عن الكتاب
حين تفتح صفحاته تشعر أنك تجلس بين يدي إمامٍ لا يكتفي بأن يخبرك بمعنى الآية، بل يحشد لك أقوال الصحابة والتابعين بأسانيدها، ثم يقلّبها كما يقلّب الصائغ الذهب، ثم يقول لك في النهاية: «والصواب من القول عندنا». هو موسوعةٌ في التأويل، وديوانٌ يحفظ لنا تفسير القرون الأولى قبل أن يضيع، وأصلٌ ينهل منه كل مفسّرٍ جاء بعده. إنه «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، أشهر ما عُرف باسم «تفسير الطبري»، وأقدم التفاسير الجامعة الكاملة التي وصلتنا وأعظمها أثرًا.

هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، أبو جعفر، وُلد نحو سنة 224 هـ في مدينة آمُل من إقليم طبرستان جنوب بحر قزوين. نشأ في بيتٍ يحبّ العلم، حتى قيل إنه حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وصلّى بالناس وهو ابن ثمان، وكتب الحديث وهو ابن تسع. ثم لم تُقنعه بلدته، فشدّ الرحال في طلب العلم رحلةً طويلة طوّفت به الآفاق: الري وبغداد والبصرة والكوفة، ثم الشام ومصر، يسمع من الشيوخ ويكتب عنهم، حتى صار من أوعية العلم في زمانه.
لم يكن الطبري مفسّرًا فحسب، بل كان جامعةً تمشي على قدمين: إمامًا في التفسير والحديث والفقه والقراءات والتاريخ واللغة والعربية. بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، حتى صار له مذهبٌ فقهيٌّ مستقل عُرف بـ«المذهب الجريري»، له أتباعٌ وأصحاب مدةً من الزمان قبل أن ينقطع. وترك من التصانيف ما يشهد بسعة علمه، وعلى رأسها تفسيره هذا وتاريخه الكبير «تاريخ الرسل والملوك»، وكتابه «تهذيب الآثار» الذي لم يُتمّه.
وكان مع غزارة علمه رجلًا زاهدًا عفيفًا، يعرض عنه أهل الدنيا مناصبهم فيأباها، عُرض عليه القضاء والنظر في المظالم فردّهما، واكتفى بميراثٍ يسيرٍ من أبيه يتقوّت به ليتفرّغ للعلم. ويُروى في همّته أنه مكث أربعين سنة يكتب في كل يومٍ أربعين ورقة، وهي حكايةٌ إن صحّت فإنها تفسّر هذا الفيض من التصانيف. توفي ببغداد سنة 310 هـ عن نحو ست وثمانين سنة، فازدحم الناس على جنازته، ورثاه العلماء نظمًا ونثرًا.
أُلّف «جامع البيان» في القرن الثالث الهجري، وهو عصرٌ ذهبيٌّ لتدوين العلوم الإسلامية: نضج فيه علم الحديث وتمييز الأسانيد، واكتملت المذاهب الفقهية، وازدهرت علوم العربية والقراءات. وكان التفسير قبل الطبري متناثرًا في صحف الرواة وأجزاء المحدّثين وبطون كتب الأخبار، أقوالٌ منسوبة إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدّي وغيرهم، تتناقلها الأسانيد من غير أن يجمعها كتابٌ واحدٌ محرّر.
فجاء الطبري ليصنع ما لم يُصنع قبله على هذا النحو: أن يستوعب تفسير القرآن كله آيةً آيةً، ويجمع فيه ما تفرّق من أقوال السلف بأسانيدها، ثم يزنها ويرجّح بينها. فلم يكن كتابه تلخيصًا لما سبق، بل كان تأسيسًا لعلم التفسير الجامع، حتى صار الأصل الذي يرجع إليه من جاء بعده. ولهذا يُعدّ أقدم التفاسير الكبرى الجامعة التي وصلتنا كاملةً، وأوسعها روايةً وأصحّها منهجًا.
وقيمة هذا الجمع تتضاعف حين تتذكر أن كثيرًا من مصادر الطبري ومسانيد السلف التي نقل عنها قد فُقدت وضاعت أصولها، فلولا أنه أثبتها بأسانيدها في كتابه لذهب علمٌ عظيمٌ من تفسير القرون الأولى. فصار «جامع البيان» بهذا المعنى ديوانًا يحفظ لنا التفسير المأثور عن الصحابة والتابعين، ووثيقةً على كيفية فهم السلف لكتاب الله.
طريقة الطبري في الكتاب منضبطةٌ تكاد تتكرر في كل آية، فتصير كالقالب الذي يألفه القارئ: يذكر الآية أو الجملة منها، ثم يقول «القول في تأويل قوله تعالى…»، ثم يسوق أقوال المفسّرين من الصحابة والتابعين بأسانيدها المتصلة، مجموعةً بحسب اتفاقها واختلافها. فهو أولًا وقبل كل شيء إمام التفسير بالمأثور، ينقل عن السلف بالإسناد كما ينقل المحدّث الحديث.
لكنه لا يقف عند الجمع والرواية، بل هذا نصف صنعته؛ فإذا تعددت الأقوال في الآية عرضها كلها، ثم وازن بينها بميزان اللغة والسياق والأثر الصحيح، ثم أبان عن اختياره بعباراته المعروفة: «وأولى الأقوال بالصواب» و«والصواب من القول عندنا». وبهذا الترجيح خرج الكتاب من كونه مجرّد مجموعةٍ للآثار إلى كونه اجتهادًا في التأويل، يكشف عن ملكة الطبري في الاستدلال والموازنة. ولهذا جمع بين فضيلتين قلّ أن تجتمعا: أمانة الناقل ونظر المجتهد.
وقد شهد له بهذا أئمة النقد؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن تفسير الطبري من أصح التفاسير التي بأيدي الناس وأجلّها. وليس ذلك عجبًا، فالكتاب يحتكم إلى الدليل، ويردّ الأقوال إلى أصولها من كتاب الله وسنة رسوله ولسان العرب، فلا يقبل قولًا لمجرد قائله، ولا يردّ آخر لغرابته، بل يزن الجميع بالحجة.
وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحّها تفسير محمد بن جرير الطبري.
لا يقتصر «جامع البيان» على نقل أقوال المفسّرين، بل هو موسوعةٌ تجمع علوم القرآن كلها في نسقٍ واحد. فالطبري إمامٌ في العربية، ولذلك يُعنى بإعراب الآيات وبيان معاني المفردات وأساليب العرب في كلامها، ويستشهد بأشعار الجاهلية وأمثالها على المعنى، حتى صار كتابه مرجعًا في اللغة كما هو مرجعٌ في التأويل.
وهو كذلك إمامٌ في القراءات، فيذكر وجوه القراءات في الآية، ويوجّه كل قراءةٍ ويبيّن أثرها في المعنى، وربما رجّح بينها بحسب المتواتر المشهور. ولا يفوته الجانب الفقهي، فإذا مرّت آية أحكامٍ بسط أقوال الفقهاء فيها، وناقش أدلتهم، ثم رجّح ما يراه أقرب إلى الحق، مستصحبًا فقهه الذي بلغ به رتبة الاجتهاد المستقل.
وإلى جانب ذلك يتعرّض للناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والوقف والابتداء، والمكي والمدني حيث يقتضي المقام. فاجتمع في الكتاب ما تفرّق في كتبٍ شتى، وصار المرء إذا قرأ تفسير آيةٍ فيه كأنه حضر مجلسًا يُدرّس فيه القرآن من كل أبوابه: روايةً ودرايةً، لغةً وقراءةً وفقهًا.
قلّ كتابٌ في التفسير نال من إجماع الثناء ما ناله «جامع البيان»؛ فقد أطبق العلماء على تقديمه وجعله في الطبقة الأولى من كتب التفسير. قال الإمام النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» إن الأمة أجمعت على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير ابن جرير، وأثنى عليه السيوطي فعدّه من أجلّ التفاسير وأعظمها. وصار الكتاب أصلًا ومنهلًا لمن جاء بعده، فاعتمده البغوي وابن كثير والقرطبي والسيوطي وغيرهم، حتى قيل: من أراد التفسير فعليه بتفسير ابن جرير.
وأما طبعاته فقد عُني به المحققون عنايةً كبيرة؛ فطُبع أولًا بمطبعة بولاق بمصر في نحو ثلاثين جزءًا، ثم نهض الشيخان أحمد محمد شاكر وأخوه محمود محمد شاكر بتحقيقٍ رفيعٍ له نُشر في دار المعارف، غير أنه لم يكتمل ووقف قبل تمام الكتاب. ثم صدرت الطبعة المحققة الكاملة عن دار هجر بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي في نحو ستةٍ وعشرين مجلدًا، وهي من أتم طبعاته وأجودها ضبطًا وتخريجًا.
ومع علوّ منزلته لم يخلُ من نظر أهل العلم؛ فقد نبّه بعضهم على أنه، كعادة أهل الجمع بالأسانيد، يورد في تفسيره روايات من الإسرائيليات والأخبار الضعيفة، لكنه يوردها بأسانيدها فيُحيل القارئ على النظر فيها. وهذا لا يغضّ من قدر الكتاب، فإن إثبات الإسناد براءةٌ لصاحبه، وبابٌ للنقد والتمحيص، وقد بقي «جامع البيان» بعد أحد عشر قرنًا سيّد التفاسير الجامعة ومعدنها الأول.
أجمعت الأمة على أنه لم يُصنَّف مثله.
تفسير الطبري بحرٌ لا يُخاض دفعةً واحدة، وأنسب طرق قراءته أن تجعله رفيقًا لتلاوتك: إذا قرأت سورةً أو آيةً وأشكل عليك معناها، ارجع إليه في موضعها، فاقرأ ما نقله عن السلف، ثم تأمّل ترجيحه في قوله «وأولى الأقوال بالصواب». بهذا تتحول القراءة إلى تعلّمٍ لكيفية التأويل لا إلى استعراضٍ عابر للأقوال.
وفي القارئ هنا تجد الكتاب كاملًا مرتبًا على ترتيب المصحف من الفاتحة إلى الناس، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي سورةٍ أو موضعٍ بضغطة واحدة، فتقرأ تفسير الآية التي تريدها من غير أن تُقلّب المجلدات. ابدأ بتفسير سورةٍ تحبها، أو تتبّع آيات الأحكام والقصص، واقرأ «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
تفسير الطبري كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
2123 فصلاً

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن أحمد + عبدالرحمن بن أبي بكر المحلي + السيوطي
1 فصل

أبو عبد الله القرطبي
3375 فصلاً

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ)
2279 فصلاً

العلامة أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي
1 فصل