عن الكتاب
تلميذٌ نجيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومحدّثٌ نقّاد يعرف الرجال والأسانيد، وفقيهٌ شافعي، ومؤرخٌ كتب «البداية والنهاية»؛ حين جمع هذا كله في تفسير للقرآن، خرج كتابٌ لا يُروى فيه أثرٌ إلا وزنه بميزان الحديث، ولا تُساق فيه حكاية من حكايات بني إسرائيل إلا نُبّه على وهنها. فسّر القرآن بالقرآن أولًا، ثم بالسنة، ثم بما قاله الصحابة والتابعون، فصار كتابه أوضح كتب التفسير بالمأثور مأخذًا وأقربها إلى القارئ. هذا هو «تفسير القرآن العظيم» الذي عرفه الناس باسم مؤلفه: تفسير ابن كثير.

هو الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، وُلد نحو سنة 701 هـ في قرية من أعمال بُصرى بحوران جنوبي دمشق، فنُسب إليها فقيل «البُصْرَوي». مات أبوه وهو صغير، فانتقل مع أخيه إلى دمشق، ونشأ في كنفها طالبًا للعلم، حتى صار أحد أعلامها ودُفن في ثراها، فغلبت عليه نسبة «الدمشقي».
جمع ابن كثير من العلوم ما لم يجتمع لكثير من أهل عصره: كان محدّثًا بصيرًا بالرجال والعلل، مفسّرًا، فقيهًا على مذهب الشافعي، مؤرّخًا واسع الاطلاع. وشهد له معاصروه بالحفظ وسعة الرواية، حتى عُدّ من حفّاظ الحديث في القرن الثامن، وكان مرجعًا في الفتوى والتدريس والإقراء بدمشق.
ولم يكن التفسير وحده أثره الباقي؛ فله في التاريخ «البداية والنهاية» الذي صار من أمهات كتب التاريخ الإسلامي، وله في مصطلح الحديث «اختصار علوم الحديث» المعروف بـ«الباعث الحثيث»، وله في السيرة والتراجم مصنفات. غير أن تفسيره ظل أشهر ما كتب، وأوسع كتبه انتشارًا وتداولًا بين الناس إلى اليوم.
عاش ابن كثير في دمشق المملوكية في القرن الثامن الهجري، وهو قرنٌ اجتمع فيه اضطراب السياسة وشدائد الزمان، ومنها الطاعون الجارف، مع نهضة علمية زاهرة جعلت الشام محطّ الرحال في الحديث والفقه والتفسير. وفي هذه البيئة نشأ ابن كثير وتتلمذ على كبار علمائها.
لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وتأثّر بمنهجه في تعظيم الأثر وتقديم النقل الصحيح، حتى عُدّ من خاصّة أصحابه؛ وقد دُفن قريبًا منه في مقبرة الصوفية بدمشق. وأخذ الحديث عن الحافظ جمال الدين المزّي صاحب «تهذيب الكمال»، وصار صهرًا له، كما لازم الحافظ الذهبي وأفاد من علمه بالرجال والتاريخ.
هذه المشيخة تفسّر كثيرًا من ملامح تفسيره: عنايته بالإسناد كما تعلّم من المزّي والذهبي، وتعظيمه لتفسير السلف ونقده للبدع والإسرائيليات على طريقة ابن تيمية. فجاء الكتاب ثمرة مدرسة أهل الحديث في دمشق، تحمل روحها ومنهجها في التعامل مع النص والرواية.
افتتح ابن كثير تفسيره بمقدمة نفيسة قرّر فيها منهجه، وصار كلامه فيها أصلًا يُنقل في مباحث أصول التفسير. خلاصته أنّ أصحّ طرق التفسير أن يُفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في موضع فقد يُبيَّن في موضع آخر؛ فإن لم يتيسّر ذلك فبالسنة فإنها شارحة للقرآن؛ فإن لم يوجد فبأقوال الصحابة فهم أعلم الناس بمعانيه لشهودهم التنزيل؛ ثم بأقوال التابعين من بعدهم.
وهو في تطبيق ذلك محدّثٌ لا ينسى صنعته: يسوق الأحاديث والآثار بأسانيدها، ثم يحكم عليها صحةً وضعفًا، ويعلّ ما يستحق الإعلال، فصار تفسيره في كثير من مواضعه مرجعًا حديثيًا يُنتفع به في تخريج الأخبار لا في بيان المعاني فحسب. وامتاز بالجمع بين الرواية والدراية مع غلبة المأثور وسلامة العبارة ووضوحها.
ومن أبرز ما اشتُهر به موقفه من الإسرائيليات، أي ما نُقل عن أهل الكتاب من أخبار، فهو يوردها أحيانًا للاستئناس، لكنه ينبّه على ما فيها من نكارة، ويحذّر من الاسترسال معها والاعتماد عليها، ويقسمها إلى ما يُصدَّق لموافقته شرعنا، وما يُكذَّب لمخالفته، وما يُتوقَّف فيه. بهذا التحرّي نأى بتفسيره عن الحشو الذي أثقل بعض كتب التفسير قبله.
إنّ أصحّ الطرق في ذلك أن يُفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضّحة له.
سار ابن كثير على ترتيب المصحف: يبدأ بالفاتحة ثم البقرة فما بعدها، سورةً سورة، يذكر مطلع الآية أو الآيات ثم يفسّرها. ويجمع الآيات المتناسبة في السياق فيفسّرها معًا، فيبيّن معناها الإجمالي، ثم يسوق ما ورد فيها من تفسير القرآن نفسه، فالأحاديث، فآثار الصحابة والتابعين، ويتعرّض لأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والقراءات وما يتصل بالأحكام عند الحاجة، من غير إغراق يشغل القارئ عن مقصود الآية.
وما يميّزه أنّه تفسيرٌ معتدل في حجمه ومسلكه: أخصر من «جامع البيان» للطبري وأقرب تناولًا منه، وأبعد عن الاستطراد الكلامي والفلسفي الذي غلب على بعض التفاسير، وأشدّ تحرّيًا في الرواية من كثير من كتب المأثور. فاجتمع له بذلك ما يجعله صالحًا لطالب العلم المتخصص ولعامة القرّاء في آنٍ واحد.
ولهذا صار من عادة أهل العلم أن يقرنوه بتفسير الطبري: يُعدّ الطبري إمام المفسّرين بالمأثور وأوسعهم روايةً وترجيحًا، ويُعدّ ابن كثير من أنفع من جاء بعده وأحسنهم عرضًا وأدقّهم في نقد المرويّات والتنبيه على الضعيف والموضوع والإسرائيلي منها. فالكتابان يكمّل أحدهما الآخر في مكتبة التفسير.
تلقّى الناس تفسير ابن كثير بالقبول جيلًا بعد جيل، حتى صار من أوسع التفاسير انتشارًا في العالم الإسلامي وأكثرها اعتمادًا في التعليم والدعوة، وتُرجم إلى لغات عدة. وليس ذلك لجدّة في مادته بقدر ما هو لثقة القرّاء بمنهجه في التمييز بين صحيح المرويّات وسقيمها.
وقد خُدم الكتاب باختصارات وتحقيقات كثيرة؛ فمن أشهر مختصراته «مختصر تفسير ابن كثير» للشيخ محمد علي الصابوني، و«عمدة التفسير» للشيخ أحمد شاكر الذي عُني فيه بالتخريج والتحرير. ومن أشهر تحقيقاته تحقيق سامي بن محمد سلامة الصادر عن دار طيبة، وقد اعتُمد في ضبط النص والعزو والتخريج.
وما زال التفسير حاضرًا في المساجد والمدارس والبيوت: يرجع إليه الخطيب والواعظ وطالب العلم والقارئ العادي على السواء، ويُوصى به مبتدئ الطلب لسلامة منهجه ووضوح عبارته، ويُعتمد عليه في تمحيص ما يُروى في التفسير من الأخبار.
لست مضطرًا لأن تبدأ من الفاتحة إلى الناس؛ افتح الفهرس واختر سورة تعيش معها هذه الأيام: اقرأ تفسير سورة قصيرة من جزء عمّ تحفظها فتزداد بها فهمًا، أو تابع تفسير آيةٍ سمعتها في صلاتك فأردت أن تعرف معناها ومأخذها من كلام السلف.
وفي القارئ هنا تجد نصّ التفسير كاملًا مرتّبًا على سور القرآن وآياته كما رتّبه ابن كثير، مع فهرس يوصلك إلى أي سورة أو موضع بضغطة واحدة. اجعله رفيقًا لتلاوتك: كلما وقفت عند آية، عُد إلى تفسيرها هنا، فتقرأ القرآن بالقرآن، والسنة، وأقوال من عاصروا التنزيل، مجانًا وبلا حواجز.
النص الكامل بين يديك
تفسير ابن كثير كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
7819 فصلاً

محمد بن أحمد + عبدالرحمن بن أبي بكر المحلي + السيوطي
1 فصل

أبو عبد الله القرطبي
3375 فصلاً

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ)
2279 فصلاً

العلامة أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي
1 فصل