عن الكتاب

تاريخ الطبري

تخيّل رجلًا واحدًا نصب نفسه ليكتب تاريخ العالم كله: من أول لحظةٍ خلق الله فيها الزمان، مرورًا بالأنبياء وأمم الفرس والروم والعرب في جاهليتها، ثم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم حوادث الإسلام سنةً سنة حتى عصره. لم يكتفِ بأن يروي لك ما جرى، بل ساق إليك الخبر بإسناده كما يسوق المحدّث حديثه، فإن اختلفت الروايات في الواقعة عرضها كلها ثم تنحّى، وترك لك أن تنظر. إنه «تاريخ الرسل والملوك» للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المعروف اختصارًا بـ«تاريخ الطبري»، أقدم التواريخ الجامعة الكبرى التي وصلتنا، وأمّ كتب التاريخ الإسلامي وعمدة من جاء بعده.

غلاف تاريخ الطبري
المؤلف
الإمام محمد بن جرير الطبري، أبو جعفر
وفاة المؤلف
310 هـ ببغداد
الاسم الكامل
تاريخ الرسل والملوك (ويُعرف بتاريخ الأمم والملوك)
النوع
التاريخ العام على طريقة الحوليّات (السنة بعد السنة)
المكانة
أقدم التواريخ الجامعة الكبرى وأعظمها، وعمدة المؤرخين بعده
أشهر الطبعات
طبعة ليدن بتحقيق دي غويه وجماعة من العلماء، وطبعة دار المعارف بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم

من هو الإمام ابن جرير الطبري؟

هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر، وُلد نحو سنة 224 هـ في مدينة آمُل من إقليم طبرستان جنوب بحر قزوين، وإليها نُسب. نشأ في بيت علمٍ وصلاح، فحفظ القرآن صغيرًا، ثم لم تسعه بلدته فشدّ الرحال في طلب العلم رحلةً طويلة طوّفت به الري وبغداد والبصرة والكوفة، ثم الشام ومصر، يسمع من الشيوخ ويكتب عنهم، حتى صار من أوعية العلم في زمانه، وبه لُقّب.

ولم يكن الطبري مؤرّخًا فحسب، بل كان جامعةً تمشي على قدمين: إمامًا في التفسير والحديث والفقه والقراءات واللغة والتاريخ، بلغ رتبة الاجتهاد المطلق حتى صار له مذهبٌ فقهيٌّ مستقلٌّ عُرف بـ«المذهب الجريري»، له أتباعٌ مدةً من الزمان. وترك من التصانيف ما يشهد بسعة علمه، وعلى رأسها تفسيره العظيم «جامع البيان»، وتاريخه هذا الذي جعله قرينًا له في الشهرة والأثر.

وكان مع غزارة علمه رجلًا زاهدًا عفيفًا، تُعرض عليه المناصب فيأباها، ويكتفي بميراثٍ يسيرٍ من أبيه ليتفرّغ للعلم. توفي ببغداد سنة 310 هـ عن نحو ست وثمانين سنة، فازدحم الناس على جنازته، ورثاه العلماء نظمًا ونثرًا. وقد ترك برحيله كتابين لا يستغني عنهما طالب علمٍ إلى اليوم: تفسيرًا يُرجع إليه في القرآن، وتاريخًا يُرجع إليه في أخبار الأمم.

دوافع التأليف وعصر الكتاب

أُلّف «تاريخ الرسل والملوك» في القرن الثالث وأوائل الرابع الهجري، في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وهو عصرٌ ذهبيٌّ لتدوين العلوم: نضج فيه علم الحديث وتمييز الأسانيد، واكتملت المذاهب، وازدهرت الأخبار والسِّيَر والأنساب. وكانت أخبار الماضين قبله متناثرةً في صحف الإخباريين وأجزاء الرواة، أخبارٌ عن الأنبياء وأيام العرب وفتوح الإسلام وفتنه، تتناقلها الأسانيد من غير أن يجمعها كتابٌ واحدٌ محرّرٌ على نظامٍ جامع.

فأراد الطبري أن يصنع للتاريخ ما صنعه للتفسير: أن يستوعب أخبار العالم من أوله، ويجمع ما تفرّق من روايات السابقين بأسانيدها، ثم يرتّبها على نسقٍ واحد. فبدأ بالكلام على الزمان وبدء الخلق، ثم ساق أخبار الأنبياء والرسل، وقرن بهم ملوك الفرس وأمم الأرض في أزمنتهم، ومن هنا جاء اسم الكتاب: «تاريخ الرسل والملوك»، فالرسل عمود الهداية، والملوك عمود المُلك، والتاريخ عنده يجري على هذين الخطّين المتوازيين.

ولم يكن قصده مجرّد التسلية بأخبار الأولين، بل حفظ ذاكرة الأمة وتوثيق ما جرى قبل أن يضيع أو يُحرَّف. فجعل كتابه ديوانًا يُرجع إليه في معرفة الأمم الخالية وسِيَر الأنبياء وأيام الإسلام، بلغةٍ رصينةٍ ونَفَسٍ موسوعيٍّ لا يملّ الاستقصاء، حتى صار الكتاب مرآةً لعصرٍ كان العلماء فيه يجمعون تراث القرون الأولى ويصونونه من الضياع.

بناء الكتاب: من بدء الخلق إلى الحوليّات

يمضي الكتاب في تسلسلٍ زمنيٍّ بديع؛ فيفتتح بالكلام على الزمان وكم مضى منه، وبدء الخلق وخلق آدم، ثم يسرد قصص الأنبياء من نوحٍ وإبراهيم وموسى وغيرهم عليهم السلام، مُداخلًا بينها أخبار ملوك الفرس القدماء وأمم الأرض، ليجعل تاريخ النبوّة وتاريخ المُلك يسيران جنبًا إلى جنب في الحقبة نفسها.

ثم ينتقل إلى العرب قبل الإسلام وأيامهم وأنسابهم، فمولد النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ومغازيه، معتمدًا في ذلك على سيرة ابن إسحاق وغيرها. فإذا بلغ الهجرة تحوّل منهجه إلى طريقة الحوليّات: يجعل لكل سنةٍ بابًا يقول فيه «ثم دخلت سنة كذا»، ثم يسوق ما وقع فيها من فتوحٍ وولاياتٍ ووفيات، فصار الكتاب بذلك أنموذجًا يُحتذى في الكتابة التاريخية المؤرّخة سنةً بعد سنة.

وتتوالى الحوليّات عبر خلافة الراشدين، فالردّة والفتوح، ثم الفتنة الكبرى ومقتل عثمان وأيام صفّين والجمل، ثم دولة بني أمية، فقيام الدولة العباسية وأخبار خلفائها، حتى ينتهي بحوادث نحو سنة 302 هـ، أي قبيل وفاة مؤلفه بسنواتٍ قليلة. وقد أُلحقت به لاحقًا «صلةٌ» تكمل الأخبار بعده، فطُبع في كثيرٍ من النسخ باسم «تاريخ الطبري وصلة تاريخ الطبري».

منهجه في الرواية: الإسناد والعهدة على الناقل

نقل الطبري صنعة المحدّثين إلى التاريخ؛ فلم يكتب الخبر مرسلًا كما يكتب القُصّاص، بل ساقه بإسناده: فلانٌ عن فلانٍ عن فلان، حتى تنتهي السلسلة إلى شاهد الواقعة أو راويها الأول. وبهذا وضع بين يدي القارئ مادةً موثّقةً يمكن نقدها وتمحيصها، فإن ضعُف سندٌ عُرف من أين أُتي الخبر، وهذه ميزةٌ يشترك فيها تاريخه مع تفسيره: أمانة الإسناد قبل كل شيء.

وإذا اختلفت الروايات في الحادثة الواحدة لم يختر إحداها ويطوِ ما سواها، بل عرض الروايات المتعارضة جميعًا، كلٌّ بإسنادها، وترك للقارئ أن يوازن. وقد صرّح في مقدمته بمنهجه هذا صراحةً لا لبس فيها، فبيّن أنه ناقلٌ لما نُقل إليه، وأن عهدة ما يُستنكر من الأخبار على رواتها الذين حملوه لا عليه، وأنه إنما أدّى الأمانة كما تحمّلها.

وهذا المنهج سلاحٌ ذو حدّين: فهو من جهةٍ يحفظ للتاريخ مادّته الأصلية بأسانيدها كاملةً غير مبتورة، فيصير الكتاب معدنًا للباحث ينقّب فيه ويحكم على رواياته بميزان أهل الحديث؛ وهو من جهةٍ أخرى يُدخل في الكتاب أخبارًا ضعيفةً أو منكَرة تحتاج إلى غربلة. لكن الطبري لم يزعم لنفسه غير النقل، فبراءته أنه أسند، والحكم بعد ذلك موكولٌ إلى أهل النظر.

فما يكن في كتابي هذا من خبرٍ ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه… فليعلم أنه لم يُؤتَ في ذلك من قِبَلنا، وإنما أُتِيَ من قِبَل بعض ناقليه إلينا، وأنّا إنما أدّينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا.
الإمام الطبري في مقدمة «تاريخ الرسل والملوك»

ما حفظه الكتاب وأثره وطبعاته

قيمة تاريخ الطبري تتضاعف حين تتذكّر أن كثيرًا من مصادره الأولى قد ضاعت أصولها، فلم يبقَ منها إلا ما أثبته هو بأسانيده. فمن خلاله وصلنا كثيرٌ من روايات مغازي ابن إسحاق وأخبار الفتوح والردّة عند سيف بن عمر، وأخبار الفتنة ومقتل الحسين عند أبي مِخنَف، وروايات الواقدي والمدائني وهشام الكلبي. فصار الكتاب خزانةً تحفظ لنا أعمالًا كاملةً ذهبت أصولها ولم يبقَ منها إلا صداها في «تاريخ الرسل والملوك».

وقد نبّه أهل العلم على أن هذا الجمع الواسع أدخل في الكتاب أخبارًا لا تصح، لا سيّما ما تفرّد به سيف بن عمر وهو متكلَّمٌ فيه، فوقعت في روايات الفتوح والفتنة زياداتٌ ينبغي التوقّف عندها. غير أن ذلك لا يغضّ من قدر الكتاب، فإن الطبري ساقها بأسانيدها فأحال القارئ على النقد، وبقي تاريخه بعد أكثر من أحد عشر قرنًا العمدة الأولى التي لا يستغني عنها مؤرّخ.

وأثره لا يُحدّ؛ فقد جعله ابن الأثير أساسًا لتاريخه «الكامل» في القرون الأولى، ونقل عنه ابن كثيرٍ في «البداية والنهاية»، واعتمده ابن خلدون وغيرهم. وتُرجم إلى الفارسية مبكّرًا في تهذيبٍ صنعه البلعميّ وزيرُ السامانيين، ثم عُني به المحققون في العصر الحديث؛ فصدرت طبعة ليدن النقدية بتحقيق المستشرق دي غويه وجماعةٍ من العلماء في نحو خمسة عشر جزءًا، ثم الطبعة العربية المحققة بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم في دار المعارف في نحو أحد عشر مجلدًا، وهي من أشهر طبعاته وأجودها.

كيف تقرؤه على رحلة؟

تاريخ الطبري بحرٌ لا يُخاض دفعةً واحدة، وأنسب طرق قراءته أن تدخله من الباب الذي يعنيك: إن أحببت السيرة فابدأ من مولد النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه، وإن شغلتك الفتنة الكبرى فاقرأ حوادث خلافة عثمان وعليٍّ رضي الله عنهما، وإن أردت الفتوح فتتبّع سِنيّها. وكلما مرّت بك واقعةٌ تعدّدت رواياتها، فتذكّر أن الطبري ناقلٌ مسنِد، فاقرأ الروايات وقابل بينها.

وفي القارئ هنا تجد الكتاب كاملًا مرتّبًا على نسقه من بدء الخلق إلى آخر حوليّاته، ومعه صلته التي تكمل أخباره، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي حقبةٍ أو سنةٍ أو حادثةٍ بضغطة واحدة، فتقرأ ما تريد من غير أن تُقلّب المجلدات. ابدأ بحقبةٍ تشدّك، واقرأ «تاريخ الرسل والملوك» كاملًا مجانًا على رحلة.

أسئلة شائعة

ما اسم كتاب تاريخ الطبري الكامل ومن مؤلفه؟
اسمه الكامل «تاريخ الرسل والملوك»، ويُعرف أيضًا بـ«تاريخ الأمم والملوك»، ويشتهر اختصارًا بتاريخ الطبري. ومؤلفه الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (نحو 224–310 هـ)، إمام المفسّرين والمؤرّخين.
ما منهج الطبري في كتابة التاريخ؟
يعتمد على الإسناد كما يفعل المحدّثون؛ فيسوق كل خبرٍ بسلسلة رواته، ويرتّب الأحداث ترتيبًا زمنيًّا يتحول بعد الهجرة إلى حوليّاتٍ سنةً بعد سنة. وإذا اختلفت الروايات عرضها كلها من غير ترجيح، وجعل العهدة فيما يُستنكر على ناقليه لا عليه.
لماذا يُنتقد تاريخ الطبري في بعض رواياته؟
لأن منهج الجمع بالأسانيد أدخل فيه أخبارًا ضعيفة، خاصةً ما تفرّد به سيف بن عمر في الفتوح والفتنة وهو متكلَّمٌ في روايته. لكن الطبري أوردها بأسانيدها فأحال القارئ على النقد، فبراءته أنه أسند، والحكم متروكٌ لأهل النظر.
ما «صلة تاريخ الطبري» ولماذا تُطبع معه؟
ينتهي تاريخ الطبري بحوادث نحو سنة 302 هـ قبيل وفاته، فجاء من كمّل أخباره بعد ذلك في «صلةٍ» تُلحق به، ولذلك تطبعها كثيرٌ من النسخ ضمن الكتاب باسم «تاريخ الطبري وصلة تاريخ الطبري».
هل يمكن قراءة تاريخ الطبري كاملًا مجانًا؟
نعم، النص الكامل متاح للقراءة مجانًا على رحلة، مرتّبًا على نسقه من بدء الخلق إلى آخر الحوليّات ومعه صلته، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي حقبةٍ أو سنةٍ مباشرة.

النص الكامل بين يديك

تاريخ الطبري كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن