عن الكتاب
في مدينةٍ تضجّ بالزحام والظلم الصامت، يسير شابٌّ مطحونٌ بين صيدليات القاهرة يبيع الدواء نهارًا ويرعى أبًا مُقعَدًا ليلًا، لا يدري أنّ قدره على وشك أن ينقلب رأسًا على عقب. سلسلةٌ من الوفيات الغامضة، وسمٌّ خفيٌّ لا يترك أثرًا اسمه «تراب الماس»، وسرٌّ عائليٌّ مدفون؛ خيوطٌ تتشابك لتجرّه إلى عالمٍ من الجريمة والانتقام والعدالة الملتبسة. برشاقة كاميرا سينمائيةٍ وإيقاعٍ لاهث، ينسج أحمد مراد حكايةً عن الرجل الصغير حين يواجه شرًّا أكبر منه. هذه هي «تراب الماس».

أحمد مراد روائيٌّ وسيناريست وكاتبٌ مصريّ من مواليد عام 1978م، بدأ طريقه مصوّرًا فوتوغرافيًّا، وعمل ضمن الطاقم الرئاسيّ مصوّرًا في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، قبل أن يتحوّل إلى عالم الأدب فيصير أحد أبرز وجوه الرواية المصرية الشابّة.
أطلّ مراد على القرّاء بروايته الأولى «فيرتيجو» عام 2007م، ففتحت له بابًا واسعًا ونُقلت إلى عملٍ دراميّ، ثم توالت أعماله لتؤكّد حضوره: «تراب الماس»، و«الفيل الأزرق» التي بلغت القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) وتحوّلت إلى فيلمٍ ناجح، ثم «1919» و«أرض الإله» وغيرها.
يُحسب لأحمد مراد أنّه أعاد الاعتبار لرواية التشويق والجريمة في المكتبة العربية، وقرّب الأدب من جيلٍ جديدٍ من القرّاء الشباب، بأسلوبٍ يمزج حبكةَ البوليسيّة المُحكمة بروح الشارع المصريّ وهمومه وتفاصيله اليومية.
تدور «تراب الماس» في القاهرة المعاصرة حول شابٍّ يعمل مندوبَ دعايةٍ دوائيةٍ يجوب الصيدليات والعيادات، يعيش حياةً رتيبةً مثقلةً برعاية أبيه المُقعَد وبضيق ذات اليد وثقل الواقع من حوله. حياةٌ عاديةٌ في ظاهرها، تخبّئ تحت سطحها ما لا يخطر على بال.
تنقلب الأمور حين تتوالى وفياتٌ غامضة، وتلوح خيوطٌ عن سمٍّ نادرٍ لا يكاد يُكشَف اسمه «تراب الماس»، فيجد البطل نفسه منجرفًا إلى دوّامةٍ من الأسرار والجرائم والانتقام، تضعه وجهًا لوجه أمام أسئلةٍ عن العدل والذنب وحدود ما يمكن أن يفعله الإنسان حين يُدفَع إلى الحافّة.
ومن حُسن صنيع الكاتب أنّه يبني التشويق طبقةً فوق طبقة، فلا يكشف أوراقه دفعةً واحدة، بل يقود القارئ في متاهةٍ محكمةٍ حتى الصفحات الأخيرة. ولذلك يُكتفى هنا بملامح العالم دون حرقٍ للمفاجآت التي تقوم عليها متعة الرواية.
يستمدّ العنوان قوّته من مادّةٍ اكتنفتها الحكايات؛ فقد تردّد في أخبارٍ تاريخيةٍ قديمة أنّ مسحوق الماس، إذا دُسّ في الطعام بمقاديرَ دقيقة، يمزّق الأحشاء في بطءٍ ويقتل قتلةً تبدو طبيعيةً لا يفضحها تحليل. هذا السمّ الخفيّ الذي لا يترك بصمة هو قلب اللعبة في الرواية.
وفي يد أحمد مراد يصير «تراب الماس» أكثر من مجرّد أداةِ قتل؛ إذ يتحوّل إلى استعارةٍ عن عدالةٍ تعمل في الظلّ، وعن ثمنٍ باهظٍ يُدفَع في صمت، وعن الجمال الذي قد يخبّئ في داخله الموت. فالماس، رمز الرفعة والثمن الغالي، يصير هنا وجهًا للفناء.
بهذه المفارقة بين اسمٍ برّاقٍ ومعنًى قاتل، يضع الكاتب قارئه منذ الغلاف في قلب ثيمة الرواية: أنّ تحت لمعان الأشياء قد يكمن سمُّها، وأنّ العدالة والجريمة قد تتبادلان الأقنعة.
في العمق، «تراب الماس» روايةٌ عن العدالة حين يعجز عنها القانون. تطرح سؤالها المؤرِّق: ماذا يفعل الضعيف حين يرى الفساد يفلت من العقاب، والأقوياء يدوسون الحقّ بلا حساب؟ ومن هنا تتوتّر الحكاية بين شرعية القانون وإغراء الأخذ بالثأر على الطريقة الخاصّة.
وتتقاطع مع هذا السؤال المركزيّ موضوعاتٌ شتّى: الفساد المستشري، وقهر الرجل الصغير، وثِقل العلاقة بين الأب والابن، وميراث الماضي الذي يطارد الحاضر. وكلّها تُروى في مناخٍ نوارٍ قاتم، تفوح منه رائحة القاهرة بزحامها وتناقضاتها.
ولا تقدّم الرواية أجوبةً مريحة؛ فأبطالها ليسوا ملائكةً ولا شياطين، بل بشرٌ في مناطق رماديةٍ ملتبسة، يجعلون القارئ يتورّط في الحكم عليهم، ويسأل نفسه: أين كان سيقف لو وُضِع في مكانهم؟
يكتب أحمد مراد بعينِ مصوّرٍ وذهنِ سيناريست؛ فجُمله قصيرةٌ مشهديّة، ومشاهده تتوالى كأنها لقطاتٌ سينمائية، وإيقاعه سريعٌ لاهثٌ يشدّ القارئ من فصلٍ إلى فصل. هذا الأسلوب البصريّ سهل التصوّر هو أحد أسرار التصاق قرّائه به، وامتداد جمهوره إلى من لا يُكثرون القراءة.
وقد لقيت «تراب الماس» رواجًا واسعًا وأُعيد طبعها مرّةً بعد مرّة، وترسّخت اسمًا بين أكثر روايات التشويق العربية قراءةً في العقد الأخير. وزاد من شهرتها تحوّلها إلى فيلمٍ سينمائيّ عام 2018م من إخراج مروان حامد وبطولة آسر ياسين، كتب له أحمد مراد نفسه السيناريو، فبلغت الحكاية جمهورًا أوسع من قرّاء الكتاب.
ومع هذا النجاح الجماهيريّ، ينقسم النقّاد كعادتهم مع أدب التشويق: بين من يراه تجديدًا يعيد للرواية العربية متعة الحبكة والإثارة، ومن يرى أنّ الإتقان الحرفيّ للتشويق قد يسبق أحيانًا العمق الأدبيّ. لكنّ الاتفاق قائمٌ على أنّ مراد صنع لنفسه مساحةً خاصّة في الرواية الشعبية الراقية اجتذبت قرّاءً جددًا إلى الكتاب.
تناسب «تراب الماس» محبّي روايات التشويق والجريمة والغموض، ومن يبحث عن عملٍ عربيٍّ معاصرٍ سريع الإيقاع لا يكاد يُترَك قبل نهايته. وهي مدخلٌ ممتازٌ لمن أراد أن يتعرّف على أدب أحمد مراد، أو أحبّ الفيلم وأراد أن يقرأ أصله الروائيّ الأغنى تفصيلًا.
أمّا من يبحث عن أدبٍ تأمّليٍّ بطيءٍ أو نثرٍ شعريٍّ مترفٍ فقد يجد الرواية أميل إلى الحركة والحبكة منها إلى التأمّل، وذلك من طبيعة النوع لا نقصًا فيه.
وهذه الصفحة تعريفٌ ونبذةٌ بالرواية للتعريف بعالمها ومكانتها، وليست نسخةً منها؛ فالرواية متوفّرةٌ في طبعاتها العربية عن دار الشروق لمن أراد أن يخوض تجربتها كاملة.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون