عن الكتاب
تخيّل عالمًا جمع في صدره علوم التفسير والقراءات والبلاغة والكلام والأصول والمنطق، ثم عزم أن يضع ذلك كلّه في كتابٍ واحدٍ يُقرأ في مجلّدين لا في مجلّدات، فينتقي من بلاغة «الكشّاف» زهرَها، ومن عقليات الرازي لبَّها، ثم يصفّي ما فيهما ويحرّره على مذهب أهل السنّة. لقد بلغ من إيجازه أن صارت العبارة الواحدة عنده تحتاج إلى صفحاتٍ من الشرح، فانبرى العلماء يكتبون على حواشيه قرونًا متطاولة حتى صار من أكثر كتب التفسير حواشيَ وتعليقًا. ذلك هو التفسير الذي لازم كراسيَّ الدرس في المشرق والمغرب والدولة العثمانية دهرًا طويلًا: «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» للقاضي ناصر الدين البيضاوي.

هو القاضي ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي الشيرازي، نسبةً إلى «البيضاء»، بلدةٍ من أعمال فارس قريبةٍ من شيراز. نشأ في بيت علمٍ وقضاء، فقد كان أبوه قاضيَ أقاليم فارس، فتلقّى العلم صغيرًا ثم رحل وطلب حتى برع في جملةٍ من الفنون قلّ أن تجتمع لعالمٍ واحد: التفسير والقراءات، والفقه وأصوله، والكلام والمنطق، والعربية والبلاغة. وتولّى قضاء شيراز ورئاسة القضاء بفارس، فجمع بين منصب القضاء ومقام التدريس والتصنيف، حتى عُدّ من كبار أئمة الشافعية والأشاعرة في القرن السابع.
ولم يكن البيضاويُّ صاحبَ كتابٍ واحد، بل خلّف مصنّفاتٍ صارت أصولًا يُدرَّس عليها ويُحشّى عليها في غير فنّ: فله في أصول الفقه «منهاج الوصول إلى علم الأصول» وهو من أشهر متون الأصول وأكثرها شروحًا، وله في علم الكلام «طوالع الأنوار» الذي شُرح وحُشّي مرارًا، وله في الفقه الشافعي «الغاية القصوى في دراية الفتوى». وهذه السعة العلمية هي التي تفسّر لك طبيعة تفسيره؛ فالرجل يكتب في التفسير وهو أصوليٌّ متكلّمٌ نحويٌّ منطقيّ، فجاءت عبارته محكمةً مركّزةً كأنها معادلات.
أدركته المنيّة على المشهور بمدينة تبريز نحو سنة خمسٍ وثمانين وستمائة للهجرة، وإن اختلفت الروايات في سنة وفاته فقيل إحدى وتسعين وستمائة وقيل غير ذلك. عاش في زمنٍ مضطربٍ بعد الاجتياح المغولي واستقرار دولة الإيلخانيين في بلاد فارس، فكان ممن حمل راية العلم والقضاء في تلك الحقبة، وترك أثرًا امتدّ من مجالس تبريز إلى مدارس الأناضول والهند وما وراء النهر ومصر والشام.
صنّف البيضاويُّ تفسيره في زمنٍ كانت فيه علوم التفسير قد نضجت وتراكمت؛ فبين يديه ديوانُ الطبري في التفسير بالمأثور، و«الكشّاف» للزمخشري في وجوه البلاغة والإعجاز، و«مفاتيح الغيب» للرازي في العقليات والمناسبات، وغيرها من الأسفار الضخام. وكان الطالب في ذلك العصر يعجز عن الإحاطة بهذه المطوّلات، فاحتاج الناس إلى كتابٍ يجمع صفوة ما فيها في حجمٍ يُحفظ ويُدرَّس، فجاء «أنوار التنزيل» جوابًا عن تلك الحاجة.
أفصح البيضاويُّ في مقدّمة كتابه عن مقصده، فذكر أنه طالما حدّث نفسه بأن يضع في التفسير كتابًا يحوي صفوة ما بلغه عن السلف من الصحابة والتابعين، ويشتمل على نُكتٍ بارعةٍ ولطائف رائعة، من غير إطنابٍ يُملّ ولا اختصارٍ يُخلّ. ولم يكن هذا العزم يسيرًا؛ فالجمع بين الإحاطة والإيجاز أصعب ما يواجه المؤلّف، لكنّ البيضاويَّ ملك ناصيةَ العبارة حتى صار يودع في السطر الواحد ما يبسطه غيره في صفحة.
سار البيضاويُّ في تفسيره على ترتيب المصحف من الفاتحة إلى الناس، يفتتح كلّ سورةٍ ببيان مكيّها ومدنيّها وعدد آياتها، ثم يأخذ في الآيات آيةً آيةً. وعنايته منصبّةٌ على المعنى والصناعة أكثر من الرواية؛ فتراه يعرض وجوه الإعراب، ويذكر القراءات المشهورة وربما الشاذّة، ويكشف عن أسرار البلاغة ونكت النظم، ويربط بين الآيات بالمناسبات، ويعرّج على المسائل الكلامية والأصولية والفقهية بإشاراتٍ لطيفة، وقد يختم بعض المواضع بإشارةٍ في التأويل على طريقة أهل التحقيق.
أظهر ما يميّز الكتاب إيجازُه الشديد؛ فقد بلغ من تكثيف العبارة أن صارت الكلمةُ عنده مفتاحًا لبحثٍ كامل، حتى قال أهل العلم إن قارئه يحتاج إلى من يفكّ له رموزه. ولهذا لم يُكتَب لكتابٍ من كتب التفسير ما كُتب له من الحواشي والتعليقات التي تبسط مجمله وتحلّ معقده. وهذه سمةٌ ذات وجهين: هي مكمن جماله ومصدر صعوبته في آنٍ واحد، فليس هو كتاب المبتدئ الذي يقرأ فيسترسل، بل كتاب المتمكّن الذي يقف عند كلّ لفظةٍ يستخرج ما وراءها.
ومع جلالة الكتاب، لم يسلم من مؤاخذات أهل النقد؛ فقد أُخذ عليه أنه تبع الكشّافَ في مواضع بقيت فيها آثارٌ من الاعتزال لم يستوفِ تصفيتها، وأنه أورد شيئًا من الإسرائيليات والأخبار الضعيفة في مواطن القصص كعادة كثيرٍ من المفسّرين، وأنه في اقتضابه قد يُغمض المعنى على غير المتمكّن. وهذا لا يغضّ من قدره، بل هو شأن الكتب الكبار التي يُقبل عليها العلماء نقدًا وتحريرًا لأنها تستحقّ العناية.
لا يُفهم «أنوار التنزيل» على وجهه إلا بمعرفة صلته بأصلين عظيمين: «الكشّاف» للزمخشري و«التفسير الكبير» للرازي. فقد اتّكأ البيضاويُّ على «الكشّاف» في استخراج وجوه البلاغة وأسرار الإعجاز ونكت النظم، إذ كان الزمخشريُّ إمامًا في هذا الباب لا يُجارى، ونقل من عقليات الرازي ومباحثه الكلامية والحكمية وربطه بين الآيات ما يخدم غرضه. فكأنّ البيضاويَّ صائغٌ أخذ من هذين المعدنين نفيسَهما وسبكهما في قالبٍ موجزٍ محكم.
لكنّ البيضاويَّ لم يكن ناقلًا مجرّدًا؛ فمن أعظم ما صنعه أنه صفّى «الكشّاف» ممّا شابه من مذهب الاعتزال الذي بثّه الزمخشريُّ في تفسيره، فحذف ما يخالف عقيدة أهل السنّة وحرّره على مذهب الأشاعرة. ولذلك أقبل عليه أهل السنّة إقبالًا عظيمًا، لأنهم وجدوا فيه جمال «الكشّاف» البلاغيّ خاليًا من كثيرٍ ممّا يحذرونه من اعتزالياته، مع إضافةٍ من تحقيقات الرازي وغيره.
ما اجتمعت همّةُ العلماء على مختصرٍ في التفسير اجتماعَها على «أنوار التنزيل»، حتى كثُرت عليه الحواشي والتعليقات ما لم يكثُر على سواه.
تبوّأ «أنوار التنزيل» مكانةً نادرةً في تاريخ التفسير؛ فقد صار متنًا مقرّرًا في المدارس والمعاهد قرونًا متطاولة، وبخاصةٍ في بلاد فارس والأناضول والهند والدولة العثمانية، حتى عُدّ من أعظم مختصرات التفاسير قدرًا وأوسعها انتشارًا. وما اشتُهر كتابٌ بين طلبة العلم كاشتهاره، ولا التفّ حول تفسيرٍ من الحواشي ما التفّ حوله، حتى قيل إن ما كُتب عليه من الحواشي والتعليقات يبلغ العشرات.
ومن أشهر ما خُدم به: «عناية القاضي وكفاية الراضي» للشهاب الخفاجي، وهي من أجلّ الحواشي وأوسعها، وحاشية «شيخ زاده» محيي الدين القوجوي التي عمّ نفعُها في المدارس، وحاشية عصام الدين القونوي، وحاشية الكازروني، وغيرها كثير. وهذه الحواشي في مجموعها تُعدّ موسوعةً في علوم القرآن والعربية، لأنّ أصحابها تناولوا إشارات البيضاوي الموجزة بالبسط والتحرير والاستدراك.
وقد طُبع التفسير مرارًا في المشرق والغرب منذ وقتٍ مبكّر، ويُطبع مفردًا في مجلّدين، ومع بعض حواشيه في عدّة مجلّدات. ولا يزال إلى اليوم مرجعًا لطلبة التفسير الراغبين في تفسيرٍ يجمع الدرايةَ والبلاغة في عبارةٍ مصقولة، شاهدًا على أنّ الإيجاز المحكم قد يخلّد الكتاب حيث لا يخلّده الإطناب.
خيرُ ما يُقرأ به «أنوار التنزيل» أن تصحبه على تؤدة، فلا تمرّ على عبارته مرور القارئ العجل، بل قف عند اللفظة تتأمّل ما وراءها من وجه إعرابٍ أو قراءةٍ أو نكتةٍ بلاغيةٍ أو لطيفةٍ كلامية. وإن أردت الاستزادة فارجع في المواضع المشكلة إلى إحدى حواشيه لتُحلّ لك مجمله، فالكتاب صُنع ليُدرَس لا ليُتصفّح.
وعلى رحلة تجد نصّ «أنوار التنزيل» كاملًا مرتّبًا على سور المصحف من الفاتحة إلى الناس، مع فهرسٍ يوصلك إلى أيّ سورةٍ أو موضعٍ بضغطةٍ واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. ابدأ من الفاتحة تتدبّر منهج القاضي في مطلع كتابه، أو اقصد السورة التي تريد تفسيرها، وتنقّل في تفسير البيضاوي كيف شئت.
النص الكامل بين يديك
أنوار التنزيل كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
2123 فصلاً

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
7819 فصلاً

محمد بن أحمد + عبدالرحمن بن أبي بكر المحلي + السيوطي
1 فصل

أبو عبد الله القرطبي
3375 فصلاً

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ)
2279 فصلاً