عن الكتاب

بدائع الصنائع

في مشرق العالم الإسلامي، بأرض ما وراء النهر التي كانت مَعقِل الفقه الحنفي، نشأ فتىً أذهل شيوخه بذكائه حتى لُقّب فيما بعد بـ«ملك العلماء». قرأ على أستاذه علاء الدين السمرقندي كتابَه «تحفة الفقهاء»، ثم عكف عليه يشرحه ويرتّبه ويُودِعه من التعليل والتحقيق ما جعله سِفرًا مستقلًّا قائمًا بذاته، فلمّا فرغ منه وعرضه على شيخه سُرّ به سرورًا عظيمًا فزوّجه ابنته الفقيهة فاطمة. ثم رحل من بلاده غربًا حتى استقرّ بحلب مدرّسًا مُفتِيًا، وترك للأمة كتابًا يُعدّ من أجمع ما صُنّف في الفقه الحنفي وأدقّه في بيان علل الأحكام وحُسن ترتيبها. هذا هو كتاب «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» للإمام الكاساني.

غلاف بدائع الصنائع
المؤلف
الإمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي، الملقّب بـ«ملك العلماء»
وفاة المؤلف
587 هـ بمدينة حلب
العلم والمذهب
من أمّهات كتب الفروع في الفقه الحنفي
أصل الكتاب
ترتيبٌ وشرحٌ موسَّع لكتاب «تحفة الفقهاء» لشيخه السمرقندي
المكانة
من أجمع كتب المذهب وأعمقها في تعليل الأحكام وحُسن التقسيم والترتيب
طبعاته
طُبع أوّل ما طُبع بالقاهرة في نحو سبعة مجلدات، ثم تتابعت طبعاته وتحقيقاته

من هو الإمام الكاساني «ملك العلماء»؟

هو الإمام العلّامة علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي، نسبةً إلى «كاسان» من بلاد فرغانة بما وراء النهر، تلك الديار التي كانت في القرن السادس الهجري قلبَ الفقه الحنفي النابض ومنبتَ أكابر أئمته. نشأ الكاساني في هذه البيئة العلمية الزاخرة، فأقبل على الفقه وأصوله يحفظ ويناظر ويحقّق، حتى برز نبوغه مبكّرًا وشُهد له بالتقدّم على أقرانه.

تفقّه الكاساني على شيخه الإمام علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي صاحب «تحفة الفقهاء»، فلازمه وأخذ عنه دقائق المذهب وأصول النظر، حتى صار من أنبل تلاميذه وأثبتهم قدمًا في الفروع والأصول. وقد بلغ من رسوخه في العلم وسعة اطّلاعه أن لُقّب بـ«ملك العلماء»، وهو لقبٌ لم يُطلق جزافًا، بل شهادةً على إمامته وتمكّنه في صناعة الفقه.

ثم شدّ الرحال من بلاده غربًا، فبلغ بلاد الروم ثم استقرّ آخر أمره بمدينة حلب في الشام، فتصدّر بها للتدريس والإفتاء وتولّى التدريس بالمدرسة الحلاوية، وأخذ عنه أهلها وقصده الطلاب. وبها توفّي رحمه الله سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة، فدُفن إلى جوار زوجه الفقيهة فاطمة، وبقي ذكره حيًّا بكتابه الذي طبقت شهرته الآفاق.

قصة التأليف وحكاية «التحفة»

كانت بلاد ما وراء النهر، سمرقند وبخارى وما حولهما، في زمن الكاساني حاضرةَ الفقه الحنفي ومدرستَه الكبرى، تخرّج فيها العلماء وصُنّفت فيها المتون وتحرّرت فيها المسائل. وفي هذه المدرسة صنّف شيخه علاء الدين السمرقندي كتابه «تحفة الفقهاء»، فرتّب فيه مسائل المذهب ترتيبًا بديعًا على الأبواب، فجاء متنًا محرَّرًا جامعًا لأصول الفروع.

فعكف الكاساني على «تحفة» شيخه يشرحها ويبسط مسائلها ويُقيم عليها الأدلة ويستخرج عللها، حتى استحال شرحُه كتابًا مستقلًّا قائمًا بذاته هو «بدائع الصنائع». ولمّا عرض عمله على أستاذه أُعجب به الشيخ إعجابًا شديدًا، فأنكحه ابنته الفقيهة فاطمة التي كانت قد حفظت «التحفة» ونالت من الفقه حظًّا وافرًا حتى صارت تُستفتى وتُوقّع على الفتاوى بخطّها إلى جانب أبيها وزوجها. وقد سارت بهذه الحادثة الرُّكبان حتى غدت من أطرف ما يُروى في سِيَر الفقهاء.

ثم كان انتقاله إلى الشام واستقراره بحلب في عصرٍ ازدهرت فيه المدارس ونهض فيه أهل السنّة، فوجد الكاساني هناك بيئةً تحتفي بالعلم وتُجلّ العلماء، فاتّخذ حلب دارًا ومنبرًا ينشر فيه فقه المذهب حتى آخر حياته، وصار كتابه «بدائع الصنائع» ثمرةً جمعت بين علم المشرق ومنبر المغرب الشامي.

شرح «تحفته» فأنكحه ابنته.
مِن أشهر ما قيل في قصة تأليف الكتاب

سرّ التسمية ومنهج الترتيب

في عنوان الكتاب «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» يكمن سرُّ منهجه؛ فالمؤلف ينظر إلى الفقه نظرَ الصانع الماهر إلى صنعته، يرى في كل حكمٍ حكمةً وفي كل مسألةٍ نظامًا، ويعتني بـ«ترتيب» الأحكام الشرعية ترتيبًا مُحكمًا يجعل المسائل يشدّ بعضها بعضًا. فليس الكتاب مجرّد سردٍ للفروع، بل بناءٌ متماسك تظهر فيه الصنعة الفقهية في أبهى صورها.

أمّا طريقته في العرض فتقوم على التقسيم والتحرير؛ إذ يفتتح كل كتابٍ من كتب الفقه ببيان معناه ومشروعيّته وسببه وشرطه، ثم يقسّمه إلى أركانه وشروطه وأنواعه وأحكامه، فينتقل القارئ في سلّمٍ منطقيٍّ متدرّج من الكلّيات إلى الجزئيات. وبهذا التقسيم الدقيق يجمع الكاساني النظائر ويميّز المسائل بعضها من بعض، فلا تختلط ولا تتداخل.

وقد استوعب الكتاب بهذا الترتيب أبواب الفقه كلها؛ فبدأ بالعبادات من الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم أتبعها بالمعاملات من البيوع والإجارات وسائر العقود، ثم المناكحات والجنايات والحدود وما يتّصل بها، حتى جاء الكتاب موسوعةً فقهيةً شاملة تمشي على نسقٍ واحدٍ من أوله إلى آخره.

ما يميّزه: الفقه بعِلَله وأدلّته

أبرز ما يمتاز به «بدائع الصنائع» أنه لا يكتفي بذكر الحكم مجرّدًا، بل يُعنى بتعليله وبيان وجهه؛ فتراه يسوق المسألة ثم يذكر العلّة التي بُني عليها الحكم، والحكمة التي من أجلها شُرِع. وبهذا يرتفع الكتاب من مرتبة حفظ المسائل إلى مرتبة فهمها وإدراك مآخذها، فيتعلّم القارئ كيف يفكّر الفقيه لا ما انتهى إليه فحسب.

وإذا عرض الخلاف حرّره أحسنَ تحرير؛ فيذكر قول أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد إذا اختلفوا، ويوازن بينها بالحجّة والدليل، ثم يعرّج على مذاهب الأئمة الآخرين كالشافعي عند الحاجة، فيُقيم الأدلة ويناقشها ويرجّح مذهب الحنفية بالبرهان لا بمجرّد الانتصار. وهذا الجمع بين رواية المذهب ودرايته هو ما رفع الكتاب في أعين أهل العلم.

ولهذا عُدّ «بدائع الصنائع» من أنفع كتب الفقه لطالب العلم؛ لأنه يربّي في قارئه الملَكة الفقهية ويعوّده على النظر في العلل والأدلة، فهو كتابٌ يجمع بين سعة الاستيعاب ودقّة التحليل، وبين تحرير المذهب والبرهنة عليه، في أسلوبٍ علميٍّ رصينٍ يشهد لصاحبه بلقب «ملك العلماء».

مكانته في المذهب وطبعاته

تبوّأ «بدائع الصنائع» مكانةً رفيعة بين مصنّفات الحنفية حتى عُدّ من أمّهات كتب المذهب ومطوّلاته المعتمدة، يرجع إليه العلماء والمفتون والباحثون في تحرير المسائل ومعرفة عللها وأدلّتها. ولا تكاد تجد بحثًا مطوّلًا في الفروع الحنفية إلا وله بـ«البدائع» صلة، لِما اشتمل عليه من سعة النقل وعمق التعليل.

وقد عرف العالَم الكتابَ في العصر الحديث حين طُبع؛ فكان أوّل طبعاته المشهورة بالقاهرة في نحو سبعة مجلدات، ثم تتابعت بعدها الطبعات والتحقيقات في مصر وغيرها حتى انتشر بين طلبة العلم انتشارًا واسعًا، وصار من الكتب التي لا تخلو منها خزانةٌ فقهية.

ومع مرور القرون على تأليفه ظلّ الكتاب محتفظًا بقيمته العلمية؛ فهو من جهةٍ مرجعٌ في فقه الحنفية، ومن جهةٍ أخرى مدرسةٌ في طريقة عرض الفقه وتعليله وترتيبه، يستفيد منه المتخصّص في المذهب كما يستفيد منه الباحث في مناهج التصنيف الفقهي عند المتقدّمين.

كيف تقرؤه على رحلة؟

يمكنك أن تقرأ «بدائع الصنائع» هنا على ترتيب مؤلّفه، فتبدأ من كتاب الطهارة والصلاة وتتدرّج في أبواب العبادات، ثم تنتقل إلى المعاملات والمناكحات وسائر الأبواب. وننصحك أن تقف عند مطلع كل كتابٍ حيث يُقسّمه الكاساني إلى أركانه وشروطه وأنواعه، فبهذا التقسيم تُمسك بخيط المسائل قبل الدخول في تفاصيلها.

واقرأه قراءة المتأمّل لا قراءة المستعجل؛ فلا تكتفِ بالحكم حتى تتأمّل العلّة التي علّله بها، وتتبّع كيف يحرّر الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه ويرجّح بالدليل، فذاك هو موضع الفائدة الكبرى في الكتاب. والنصّ كامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أوّله أو انتقل إلى الباب الذي يعنيك، واقرأ في سِفرٍ من أجمل ما صنّفه الحنفية في الفقه وأعمقه في التعليل.

أسئلة شائعة

من مؤلف كتاب بدائع الصنائع؟
مؤلفه الإمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي، الملقّب بـ«ملك العلماء»، المتوفى سنة 587 هـ بمدينة حلب. وهو من كبار فقهاء الحنفية في القرن السادس الهجري، أصله من كاسان بما وراء النهر، ثم استقرّ بحلب مدرّسًا ومفتيًا.
ما قصة تأليف الكتاب وعلاقته بكتاب «تحفة الفقهاء»؟
أصل «بدائع الصنائع» أنه ترتيبٌ وشرحٌ موسَّع لكتاب «تحفة الفقهاء» لشيخه علاء الدين السمرقندي. فقد عكف الكاساني على «التحفة» يشرحها ويُقيم عليها الأدلة حتى صارت كتابًا مستقلًّا، فلمّا عرضه على شيخه سُرّ به فزوّجه ابنته الفقيهة فاطمة، واشتهرت في ذلك عبارة: «شرح تحفته فأنكحه ابنته».
ما مذهب الكتاب وما مكانته؟
هو من أمّهات كتب الفروع في الفقه الحنفي ومن مطوّلاته المعتمدة، يرجع إليه العلماء والمفتون في تحرير المسائل ومعرفة عللها وأدلّتها. ويُعدّ من أجمع كتب المذهب وأعمقها في التعليل، حتى صار مرجعًا لا تخلو منه خزانةٌ فقهية.
ما الذي يميّز منهج بدائع الصنائع؟
يمتاز الكتاب بأنه لا يكتفي بذكر الأحكام، بل يُعنى بتعليلها وبيان حكمتها وأدلّتها، مع حُسن التقسيم والترتيب؛ إذ يفتتح كل كتابٍ ببيان معناه ثم يقسّمه إلى أركانه وشروطه وأنواعه. كما يحرّر الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه ويرجّح بالدليل، فيربّي في قارئه الملَكة الفقهية لا حفظ المسائل فحسب.
هل يمكن قراءة بدائع الصنائع كاملًا مجانًا؟
نعم، النصّ الكامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فتتنقّل في أبوابه بدءًا من العبادات ثم المعاملات والمناكحات وسائر الأبواب، وتقرؤه كتابًا كتابًا على ترتيب مؤلّفه أو تنتقل إلى الموضع الذي يعنيك.

النص الكامل بين يديك

بدائع الصنائع كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن