحجة والدليل والنظر العقلي السليم. وهو في أثناء ذلك يروي الأخبار والحكايات مستشهدًا بها، بحكم كونه مؤرّخًا واعظًا واسع الرواية، وإن كان أهل العلم قد نبّهوا على أن في بعض ما يورده ما يحتاج إلى تحرير من جهة الثبوت.

التلبيسُ إظهارُ الباطلِ في صورةِ الحق.
ابن الجوزي في بيان معنى التلبيس

كشف مداخل الشيطان على الطوائف

أبرز ما يميّز «تلبيس إبليس» أنه لا يوجّه سهامه إلى العصاة والغافلين فحسب، بل يرتقي إلى أهل العلم والعبادة والزهد، وهم مظنّة السلامة في نظر الناس، فيكشف كيف يدخل عليهم الشيطان من حيث لا يحتسبون. فالعالِم قد يُبتلى بالرياء وحبّ الظهور والكِبر على من دونه، والعابد قد يُبتلى بالغلوّ حتى يهجر ما أباحه الشرع، والزاهد قد يزهد فيما لا ينبغي الزهد فيه، وكلٌّ يظنّ أنه في طاعة وهو في مزلق.

وقد أفاض المؤلف القول في المنتسبين إلى التصوّف، فأثنى على من صحّ منهم قصده واتّبع السنّة من أوائل القوم، ثم شدّد النكير على ما دخل على المتأخرين من محدثاتٍ في السماع والرقص والغلوّ والتوكّل المذموم وترك الأسباب والانقطاع عن العلم، عادًّا ذلك من أوسع أبواب التلبيس؛ لأنه باطلٌ لُبِّس في صورة الورع والقرب. وهذا الباب من الكتاب هو من أكثر أبوابه إثارةً للنظر والنقاش عبر القرون.

وبهذا النَّفَس الناقد الشامل صار الكتاب أشبه بمشروعٍ في نقد الانحراف حيثما كان، لا يحابي طائفةً على حساب أخرى، وإنما يزن الجميع بميزانٍ واحد هو الكتاب والسنّة وهدي السلف. ومن هنا اكتسب الكتاب صفته الخالدة: أنه مرآةٌ يرى فيها كل صنفٍ من الناس عيوبه ومداخل عدوّه إليه.

مكانته وطبعاته وأثره

تبوّأ «تلبيس إبليس» مكانةً رفيعة بين مصنّفات ابن الجوزي، بل صار من أشهر كتب التحذير من البدع والمحدثات في التراث الإسلامي، يرجع إليه العلماء والباحثون في مباحث الفرق والانحرافات وأخلاق الطوائف، ويجد فيه القارئ العام موعظةً بليغةً تكشف له مداخل نفسه قبل مداخل غيره. وقد سارت به الركبان لصراحة صاحبه وجرأته في النقد وسعة اطّلاعه.

وقد تعدّدت طبعاته وتحقيقاته في العصر الحديث فانتشر بين أيدي الناس، وطُبع قديمًا في مصر باسم «نقد العلم والعلماء أو تلبيس إبليس»، وهو العنوان الذي عُرف به بعض قدماء طبعاته، ثم شاع اسمه المختصر «تلبيس إبليس» حتى صار العنوان الغالب عليه في المكتبات والفهارس.

ومع ما أُثير حول بعض مباحثه من نقاشٍ ومراجعة، لا سيّما في فصول التصوّف وفي بعض ما ساقه من الأخبار، فإن قيمة الكتاب العلمية والتربوية باقية؛ إذ يظلّ وثيقةً نفيسةً تصوّر حال الفرق والطوائف في عصر مؤلفه، ودعوةً صادقةً إلى التمسّك بالسنّة والحذر من مزالق الغلوّ والابتداع، من إمامٍ جمع بين العلم والوعظ والنقد.

كيف تقرؤه على رحلة؟

يمكنك أن تقرأ «تلبيس إبليس» هنا بابًا بابًا كما رتّبه مؤلفه؛ فابدأ بأبواب الحضّ على السنّة وذمّ البدعة لتضبط الميزان الذي يزن به المؤلف، ثم تنقّل في أبواب الطوائف لترى كيف يكشف تلبيس الشيطان على كل صنف. واقرأه بقلبٍ متأمّل، فليست الغاية أن ترى عيوب غيرك، بل أن تلتمس مدخل الشيطان إلى نفسك أنت فتحترز منه.

اجعله رفيق تزكيةٍ ومحاسبة: قِف عند كل بابٍ يخصّ حالك من علمٍ أو عبادةٍ أو زهدٍ أو عمل، وتأمّل نصيحة الإمام فيه، وميّز في أثناء القراءة بين ما هو محكمٌ من نقده وما نبّه العلماء على مراجعته من أخباره. النص كامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أول الكتاب أو انتقل إلى الباب الذي يعنيك، واقرأ في سِفرٍ من أنفع ما كُتب في كشف مكايد عدوّ الإنسان.

أسئلة شائعة

من مؤلف كتاب تلبيس إبليس؟
مؤلفه الإمام الحافظ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي القرشي البغدادي الحنبلي، المتوفى سنة 597 هـ ببغداد. وهو من أغزر علماء الأمة تصنيفًا، وصاحب «المنتظم» و«زاد المسير» و«صفة الصفوة» و«صيد الخاطر»، وكان واعظًا مشهورًا تزدحم مجالسه بالناس.
ما موضوع كتاب تلبيس إبليس؟
موضوعه كشف حِيَل الشيطان في إضلال الناس على اختلاف طبقاتهم؛ فيبيّن كيف يدخل التلبيس على أهل الكلام وأهل الحديث والفقهاء والوعّاظ والمتصوّفة والعُبّاد والزهّاد والولاة وعامة الناس، محذّرًا من البدع والمحدثات وداعيًا إلى لزوم السنّة وهدي السلف.
ما معنى «التلبيس» في الكتاب؟
التلبيس عند ابن الجوزي هو إظهار الباطل في صورة الحق، وبه يخدع الشيطانُ الإنسان فيقبل الضلالة وهو يحسبها هدى، ويرى البدعة قربةً والغلوّ ورعًا. وعلى هذا المعنى دار الكتاب كله في كشف مداخل الشيطان على كل صنف من الناس.
هل طُبع الكتاب بعنوانٍ آخر؟
نعم، عُرف الكتاب في بعض طبعاته القديمة باسم «نقد العلم والعلماء أو تلبيس إبليس»، ثم شاع اسمه المختصر «تلبيس إبليس» حتى صار هو العنوان الغالب عليه في المكتبات والفهارس، وله في العصر الحديث طبعاتٌ وتحقيقاتٌ متعدّدة.
هل يمكن قراءة تلبيس إبليس كاملًا مجانًا؟
نعم، النص الكامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فتتنقّل في أبوابه بدءًا من الحضّ على السنّة وذمّ البدعة، ثم أبواب تلبيس إبليس على الطوائف، وتقرأه بابًا بابًا أو تنتقل إلى الموضع الذي يعنيك.

النص الكامل بين يديك

تلبيس إبليس كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن