عن الكتاب
تخيّل تفسيرًا للقرآن كلّه لا يكاد يزيد حجمه على حجم المصحف الشريف، يمشي مع الآية كلمةً كلمة فيكشف معناها في لفظٍ موجزٍ محرَّر، حتى إذا رفعتَ الآية من بين السطور بقي الكلام متّصلًا كأنه نصٌّ واحد. هذا الكتاب لم يخرج من قلمٍ واحد، بل من قلمين لعالمين جليلين اجتمعا على اسمٍ واحد هو «جلال الدين»؛ بدأه أوّلهما فأدركته المنيّة قبل أن يتمّه، فأكمله تلميذه على منواله حتى صار الكتاب نسيجًا لا يُعرف أين انتهى الشيخ وأين ابتدأ التلميذ. إنه «تفسير الجلالين»، أشهر مختصرات التفسير وأوسعها انتشارًا في مشارق الأرض ومغاربها.

اسم الكتاب نفسه يحمل قصّته؛ فقد سُمّي «تفسير الجلالين» لأنّ مؤلّفيه رجلان كلاهما لقبه «جلال الدين»، فثُنّي اللقب فقيل «الجلالان». أوّلهما شيخٌ من كبار فقهاء الشافعية، وثانيهما تلميذه الذي فاق أهل زمانه في كثرة التصنيف. اجتمع في هذا الكتاب الوجيز اسمان لعَلَمين من أعلام القرن التاسع الهجري بمصر.
أمّا الأوّل فهو الإمام جلال الدين محمد بن أحمد المحلّي الشافعي، نسبةً إلى المحلّة الكبرى بمصر، وُلد بالقاهرة سنة 791 هـ. كان آيةً في حِدّة الذهن ودقّة الفهم حتى ضُرب به المثل في جودة النظر، وبرع في الفقه والأصول والمنطق والتفسير، وله مصنّفاتٌ محرّرة سارت بها الرُّكبان، منها «كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين» في فقه الشافعية، وشرحه المتين على «جمع الجوامع» في أصول الفقه. تُوفّي سنة 864 هـ وقد ترك تفسيره ناقصًا.
وأمّا الثاني فهو تلميذه الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المولود سنة 849 هـ، أحد أكثر علماء الإسلام تأليفًا على الإطلاق؛ فقد نيّفت مصنّفاته على مئات الكتب والرسائل في التفسير والحديث واللغة والتاريخ وعلوم القرآن، منها «الإتقان في علوم القرآن» و«الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور» و«تدريب الراوي» و«الأشباه والنظائر». وبإتمامه هذا التفسير في شبابه اقترن اسمه باسم شيخه المحلّي إلى الأبد.
شرع المحلّي في تفسيره على غير العادة المألوفة؛ فبدأ من أوّل سورة الكهف ومضى إلى آخر القرآن عند سورة الناس، ثم عاد ففسّر سورة الفاتحة وجعلها آخر ما كتب. وبينما هو عازمٌ على أن يستدرك ما بين الفاتحة والكهف أدركته المنيّة سنة 864 هـ، فبقي القسم الأوسع من المصحف، من سورة البقرة إلى آخر سورة الإسراء، بلا تفسير، وبقي الكتاب جذعًا مقطوعًا يحتاج من يصله.
فنهض بالإتمام تلميذه السيوطي، فسدّ الثغرة الكبرى من أوّل البقرة إلى آخر الإسراء، وتوخّى في ذلك أن يسير على طريقة شيخه حذوَ النعل بالنعل: في إيجاز العبارة، وطريقة العرض، وحجم الكلام على كلّ آية، حتى جاء الجزءان متلائمين كأنهما من يدٍ واحدة. ويُذكر أنه أنجز هذا القسم في مدّةٍ يسيرةٍ عجيبة، قيل إنها نحو أربعين يومًا، وهو في ريعان شبابه، فكان ذلك من دلائل سعة علمه وسرعة يراعه.
وقد جرى هذا كلّه في مصر المملوكية في القرن التاسع الهجري، حيث كانت القاهرة والأزهر محطَّ طلبة العلم من الأمصار، تزدهر فيها حِلَق الفقه والحديث والتفسير. من هذه البيئة العلمية خرج «تفسير الجلالين»، فحمل روح ذلك العصر في تحرير العبارة وتلخيص المطوّلات وتقريب العلم إلى المتعلّمين.
كتابٌ بدأه شيخٌ من آخر القرآن، وأتمّه تلميذٌ من وسطه، فالتقى القلمان في نسيجٍ واحد لا يكاد القارئ يتبيّن أين انتهى الأوّل وأين ابتدأ الثاني.
يقوم منهج «الجلالين» على غايةٍ واحدة: بيان المعنى الراجح للآية بأوجز عبارةٍ ممكنة، من غير استطرادٍ ولا إطالة. فالمؤلّفان يفسّران القرآن بإدخال كلماتٍ يسيرةٍ بين ألفاظ الآية نفسها، تُكمل المعنى وتوضّح المراد، حتى إنّ القارئ يقرأ الآية وتفسيرها كأنهما كلامٌ واحدٌ متّصل. وهذا الأسلوب في المزج بين النصّ وشرحه من أخصّ ما تميّز به هذا التفسير.
ولا يقتصر الكتاب على بيان المعنى؛ بل يعرِض على وجازته لطائف من العلوم عند الحاجة: فيشير إلى وجوه الإعراب المؤثّرة في المعنى، ويذكر القراءات المشهورة، وينبّه على أسباب النزول باختصار، ويُلمّ بالناسخ والمنسوخ وبعض ما يتّصل بالأحكام. كلّ ذلك في إيجازٍ شديدٍ لا يخرج بالقارئ عن مقصود الآية، فهو تفسيرٌ يجمع طرفًا من المأثور وطرفًا من الدراية في أضيق حيّز.
وقد جرى المؤلّفان، وهما شافعيّان في الفقه أشعريّان في الاعتقاد، على مذهبهما في مواضع الأحكام وفي بعض آيات الصفات، فيميلان إلى التأويل في مواضع منها على طريقة أهل هذا المسلك. ولذلك درج أهل العلم على أن يُقرأ الكتاب لجودة تحريره واختصاره، مع الرجوع إلى تفسيرٍ أوسع أو إلى حواشيه المحقِّقة فيما يحتاج إلى بسطٍ أو تنبيه.
لهذا التفسير حضورٌ لا يكاد يدانيه فيه مختصرٌ آخر؛ فهو الكتاب الذي يبدأ به المتعلّم طريقه إلى فهم القرآن، ويرافق طالب العلم في محفوظاته، ويُقرأ في المساجد والزوايا والمعاهد. انتشر في الأزهر ومصر، وفي بلاد الشام والحجاز، وفي غرب إفريقيا وشرقها، وفي جنوب شرق آسيا، حتى صار في كثيرٍ من الأقطار أوّل تفسيرٍ يُدرَّس ويُحفَظ.
وسرّ هذا الانتشار هو الإيجاز المحرَّر؛ فحجم الكتاب لا يكاد يزيد على حجم المصحف الشريف، فيستطيع القارئ أن يمرّ على تفسير القرآن كلّه في زمنٍ يسير، ويجد عند كلّ آيةٍ خلاصةً مركّزةً لمعناها من غير أن يتيه في اختلاف الأقوال. هذا الاقتصاد في اللفظ مع دقّة الاختيار هو ما جعله بابًا مثاليًّا للمبتدئ، وتذكرةً نافعةً للمنتهي.
ومع هذه المزيّة يُنبّه أهل العلم إلى أنّ من طبيعة المختصر أن يُغفل التفصيل، فينصحون بقراءته على يد عالمٍ أو مع حاشيةٍ محقِّقة، لا سيّما فيما يتّصل بآيات الصفات وبعض ما ذُيِّل به من روايات فضائل السور التي تكلّم فيها المحقّقون. وهذه التنبيهات لا تغضّ من قدر الكتاب، بل هي من تمام العناية بمختصرٍ صار عُمدةً في بابه.
تفسيرٌ للقرآن كلّه لا يكاد يجاوز حجم المصحف، يضع بين يدي القارئ خلاصة المعنى في أوجز لفظٍ وأدقّ إشارة.
لمّا عظُم شأن «الجلالين» واتّسع تداوله، انبرى العلماء لخدمته بالحواشي التي تبسط مجمله وتوضّح مشكله وتتعقّب ما يحتاج إلى تعقّب. ومن أشهر هذه الحواشي «حاشية الصاوي» للشيخ أحمد الصاوي المالكي، وهي من أوسعها انتشارًا وأكثرها تداولًا مع أصلها، تُطبع معه في أربعة مجلّدات. ومنها «الفتوحات الإلهية» المعروفة بـ«حاشية الجمل» للشيخ سليمان الجمل، وهي حاشيةٌ حافلةٌ توسّعت في شرح دقائقه.
وقد طُبع الكتاب مرارًا لا تُحصى منذ عصر الطباعة، مفردًا في مجلّدٍ واحد بهامش المصحف أو مستقلًّا، ومقرونًا بحواشيه، وعُني به المحقّقون بالضبط والمقابلة والتخريج والتنبيه على مواطن البحث. وهو من أكثر كتب التفسير حضورًا في المكتبات والمناهج ومجالس التحفيظ إلى يومنا هذا.
وأمّا أثره فيتجاوز كونه كتابًا يُقرأ إلى كونه مدرسةً في الاختصار؛ فقد صار مثالًا يُحتذى في كيفية تقريب علمٍ واسعٍ كالتفسير إلى عامّة المتعلّمين من غير إخلالٍ بالمقصود. وبقي على مرّ القرون شاهدًا على براعة عالمين جليلين استطاعا أن يودعا معاني القرآن كلّه في هذا الحجم اللطيف المحرَّر.
إن أردت أن تختم تفسير القرآن كلّه في وقتٍ وجيز، فهذا الكتاب رفيقك؛ افتح المصحف على السورة التي تقرؤها، ثم اقرأ عليها تفسير الجلالين، فتجد عند كلّ آيةٍ خلاصة معناها في سطرٍ أو سطرين، تمشي مع التلاوة خطوةً بخطوة من غير أن يشغلك طول القول. اجعله وِردًا يوميًّا مع تلاوتك، أو ارجع إليه عند آيةٍ أشكل عليك معناها فتجد بيانها في أوجز عبارة.
وفي القارئ على رحلة تجد نصّ «تفسير الجلالين» كاملًا مرتّبًا على ترتيب المصحف، مع فهرسٍ يوصلك إلى أيّ سورةٍ أو موضعٍ بضغطة واحدة. اقرأه لتأخذ خلاصة المعنى، ثم انتقل منه إلى تفسيرٍ أوسع إن شئت التوسّع، مجانًا وبلا حواجز، على رحلة.
النص الكامل بين يديك
تفسير الجلالين كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
2123 فصلاً

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
7819 فصلاً

أبو عبد الله القرطبي
3375 فصلاً

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ)
2279 فصلاً

العلامة أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي
1 فصل