عن الكتاب
في دمشقَ، دُرّةِ الشام وحاضرةِ بني أميّة، نشأ حافظٌ جوّابُ آفاق طاف الأمصار من بغداد إلى خراسان وأصبهان يلتمس الحديث ويجمع الأسانيد عن أكثر من ألفٍ وثلاثمائة شيخ، حتى صار محدّث الشام غير مُنازَعٍ في زمانه. ثم رجع إلى مدينته يحمل همًّا واحدًا: أن يكتب لها تاريخًا يخلّد فضلها ويجمع أخبار من حلّها أو مرّ بها من الصحابة والتابعين والملوك والعلماء، كما صنع الخطيب البغدادي لبغداد من قبله. فعكف السنين الطوال على مادّةٍ لا تكاد تُحصى، يرتّب التراجم على حروف المعجم ويسوقها بأسانيدها، حتى خرج للأمّة سِفرٌ لم يُصنَّف في تاريخ مدينةٍ أضخمُ منه ولا أجمع. هذا هو كتاب «تاريخ مدينة دمشق» للحافظ ابن عساكر الدمشقي.

هو الإمام الحافظ الكبير أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي، المعروف بابن عساكر الدمشقي، وُلد بدمشق سنة تسعٍ وتسعين وأربعمائة في بيتٍ من بيوت العلم والرئاسة عُرف ببني عساكر، فنشأ في حِجر أهله على حبّ الحديث وأهله، وسمع صغيرًا، ثم أقبل على الطلب إقبالًا لم يكن لأحدٍ من أقرانه، حتى صار في شبابه من المبرّزين في الحفظ والإتقان.
ولم يقنع ابن عساكر بعلم بلده، بل شدّ الرحال في طلب الحديث رحلاتٍ واسعة طاف فيها العراق والجزيرة والجبال وخراسان وأصبهان ونيسابور وغيرها، فسمع من عددٍ هائلٍ من الشيوخ قيل إنه جاوز ألفًا وثلاثمائة شيخ، وأدرك من الأسانيد العالية ما لم يُدركه غيره في عصره. فلمّا رجع إلى دمشق كان قد بلغ الغاية في هذا الشأن، حتى قال العلماء إنه لم يكن في زمانه أحفظ منه، وكان مع سعة علمه شافعيّ المذهب، أشعريّ الاعتقاد، عابدًا ورِعًا منقطعًا إلى العلم والعبادة.
وقد قارن الله بين ابن عساكر وبين الملك العادل نور الدين محمود زنكي في زمنٍ نهض فيه أهل السنّة وأُحييت فيه رايةُ الجهاد ضدّ الصليبيين وبُنيت المدارس ودُور الحديث؛ فبنى نور الدين بدمشق «دار الحديث النورية» وولّى ابن عساكر التدريس بها، فكان أوّل من جلس فيها للإسماع والتحديث. وله سوى «تاريخ دمشق» مصنّفاتٌ نفيسة، منها «تبيين كذب المفتري فيما نُسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري»، وأجزاءٌ في الحثّ على الجهاد وفضائله؛ وتوفّي بدمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فخلَفه في التدريس والرواية ابنه القاسم بهاء الدين.
الحافظ الكبير، محدّث الشام.
كان القرن السادس الهجري في الشام زمنَ نهضةٍ سُنّية كبرى؛ فقد وحّد نور الدين زنكي كلمة المسلمين، وأشعل جذوة الجهاد لاسترداد ما احتلّه الصليبيون، وأنفق على المدارس ودُور الحديث والقرآن، فأصبحت دمشق حاضرةً تعجّ بالعلماء والمحدّثين. وفي هذا الجوّ العلميّ الجهاديّ عاش ابن عساكر، فكان لسان تلك النهضة وقلمَها، يجمع للأمّة تاريخها ويذكّرها بفضل أرض الشام التي هي «أرض الرباط».
وكان الخطيب البغدادي قد سبق فصنّف «تاريخ بغداد» فجمع فيه أخبار مدينته وتراجم من نزلها من الرواة والأعلام، وكان الخطيب نفسه قد قدم دمشق وحدّث بها؛ فاقتدى ابن عساكر بصنيعه وطمح أن يكتب لدمشق ما كتبه الخطيب لبغداد، بل أن يفوقه سعةً واستيعابًا. فجعل عنوان كتابه شارحًا لمقصده، سمّاه «تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلّها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها».
ثم أفرغ ابن عساكر في هذا الكتاب حصيلة عمره كلّه؛ فما جمعه في رحلاته من الأسانيد والأخبار والتراجم صبّه في هذا السِّفر، يقلّب مسموعاته ومروياته ويرتّبها ويحرّرها سنينَ عددًا، حتى استحال الكتاب موسوعةً لا يقدر على مثلها إلا حافظٌ جمع بين سعة الرواية وطول العمر ودأب النَّفَس. وبهذا صار «تاريخ دمشق» ثمرةَ حياةٍ بأكملها لا مجرّد مصنَّفٍ من مصنّفات.
تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلّها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها.
يفتتح ابن عساكر كتابه بقسمٍ في فضائل الشام ودمشق، فيسوق فيه ما ورد في فضلها من الأخبار، ثم يصف المدينة وصفًا حيًّا: غوطتَها وأنهارها ومياهها وأبوابها وأسوارها ومسجدها الجامع الأمويّ، ويذكر بناءها وفتحها في صدر الإسلام على أيدي الصحابة، وما كان لها من مكانةٍ في دولة بني أميّة حين صارت عاصمة الخلافة. فهذا القسم وحده يُعدّ مصدرًا نفيسًا في جغرافيا دمشق وتاريخها العُمرانيّ.
ثم ينتقل إلى صُلب الكتاب وأوسع أقسامه: التراجم. فيترجم لكلّ من سكن دمشق أو نزلها أو اجتاز بها من الصحابة والتابعين والخلفاء والملوك والفقهاء والمحدّثين والزُّهّاد والشعراء، ويرتّبهم على حروف المعجم، مبتدئًا بمن اسمه «محمد» تبرّكًا باسم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثم يمضي على سائر الأسماء، ويختم بالكُنى ثم بتراجم النساء في آخر الكتاب. وبهذا الترتيب صار الكتاب معجمًا للأعلام يسهُل على القارئ أن يقصد فيه من يريد.
وبلغ من سعة هذه المادّة أن ضمّ الكتاب قرابة عشرة آلاف ترجمة، فيها من التفصيل والاستقصاء ما يجعل كثيرًا من تراجمه أوسعَ من كتابٍ مستقلّ؛ إذ يجمع في الترجمة الواحدة أخبار صاحبها ورواياته وأشعاره وما قيل فيه من مدحٍ أو جرحٍ أو تعديل. ومن هنا كان «تاريخ دمشق» أضخم كتابٍ صُنّف في تاريخ مدينةٍ بعينها، بل هو في حقيقته موسوعةٌ لتاريخ الشام والصدر الأوّل من الإسلام في ثوب تاريخٍ لمدينة.
أبرز ما يميّز «تاريخ دمشق» أنه كتاب محدّثٍ لا كتاب مؤرّخٍ فحسب؛ فابن عساكر لا يذكر خبرًا ولا يترجم لأحدٍ إلا ساق ذلك بإسناده المتّصل إلى قائله كما يصنع أهل الحديث. فتقرأ الخبر مسندًا من طريق شيوخه إلى منتهاه، فتعرف من رواه وعمّن أخذه، وهذا المنهج هو الذي رفع قيمة الكتاب حتى صار مصدرًا أصيلًا يُعتمد عليه في التوثيق لا مجرّد ناقلٍ للأخبار.
وهو مع ذلك واسع الرواية لا يكاد يُغادر شيئًا؛ فيجمع في المسألة الواحدة والترجمة الواحدة طرقها المختلفة ورواياتها المتعدّدة، فيورد الصحيح والغريب، ويترك للناظر أن يميّز ويوازن. فليس غرضه الانتقاء والتلخيص، بل الجمع والاستيعاب والحفظ؛ ولذلك تجد فيه من المرويات ما لا تجده في غيره، ومن الأخبار ما انفرد بحفظه دون سائر الكتب.
وبهذا الصنيع حفظ ابن عساكر للأمّة نصوصًا ومرويّاتٍ وأشعارًا وكتبًا اندثرت أصولها ولم يبقَ منها إلا ما نقله في كتابه؛ فصار «تاريخ دمشق» خزانةً لأخبار الصحابة والتابعين، وسِجلًّا لأيّام بني أميّة ورجال الدولة الأموية، ومَعينًا لا ينضب لكلّ باحثٍ في تاريخ الشام خاصّةً وتاريخ الإسلام المبكّر عامّة.
ما إن ظهر «تاريخ دمشق» حتى صار عُمدةً للمؤرّخين من بعده؛ فاعتمده الحافظ الذهبي وأكثر من النقل عنه في «سير أعلام النبلاء» و«تاريخ الإسلام»، وعوّل عليه ابن كثير في «البداية والنهاية» تعويلًا ظاهرًا، ونقل عنه ابن الأثير وابن العديم وغيرهم من أصحاب التواريخ والتراجم. فقلّ أن تجد كتابًا في تاريخ الشام أو تراجم رجاله لا تعود مادّته في أصلها إلى ابن عساكر.
ولضخامة الكتاب تصدّى له العلماء بالاختصار والتهذيب؛ فاختصره الإمام ابن منظور صاحب «لسان العرب» في «مختصر تاريخ دمشق» فقرّبه للقُرّاء في مجلّداتٍ أيسر تناولًا، وهذّبه في العصر الحديث الشيخ عبد القادر بدران في «تهذيب تاريخ دمشق». وهذه المختصرات نفسها دليلٌ على مكانة الأصل وعلوّ قدره، إذ لا يُختصر إلا نفيسٌ يُرغب في تقريبه.
وقد ظلّ الكتاب قرونًا محفوظًا في المخطوطات يتناقله العلماء حتى مَنّ الله بطبعه كاملًا محقَّقًا في العصر الحديث، فصدر عن دار الفكر بدمشق في نحو ثمانين مجلدًا بتحقيق محبّ الدين عمر بن غرامة العمروي، فكان إخراجه حدثًا علميًّا كبيرًا وضع بين يدي الباحثين أضخم موسوعةٍ تاريخيةٍ عن مدينةٍ إسلامية. وبذلك بقي ذكر ابن عساكر حيًّا بكتابه كما بقيت دمشق حيّةً في صفحاته.
لضخامة «تاريخ دمشق» لا يُقرأ عادةً من أوّله إلى آخره كما تُقرأ الكتب الصغيرة، بل يُدخَل إليه من أبوابه؛ فابدأ بقسم فضائل الشام ووصف دمشق في أوّله لتتعرّف على المدينة التي دار عليها الكتاب، ثم انتقل إلى التراجم التي هي كنزه الأعظم. وأيسر طريقٍ إليها أن تقصد باسم العلَم الذي تريد، فالكتاب مرتّبٌ على حروف المعجم، والبحث في نصّه على رحلة يوصلك إلى ترجمة الصحابيّ أو التابعيّ أو العالِم في لحظات.
واقرأه قراءة المتأمّل الذي يتتبّع الأسانيد والأخبار، فتلمح كيف يجمع ابن عساكر طرق الرواية الواحدة، وكيف يحفظ لك من أخبار الصدر الأوّل ما لا تجده في سواه. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فادخل إليه من الفضائل أو من ترجمة من تحبّ من الأعلام، واقرأ في أعظم ما كُتب عن مدينةٍ في تاريخ الإسلام.
النص الكامل بين يديك
تاريخ دمشق كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
335 فصلاً

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
3806 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310ه)
71 فصلاً

أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني
4390 فصلاً

أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: 681هـ)
33 فصلاً

أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
228 فصلاً