عن الكتاب

المغني لابن قدامة

في القرن السادس الهجري، وبينما كانت سيوف الجهاد تُشهَر لتحرير بيت المقدس من أيدي الفرنج، كان إمامٌ مهاجرٌ من فلسطين يجلس في الصالحية على سفح قاسيون ليصنع فتحًا من نوعٍ آخر: فتحًا في العلم. أخذ متنًا حنبليًّا وجيزًا هو «مختصر الخرقي»، ثم بنى عليه صرحًا لا يكاد يُطاول؛ موسوعةً تجمع فقه الأمة كلَّه، فتعرض في كل مسألةٍ قول الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك والشافعي ومن قبلهم من الصحابة والتابعين، مسوقةً بأدلتها ومحرَّرةً بميزان الأثر والنظر. كتابٌ قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية إنه لم يرَ في كتب الإسلام مثله ومثل «المحلّى»، وما زال بعد ثمانية قرونٍ عمدة الباحثين في الفقه والخلاف. إنه «المغني» للإمام موفّق الدين ابن قدامة المقدسي.

غلاف المغني لابن قدامة
المؤلف
موفّق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الدمشقي الحنبلي
وفاة المؤلف
620 هـ بدمشق
النوع
موسوعة في الفقه الحنبلي المقارن، شرحٌ على «مختصر الخرقي»
حجمه
نحو خمسة عشر مجلدًا في الطبعات المحققة
المكانة
من أعظم موسوعات الفقه الإسلامي وأوسع كتب المذهب الحنبلي
أشهر طبعاته
تحقيق د. عبد الله التركي ود. عبد الفتاح الحلو (دار هجر)

من هو الموفّق ابن قدامة؟

هو الإمام العلّامة شيخ الإسلام موفّق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الحنبلي، أحد أعلام بيت آل قدامة الذي أنجب للأمة عددًا من كبار العلماء والحفّاظ. وُلد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة في جمّاعيل، وهي قريةٌ من قرى نابلس ببلاد بيت المقدس، ثم هاجر أهله فرارًا بدينهم من غلبة الفرنج، فاستقرّوا بدمشق على سفح جبل قاسيون في الحيّ الذي عُرف بالصالحية، فصار موئلًا للحنابلة وأهل الحديث ومنارةً للعلم قرونًا.

رحل الموفّق في طلب العلم إلى بغداد وهي يومئذٍ حاضرة الدنيا في العلم، فلازم كبار مشايخها وتفقّه على أئمة الحنابلة حتى برع في المذهب وأصوله، وأدرك من العلوّ في الإسناد وسعة الرواية ما جعله إمامًا في الحديث والأصول واللغة والاعتقاد لا في الفقه وحده. وبلغ رتبة الاجتهاد، فصار شيخ الحنابلة في زمانه غير مدافَع، إليه تُشدّ الرحال في الفقه والخلاف، وعنه تلقّى الأئمة من بعده.

وكان مع إمامته في العلم عابدًا ورِعًا سخيًّا، شهد بعض مغازي صلاح الدين الأيوبي في جهاد الفرنج، فجمع بين العلم والعمل والجهاد. وترك من التصانيف ما عمّ نفعه: «العمدة» و«المقنع» و«الكافي» و«المغني» في الفقه، تدرّج بها بطالب العلم من المبتدئ إلى المنتهي، و«روضة الناظر» في أصول الفقه، و«لمعة الاعتقاد» و«ذمّ التأويل» في العقيدة. وبقي على علمه وعبادته حتى تُوفّي بدمشق سنة عشرين وستمائة يوم عيد الفطر، فكان «المغني» أعظم آثاره وأبقاها على الدهر ذكرًا.

دافع التأليف وبيئة العصر

لم يبتدئ ابن قدامة كتابه من فراغ، بل بناه على متنٍ عتيقٍ راسخ في المذهب هو «مختصر أبي القاسم الخرقي»، ذلك المتن الوجيز الذي وضعه عمر بن الحسين الخرقي في القرن الرابع، فتلقّاه الحنابلة بالقبول وحفظوه وشرحوه جيلًا بعد جيل حتى صار مدخل المذهب وعمدته. فاتخذه الموفّق أساسًا يشرح مسائله ويبسط أدلتها، لكنه لم يقف عند حدود الشرح المذهبي، بل جاوزه إلى أفقٍ أوسع جعل الكتاب موسوعةً قائمةً بنفسها.

وكان القرن السادس الهجري زمن شدائد ونهضةٍ معًا؛ فبينما كان الفرنج يضغطون على المشرق وتدور رحى الجهاد لتحرير بيت المقدس، كانت دمشق تعيش نهضةً علميةً سنية، وقد غدت الصالحية معقلًا للحنابلة وأهل الحديث المهاجرين من فلسطين. وفي هذا الجوّ العلميّ المشحون بالعزّة، أراد الموفّق أن يضع للمذهب موسوعةً تجمع فقهه وأدلته، وتضعه في ميزان الخلاف العالي بين أئمة الأمصار، فلا يكون فقه أحمد معزولًا بل مقرونًا بأقوال سائر الفقهاء محرَّرًا بالدليل.

فجاء «المغني» جوابًا عن حاجة طالب العلم إلى كتابٍ يجمع له المسألة وخلافها وأدلتها في موضعٍ واحد، فيغنيه عن التنقّل بين دواوين المذاهب المتفرّقة. ولعلّ في اسمه إشارةً إلى هذا المقصد؛ فهو «المغني» الذي يُغني قارئه في بابه، إذ يجد فيه قول الإمام أحمد وأقوال أبي حنيفة ومالك والشافعي ومن قبلهم من الصحابة والتابعين مسوقةً بحُججها، فيقف على المسألة من جميع وجوهها دون أن يُضنيه البحث.

منهج الكتاب وترتيبه

يقوم منهج «المغني» على أنه فقهٌ مقارنٌ محرَّر، لا شرحٌ مذهبيٌّ مغلق. فابن قدامة يذكر مسألة الخرقي، ثم يبسط الكلام عليها فيعرض قول الإمام أحمد وروايات المذهب فيها، ثم يُتبعها بأقوال بقية الأئمة والمجتهدين، ناقلًا مذاهب أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأهل الظاهر ومن قبلهم من فقهاء الصحابة والتابعين. ثم يسوق أدلة كل قول من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ويناقشها، ثم يرجّح ما يظهر له رجحانه بالحجّة لا بالهوى.

ويُحسب للموفّق في هذا إنصافُه وسعة أفقه؛ فهو ينقل أقوال مخالفيه بأمانة، ويعرض أدلتهم في أقوى صورها قبل أن يجيب عنها، بأدبٍ جمٍّ وهدوءٍ علميّ قلّ نظيره، لا يتعصّب لمذهبه تعصّبًا يحمله على تكلّف الترجيح. وقد يخالف المشهور من مذهب الحنابلة إذا قاده الدليل إلى غيره، لأنه بلغ رتبة الاجتهاد، فلم يكن ناقلًا للمذهب فحسب بل محرِّرًا له وحاكمًا عليه بميزان الأثر والنظر.

وأما ترتيبه فعلى أبواب الفقه المعروفة تبعًا لترتيب مختصر الخرقي؛ يبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم يمضي إلى المعاملات من البيوع والإجارات والرهون، ثم النكاح والطلاق والعِتق، فالجنايات والحدود والفرائض والقضاء وسائر أبواب الفقه العملي. فجاء الكتاب موسوعةً شاملةً لأبواب الشريعة، في نحو خمسة عشر مجلدًا في الطبعات المحققة، تحوي عشرات الألوف من المسائل مقرونةً بأدلتها.

مكانته بين موسوعات الفقه المقارن

تبوّأ «المغني» مكانة الصدارة بين موسوعات الفقه الإسلامي، حتى عُدّ في مصافّ أعظم ما صُنّف في فقه الأمة، يُقرن به «المجموع شرح المهذّب» للنووي في فقه الشافعية و«المحلّى» لابن حزم في فقه أهل الظاهر؛ فهذه الثلاثة قِممٌ في الفقه المقارن المسنَد بالدليل. وقد سارت بذكر «المغني» الرُّكبان، وشهد له الأئمة من مختلف المذاهب بالإمامة والتحرير.

ومن أشهر ما يُروى في الثناء عليه قول شيخ الإسلام ابن تيمية حين ذكر كتب الفقه، فأثنى على «المغني» ثناءً عظيمًا وقرنه بـ«المحلّى» في التحقيق والاستيعاب. ولم يكن نفعه محصورًا في الحنابلة، بل انتفع به فقهاء المذاهب كلها لِما فيه من عرض الخلاف بأمانة وتحرير الأدلة، حتى صار مرجعًا لا يستغني عنه باحثٌ في مسائل الخلاف من أيّ مذهبٍ كان.

وسرّ هذه المكانة أن الموفّق لم يكتب كتاب مذهبٍ يُنتصر فيه لرأيٍ سلفًا، بل كتاب علمٍ يُحرَّر فيه الخلاف؛ فمن قرأه خرج بتصوّرٍ للمسألة من جميع وجوهها: قول كل إمام، ودليله، ووجه استدلاله، وموضع النزاع بينه وبين غيره. ولهذا صار عمدةً لمن أراد أن يفقه لا أن يقلّد، وغدا من أوثق ما يُرجع إليه في معرفة أقوال السلف والأئمة في المسائل.

ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل «المحلّى» لابن حزم، وكتاب «المغني» للشيخ موفّق الدين.
شيخ الإسلام ابن تيمية

أثره في المذهب وطبعاته

ولأثر «المغني» في المذهب الحنبلي شأنٌ خاص؛ فقد صار الأصل الذي يدور عليه فقه المتأخرين، وعليه وعلى «المقنع» بُنيت كتبٌ عظيمة، منها «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» للمرداوي الذي حرّر روايات المذهب وأقواله، وسائر شروح «المقنع» و«زاد المستقنع» التي لا تكاد تستغني عن نقول «المغني» وترجيحاته. فبقي حاضرًا في كل مجلسٍ يُدرَّس فيه فقه الحنابلة.

وقد عُني العلماء والمحقّقون بطبع الكتاب وخدمته؛ فطُبع قديمًا طبعاتٍ عدة، ثم كان من أنفس طبعاته المحققة طبعةُ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي والدكتور عبد الفتاح الحلو الصادرة عن دار هجر، وهي طبعةٌ مقابَلةٌ على نسخٍ خطية معتمدة، خُرّجت أحاديثها وضُبط نصّها، فصارت العمدة بين طبعات الكتاب لدى الباحثين وطلبة العلم.

وبهذا بقي «المغني» بعد ثمانية قرونٍ حيًّا في حلَق العلم ومجالس الفتوى ومكتبات طلاب العلم، يُدرَّس ويُنقل عنه ويُبنى عليه، لا يكاد يخلو منه بحثٌ محرَّرٌ في مسائل الفقه والخلاف، شاهدًا على إمامة صاحبه ورسوخ قدمه في العلم وسعة أفقه في الإنصاف.

كيف تقرؤه على رحلة؟

يمكنك أن تقرأ «المغني» هنا كتابًا كتابًا وبابًا بابًا على ترتيب الفقه؛ فابدأ من كتاب الطهارة وتنقّل في أبواب العبادات ثم المعاملات، واقرأ في كل مسألةٍ عرض الموفّق لأقوال الأئمة وأدلتها وترجيحه. وإن كنت باحثًا عن مسألةٍ بعينها، فانتقل إلى بابها مباشرةً لتقف على تحرير الخلاف فيها من مصدره الأصيل.

اجعله مرجعك حين تريد أن تفهم لا أن تحفظ فحسب: فعند كل مسألةٍ تطالع كيف احتجّ كل فريق، وكيف ناقش الموفّق الأدلة ورجّح. النص كامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أول الكتاب أو اقصد الباب الذي تريد، وطالِع موسوعةً فقهيةً قلّ أن جادت بمثلها قريحة عالم.

أسئلة شائعة

من مؤلف كتاب المغني؟
مؤلفه الإمام شيخ الإسلام موفّق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الدمشقي الحنبلي، المتوفى سنة 620 هـ بدمشق. وهو من بيت آل قدامة، شيخ الحنابلة في زمانه ومن كبار المجتهدين، وصاحب «العمدة» و«المقنع» و«الكافي» و«روضة الناظر».
ما موضوع كتاب المغني وهل هو خاصٌّ بالمذهب الحنبلي؟
هو موسوعةٌ في الفقه الإسلامي المقارن، بُني على المذهب الحنبلي لكنه لا يقتصر عليه؛ إذ يعرض في كل مسألةٍ أقوال الأئمة الأربعة ومن قبلهم من الصحابة والتابعين بأدلتها ثم يرجّح. فهو فقهٌ مقارنٌ محرَّرٌ ينتفع به أهل المذاهب جميعًا، لا كتاب مذهبٍ مغلق.
على أي كتابٍ بُني المغني وما علاقته بمختصر الخرقي؟
بناه ابن قدامة شرحًا على «مختصر أبي القاسم الخرقي»، وهو متنٌ حنبليٌّ وجيزٌ من القرن الرابع تلقّاه الحنابلة بالقبول. فاتخذه الموفّق أساسًا يبسط مسائله ويوسّعها بعرض الخلاف والأدلة والترجيح، حتى تجاوز حدّ الشرح إلى موسوعةٍ فقهيةٍ مستقلة.
كم عدد مجلدات المغني وما أشهر طبعاته؟
يقع «المغني» في نحو خمسة عشر مجلدًا في الطبعات المحققة، وتضمّ عشرات الألوف من المسائل. ومن أشهر طبعاته وأوثقها طبعةُ الدكتور عبد الله التركي والدكتور عبد الفتاح الحلو الصادرة عن دار هجر، المحقّقة على نسخٍ خطية مع تخريج الأحاديث.
هل يمكن قراءة المغني كاملًا مجانًا؟
نعم، النص الكامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فتتنقّل بين كتبه وأبوابه على ترتيب الفقه، وتقرأ في كل مسألةٍ عرض الخلاف وأدلته وترجيح الموفّق، من غير اشتراكٍ ولا مقابل.

النص الكامل بين يديك

المغني لابن قدامة كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن