عن الكتاب
في زمنٍ بلغ فيه علمُ الحديث ذروتَه على أيدي حُفّاظ مصر، جلس أعظمُهم ليختصر للأمة أدلّتها من السنّة في كتابٍ صغير الحجم عظيم النفع. جمع فيه الأحاديث التي يُبنى عليها فقهُ العبادات والمعاملات، ورتّبها على أبواب الفقه كما يألفها طالب العلم، ثم أتبع كل حديثٍ بمن أخرجه من الأئمة وبيان درجته صحةً وضعفًا. فصار متنًا لا يستغني عنه فقيهٌ ولا محدّث، يحفظه المبتدئ ولا يفارقه المنتهي. هذا هو «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» للحافظ ابن حجر العسقلاني.

هو أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، وُلد بمصر سنة 773 هـ ونشأ يتيمًا، فحفظ القرآن صغيرًا، ثم أقبل على العلم إقبال العطشان على المورد. رحل في طلب الحديث ولقاء الشيوخ، وأخذ عن كبار حُفّاظ عصره، حتى انتهت إليه رئاسة هذا الفن في زمانه، فلُقّب بحافظ العصر وأمير المؤمنين في الحديث. كان شافعي المذهب، وولي قضاء القضاة بالديار المصرية مرارًا.
خلّف ابن حجر مصنّفاتٍ صارت عمدةً لأهل العلم من بعده، وعلى رأسها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، الذي يُعدّ أعظم شروح البخاري على الإطلاق. ومنها «الإصابة في تمييز الصحابة»، و«تهذيب التهذيب» و«تقريب التهذيب» في رجال الحديث، و«لسان الميزان»، و«الدراية»، و«نخبة الفكر» وشرحها «نزهة النظر» في مصطلح الحديث. فصار قولُه في تصحيح الحديث وتضعيفه وأحوال الرواة حجةً يُرجع إليها.
ظلّ ابن حجر قرابة أربعين سنة مرجعًا للفتوى والتدريس والقضاء، تُشدّ إليه الرحال ويقصده الطلاب من الأقطار. تُوفّي بالقاهرة سنة 852 هـ، فشيّعه خلقٌ عظيم، وحزن الناس لفقده حزنًا شديدًا، وعُدّ بحقٍّ خاتمة الحفّاظ الكبار في تاريخ هذا العلم.
صنّف ابن حجر كتابه في القرن التاسع الهجري، وقد نضج علم الحديث واتّسعت مصنّفاته، وكثرت المطوّلات في أحاديث الأحكام؛ كـ«المنتقى» لابن تيمية الجدّ، و«الإلمام» لابن دقيق العيد، و«عمدة الأحكام» للمقدسي. رأى الحافظ أن الطالب يحتاج إلى متنٍ صغير الحجم، محرَّر التحرير، يجمع أصول الأدلة النبوية للأحكام في موضعٍ واحد، فيحفظه ويبني عليه، دون أن يضيع بين المطوّلات.
وقد أفصح في مقدمته عن هذا المقصد أجمل إفصاح، فبيّن أنه قصد إلى خلاصةٍ يعتمد عليها المبتدئ ولا يستغني عنها المنتهي، حرّرها تحريرًا يجعل حافظها نابغًا بين أقرانه. فجاء «بلوغ المرام» ثمرةَ هذا القصد: جامعًا لأحاديث الأحكام على وجازته، محكمًا في اختيار ما يُبنى عليه الفقه من السنّة.
فهذا مختصرٌ يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، حرَّرتُه تحريرًا بالغًا؛ ليصير مَن يحفظه بين أقرانه نابغًا، ويستعين به الطالبُ المبتدئ، ولا يستغني عنه الراغبُ المنتهي.
بنى ابن حجر كتابه على أحاديث الأحكام خاصة، وهي الأحاديث التي تُستنبط منها الأحكام الفقهية عمليًّا. ورتّبها على أبواب الفقه المعروفة كما يجدها القارئ في كتب الفقهاء: يبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة، فالجنائز، فالزكاة، فالصيام، فالحج، ثم البيوع والمعاملات، فالنكاح، فالجنايات والحدود، فالجهاد والأطعمة والأيمان والنذور والقضاء والعتق. فتيسّر بذلك على الطالب أن يجد دليل كل مسألةٍ في بابها.
أمّا الميزة التي أفردت الكتاب عن غيره فهي عنايته بالتخريج والحكم؛ إذ يذكر عقب كل حديثٍ مَن أخرجه من أئمة الحديث، ثم يبيّن درجته صحةً وحسنًا وضعفًا، وينقل تصحيح الأئمة كالترمذي وابن حبان والحاكم. فصار القارئ على بصيرةٍ من أمر الحديث الذي بين يديه، يعرف قوّته من ضعفه قبل أن يبني عليه حكمًا.
ولأنه قصد الاختصار، فقد حذف الأسانيد فاقتصر على ذكر الصحابي الراوي ومن خرّج الحديث، وأورد لفظًا واحدًا محرَّرًا لكل حديث. فاجتمع للكتاب صغرُ الحجم مع غزارة الفائدة، حتى صار يسيرًا على الحفظ، عزيزًا في النفع، يحمله الطالب معه أنّى ذهب.
وبيّنتُ عقب كل حديثٍ مَن أخرجه من الأئمة؛ اعتناءً بتعريفه، ليكون الواقفُ عليه على بصيرةٍ من أمره.
وضع ابن حجر في مقدمته اصطلاحاتٍ لطيفة يختصر بها عزو الأحاديث إلى مخرّجيها، فبيّن أنه إذا قال «رواه السبعة» أراد أحمد والبخاري ومسلم وأبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وإذا قال «الستة» فمن عدا أحمد، و«الخمسة» من عدا الشيخين، و«الأربعة» أصحاب السنن، و«الثلاثة» من عداهم ومن عدا ابن ماجه، و«المتفق عليه» البخاري ومسلم. فبهذه الرموز يوجز العزو دون إخلالٍ ولا إطالة.
ومن لطائف تصنيفه أنه ختم الكتاب بـ«كتاب الجامع»، وهو بابٌ لا يخصّ مسألة فقهية بعينها، بل يجمع أحاديث الآداب والبرّ والصلة، والزهد والورع، والذكر والدعاء، والترغيب والترهيب، ويُتوّجها بأبوابٍ في مكارم الأخلاق. فجاء «بلوغ المرام» جامعًا بين فقه الأحكام وتهذيب النفوس، يبني القارئ على أدلته عملَه، ويصلح به قلبه وخُلُقه.
تبوّأ «بلوغ المرام» مكانة الصدارة بين متون أحاديث الأحكام، فصار من أكثرها تداولًا وتدريسًا وحفظًا في المعاهد والحلقات الشرعية، إلى جانب «عمدة الأحكام» للمقدسي. وسرّ ذلك أنه جمع بين ثلاث خصال قلّ أن تجتمع: استيعابُ أحاديث الأحكام على وجازة، والحكمُ على كل حديثٍ بما يليق به، والترتيبُ على أبواب الفقه الذي يألفه الطالب. فصار مدخلًا لا يكاد يستغني عنه مبتدئٌ في الفقه والحديث.
وقد اعتنى العلماء بشرحه عناية بالغة، فأشهر شروحه «سبل السلام» للإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني، وهو تهذيبٌ لشرحٍ أوسع منه هو «البدر التمام» للمغربي، وصار كتابًا مستقلًّا في الشهرة والنفع. ومن الشروح الحديثة المتداولة «توضيح الأحكام من بلوغ المرام» للشيخ عبد الله البسّام، و«منحة العلّام» للشيخ عبد الله الفوزان، و«فتح العلّام». وقد طُبع الكتاب مرارًا مفردًا ومقرونًا بشروحه.
ولا يزال «بلوغ المرام» إلى اليوم من أوائل ما يُوصى به طالبُ العلم في دراسة فقه الدليل، يحفظه في صدره فتكون معه أدلّةُ أبواب الفقه حاضرةً، ويرجع إليه المفتي والخطيب والباحث كلما أراد أن يستحضر دليل مسألةٍ ودرجته في سطرٍ أو سطرين. وبهذا خلّد الكتابُ اسمَ صاحبه في التعليم كما خلّده «فتح الباري» في التصنيف.
لست في حاجة إلى شيءٍ سوى أن تفتح الكتاب وتبدأ من أوله. الأحاديث مرتّبةٌ على أبواب الفقه، فاختر البابَ الذي تريد؛ الطهارة أو الصلاة أو الزكاة أو البيوع، لتقرأ أدلّته النبوية مجموعةً في مكانٍ واحد، وقد أُتبع كل حديثٍ بمن أخرجه وبيان درجته.
اجعله رفيقك في تعلّم فقه الدليل: اقرأ الحديث، ثم انظر في تخريجه وحكم الحافظ عليه، ثم تأمّل ما يُستنبط منه من أحكام. النص كامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أي كتابٍ من كتبه، وسِرْ في أبوابه على مهلٍ حتى تجتمع لك أدلّة السنّة في العبادات والمعاملات والآداب.
النص الكامل بين يديك
بلوغ المرام كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
315 فصلاً