عن الكتاب
في أواخر القرن الثامن الهجري، اعتزل رجلٌ خبِر السياسةَ والوزارةَ والسِّجن، وطاف بين تونس وفاس وغرناطة وقلعةٍ نائية في بادية الجزائر، ليخلوَ بنفسه أربع سنين ينظر في أحوال الأمم والدول: لِمَ تقوم؟ ولِمَ تسقط؟ وكيف تنتقل من البداوة إلى الحضارة ثم إلى الفناء؟ لم يكتفِ بأن يروي أخبار الملوك كما يفعل المؤرّخون، بل أراد أن يكشف القانون الذي يحكم قيام العمران وزواله، فوضع للتاريخ مقدّمةً صارت علمًا قائمًا بذاته، ثم بنى عليها تاريخًا للعرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان. هذا هو «كتاب العِبَر» المعروف بـ«تاريخ ابن خلدون»، تصنيف وليّ الدين عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون.

هو الإمام العلّامة وليّ الدين عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون الحضرميّ الأصل، الإشبيليّ ثم التونسيّ المولد والدار، المالكيّ مذهبًا. يرجع نسب بيته إلى حضرموت باليمن، ثم استقرّ سلفُه بالأندلس زمنَ الفتح فكانوا من بيوت إشبيلية ذاتِ الجاه والعلم، فلمّا اشتدّ ضغط الاسترداد النصرانيّ على الأندلس رحلت الأسرة إلى إفريقية (تونس)، فوُلد صاحبنا بها سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، ونشأ في بيت علمٍ ورئاسة، فحفظ القرآن وتلقّى العربية والفقه والحديث والأصول والمنطق والفلسفة عن شيوخ عصره.
كانت حياته مزيجًا عجيبًا من العلم والسياسة والاضطراب؛ فقد تقلّب في بلاطات المغرب والأندلس، فتولّى الكتابة والوزارة والسفارة لدى الحفصيّين والمرينيّين وبني الأحمر بغرناطة، وخالط الملوك وقادةَ القبائل، وذاق السجن والعزل والنفي، وعرف صعودَ الدول وانهيارها عن قربٍ ومعاينة، لا عن سماعٍ ورواية. وهذه التجربة السياسية الطويلة هي التي أنضجت نظرَه في العمران، فجاء كلامه في الدول والعصبية كلامَ من عالجها ومارسها، لا كلامَ ناظرٍ من بعيد.
وفي أواخر عمره انتقل إلى مصر، فأقبل عليه أهلُها وتصدّر للتدريس بالأزهر وغيره، ووُلّي قضاءَ المالكية بالقاهرة مرارًا في دولة المماليك، فعُرف بالصرامة في القضاء. ومن أعجب ما وقع له أنه خرج مع السلطان في نجدة دمشق فالتقى بالقائد المغوليّ تيمورلنك خارجَ أسوارها سنة ثلاثٍ وثمانمائة، فجرت بينهما مجالسُ حكاها في سيرته. وبقي بمصر معظَّمًا مبجَّلًا حتى توفّي بالقاهرة سنة ثمانٍ وثمانمائة، رحمه الله.
وُلد هذا الكتاب في زمن فتنةٍ وتقلّب؛ فقد كان المغرب الإسلاميّ في أيام ابن خلدون مسرحًا لدولٍ متنازعة وقبائلَ متغلّبة، تقوم دولةٌ وتسقط أخرى، وينتقل الوزراء والكتّاب بين البلاطات كما تنتقل الرياح. وكان ابن خلدون في قلب هذا المعترك حينًا، ثم سئمه وضاق به، فآثر أن يعتزل السياسةَ وأهلَها، ولجأ إلى «قلعة ابن سلامة» في بادية الجزائر، ضيفًا على بعض القبائل، فخلا بنفسه هناك نحوَ أربع سنين متفرّغًا للتأليف.
في تلك العزلة الهادئة، بعيدًا عن ضجيج البلاطات، انثالت عليه المعاني وتفتّحت له أبوابُ الفكرة كما وصف هو ذلك، فأملى «المقدّمة» في مدّةٍ يسيرة على ما ذكر، ثم شرع في بناء التاريخ الكبير عليها. لم يكن قصده أن يجمع الأخبار جمعًا، بل أن يفهم سُنن العمران ويستخرج القانون الذي يحكم اجتماع البشر وقيام دولهم؛ فجاء عملُه ثمرةَ تأمّلٍ في تجربةٍ سياسية طويلة صُبّت في قالب النظر العلميّ.
ولمّا انتقل إلى مصر أعاد النظر في كتابه ونقّحه وزاد فيه، وألحق به سيرته الذاتية المعروفة بـ«التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا»، فصارت خاتمةَ الكتاب ووثيقةً نادرة يروي فيها صاحبها أخبار عصره ومن لقيهم من الملوك والعلماء. وبذلك اجتمع في السِّفر الواحد: علمٌ في طبائع العمران، وتاريخٌ للأمم، وسيرةٌ لمؤلّفٍ عاش الحدث وصنعه.
أعظم ما في الكتاب وأخلدُه أثرًا هي «المقدّمة»؛ إذ لم يكتفِ فيها ابن خلدون بأن يقدّم لتاريخه، بل أنشأ فيها علمًا جديدًا سمّاه «علم العمران البشري والاجتماع الإنساني»، يبحث في طبائع الاجتماع وما يعرض له من بداوةٍ وحضارة، وعصبيةٍ ومُلك، وكسبٍ ومعاش، وصنائعَ وعلوم. وقد تنبّه إلى أنّ للتاريخ باطنًا وراء ظاهره: فظاهرُه أخبارُ الأيام والدول، وباطنُه نظرٌ في أسباب الوقائع وعللها؛ ولذلك عدّه فرعًا أصيلًا من الحكمة، جديرًا بأن يُلحق بعلومها.
ومن أبرز ما أرسى في المقدّمة نظريةُ «العصبية»؛ وهي عنده القوّةُ التي تجمع الجماعة على غايةٍ واحدة فتبلغ بها المُلك، فإذا استقرّ المُلك وترفّهت الدولة وغرقت في الحضارة والترف وهنت العصبية وبدأ العدُّ التنازليّ نحو السقوط. وربط بذلك فكرةَ أنّ للدول أعمارًا طبيعية كأعمار الأشخاص، تمرّ بأطوارٍ من الظهور والاستقرار ثم الهرم والانحلال، وأنّ البداوة أصلٌ للحضارة وأنّ الترف والدَّعة سببٌ في فساد العمران. هذه المعاني جعلت المقدّمة تُقرأ حتى اليوم بوصفها أساسًا في فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع.
ولم يكن العمران عنده مجرّد تنظير؛ فقد بسط الكلام في العُمران البدويّ والحضريّ، والمُدن وشروط عمارتها، والدولة وجباياتها وجُندها، والأسواق والأسعار، والصنائع والعلوم وطرق التعليم، حتى صارت المقدّمة موسوعةً في اجتماع الإنسان واقتصاده وعمرانه. وبهذا الاتّساع والعمق استحقّ أن يُعدّ من أعظم ما أنتجه العقل الإنسانيّ في بابه.
اعلمْ أنّ فنَّ التاريخ... في ظاهره لا يزيد على أخبارٍ عن الأيام والدول، وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليلٌ للكائنات ومبادئها دقيق، فهو لذلك أصيلٌ في الحكمة عريق.
ما يميّز ابن خلدون مؤرّخًا أنه لم يقنع بنقل الأخبار على علّاتها كما جرت عادةُ كثيرٍ من المؤرّخين، بل وضع ميزانًا عقليًّا لتمحيصها؛ فردّ المرويّات إلى «طبيعة العمران»، فما وافق سُنن الاجتماع وأمكن وقوعُه قُبِل، وما خالف طبائعَ العمران وناقض المعقول رُدّ وإن تناقلته الألسن. وبذلك أضاف إلى نقد الإسناد المعهود عند المحدّثين نقدًا آخرَ يقوم على مطابقة الخبر لسُنن الواقع، فكشف زيفَ كثيرٍ من الأخبار المبالَغ فيها كأعداد الجيوش المهولة وما لا يقوم به عمرانٌ ولا اجتماع.
أمّا بنيةُ الكتاب فقد جعله مقدّمةً وثلاثةَ كُتب: الكتابُ الأول في العمران وطبائعه وما يعرض له، وهو لبُّ المقدّمة ومادّتها؛ والكتابُ الثاني في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبتدأ الخليقة، ومَن عاصرهم من الأمم المشهورة كالنبَط والسريان والفرس وبني إسرائيل والقبط والروم والترك والإفرنج؛ والكتابُ الثالث في أخبار البربر وزناتة ودولهم بأرض المغرب. وهذا الكتاب الثالث خاصّةً من أنفس ما كُتب في تاريخ المغرب، لأنّ صاحبه عاين تلك الدولَ وخالط أهلَها، فصار مرجعًا لا يُستغنى عنه في تاريخ المغرب والأندلس.
وقد صرّح ابن خلدون بأنّ غايته ليست مجرّدَ التأريخ للملوك، بل بيانُ العلل والأسباب؛ فلا يكاد يمرّ بحادثةٍ كبيرة إلا ردّها إلى أصلها في العمران والعصبية، حتى صار تاريخُه تطبيقًا عمليًّا لِما قرّره في مقدّمته من قوانين. ومع أنّ العلماء استدركوا عليه في بعض جزئيات الأخبار والأنساب، فإنّ منهجه في التعليل والتمحيص يبقى فتحًا لم يُسبَق إلى مثله في زمانه.
قلّ كتابٌ في التراث الإسلاميّ نال من الشهرة والدرس ما ناله «تاريخ ابن خلدون»، وخاصّةً مقدّمته؛ فقد عكف عليها الباحثون شرقًا وغربًا، وطُبعت مرارًا مستقلّةً عن التاريخ لعظيم نفعها، وتُرجمت إلى الفرنسية والإنجليزية وغيرهما من اللغات، فصار ابن خلدون معروفًا عند أهل العلم في العالم كلّه بوصفه رائدًا لفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع. وحين نهضت الدراسات الاجتماعية الحديثة رأى فيها كثيرٌ من الباحثين أصلًا سابقًا لعلم الاجتماع بقرونٍ عديدة.
وطُبع الكتاب كاملًا طبعاتٍ متعدّدة، من أشهرها طبعةُ بولاق بمصر في نحو سبعة مجلدات، ثم توالت الطبعات المحقَّقة التي عُنيت بضبط نصّه وتقويمه. أمّا المقدّمة فقد أُفردت بطبعاتٍ وتحقيقاتٍ لا تُحصى، وصارت مادّةً تُدرَّس في الجامعات وتُكتب حولها الرسائل والدراسات في التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة.
وبهذا الأثر المتّصل تجاوز ابن خلدون كونَه مؤرّخًا من مؤرّخي المسلمين إلى أن صار عَلَمًا من أعلام الفكر الإنسانيّ، يُقرن اسمُه بأصحاب النظريات الكبرى في اجتماع البشر وعمرانهم. ويبقى كتابُه شاهدًا على أنّ عقلًا واحدًا، في عزلةِ قلعةٍ نائية، قادرٌ أن يفتح بابًا من العلم تدخل منه الأمم بعده بقرون.
أفضلُ ما تبدأ به قراءةَ هذا السِّفر هو «المقدّمة»؛ فهي بابُك إلى فهم مشروع ابن خلدون كلّه، تقرأ فيها نظريته في العمران والعصبية وأطوار الدول، ثم تنتقل بعدها إلى كتب التاريخ فتراه يطبّق تلك القوانين على أخبار العرب والعجم والبربر. وإن أردت التاريخ المحض فابدأ من الكتاب الثاني في أخبار الأمم، أو من الكتاب الثالث في تاريخ المغرب والأندلس الذي يُعدّ من أنفس ما فيه.
ولا تفُتك خاتمةُ الكتاب، وهي سيرته «التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا»، فإنها تكشف لك الرجلَ من وراء الكتاب، وتنقلك إلى مجالس الملوك ولقائه بتيمورلنك خارج دمشق. والنصّ الكامل متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من مقدّمته الخالدة، أو انتقل إلى الموضع الذي يعنيك، واقرأ في كتابٍ صار عَلَمًا على فلسفة التاريخ وعلم العمران.
النص الكامل بين يديك
تاريخ ابن خلدون كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن