عن الكتاب
قضى رجلٌ من أهل الشام أكثر من ثلاثين سنةً جوّالًا في الأرض، ينام على حصير البواري ويطوي البلاد من عكّا إلى صنعاء إلى مصر والعراق وفارس، لا همّ له إلا أن يسمع الحديث من أفواه أهله ويظفر بعلوّ الإسناد. فلمّا امتلأت صدره ودفاتره بمرويّات قرابة ألفٍ من الشيوخ، استقرّ بأصبهان يُملي على الطلبة ستّين عامًا، حتى صار «مُسنِد الدنيا» في زمانه بلا مُنازع. ومن تلك الحصيلة العظيمة أخرج للأمّة ثلاثة معاجم صارت من دواوين السنّة، أضخمُها وأجمعُها هذا السِّفر الذي رتّبه على مسانيد الصحابة اسمًا اسمًا: «المعجم الكبير» للحافظ أبي القاسم الطبراني.

هو الإمام الحافظ الثقة أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، أحد أعلام الحفظ في القرن الرابع الهجري وأشهر مَن جمع المعاجم في السنّة. وُلد بمدينة عكّا على ساحل الشام سنة ستّين ومائتين، ونُسب إلى «طبرية» بلد أبيه فقيل له الطبراني. نشأ في بيت علمٍ وحديث، فقد كان أبوه أحمد من أهل الرواية، فأسمعه صغيرًا وغرس فيه حبّ هذا الشأن، فما كاد يشتدّ عوده حتى شدّ الرحال في طلب الحديث طلبًا لم يعرف الفتور.
وكانت رحلة الطبراني من أوسع رحلات المحدّثين وأطولها؛ طاف الحجاز والشام واليمن ومصر والعراق والجزيرة وبلاد فارس، يلتمس الأسانيد العالية ويكتب عمّن لقيه من الحفّاظ، حتى قيل إنه روى عن قرابة ألف شيخ. فلمّا بلغ من ذلك الغاية استقرّ بأصبهان، فأقام بها يُحدّث ويُملي زهاء ستّين سنة، فانتهت إليه الرئاسة في علوّ الإسناد وقصده طلبة العلم من الآفاق، حتى صار في آخر عمره مُسنِد الدنيا الذي لا يُدرَك مثله.
وقد مدّ الله في عمر الطبراني حتى قارب المائة، فجمع مع سعة الرواية طول النَّفَس وكثرة المصنَّفات، وكان مع ذلك ثقةً في نفسه، عابدًا صابرًا على خشونة العيش في سبيل العلم. أثنى عليه الحفّاظ ووثّقوه، وعدّوه من أركان الرواية في زمانه؛ وتوفّي بأصبهان سنة ستّين وثلاثمائة، فكانت وفاته طيّ صفحةٍ من أعظم صفحات الرحلة في طلب الحديث.
الإمام الحافظ الثقة الرحّال الجوّال، مُسنِد الدنيا.
جاء الطبراني في القرن الرابع، بعد أن استقرّت أصول السنّة في الكتب الستّة وأمهات المسانيد، فاتجهت همم كبار الحفّاظ إلى جمع ما تفرّق من المرويّات وحفظ العالي من الأسانيد قبل أن يذهب بذهاب رجاله. وفي هذا الجوّ العلميّ نبغ الطبراني، فكان جامعًا لا يكاد يُفلت خبرًا سمعه، حريصًا على تدوين ما وقع له عن كلّ شيخٍ لقيه، حتى اجتمع عنده من المادّة ما لم يجتمع لغيره من أهل عصره.
ومن ثمرة تلك الحصيلة صنّف الطبراني معاجمه الثلاثة التي سارت بها الركبان: «المعجم الكبير» ورتّبه على مسانيد الصحابة، و«المعجم الأوسط» و«المعجم الصغير» ورتّبهما على أسماء شيوخه. وقد أظهر في «الأوسط» سعة حفظه وغرائب مروياته حتى عُدّ من أعجب كتبه، أمّا «الكبير» فهو أضخمها وأجملها وأجمعها للحديث، حتى إذا أُطلق «معجم الطبراني» دون تقييد انصرف الذهن غالبًا إلى هذا الكبير.
وقد سُئل الطبراني يومًا: كيف ظفرتَ بهذه الأحاديث العالية وهذا العلم الغزير؟ فأجاب بكلمةٍ تختصر سيرة عمره كلّها وتكشف عن السرّ الذي رفعه إلى ذروة الرواية؛ إذ ردّ همّته إلى صبرٍ طويلٍ على شظف العيش في سبيل الحديث، فقال قولته المشهورة التي حفظها عنه أهل التراجم.
بنومي على البواري ثلاثين سنة.
بُني «المعجم الكبير» على طريقة المسانيد لا الأبواب؛ فليس مقصوده أن يجمع أحاديث الطهارة في موضع وأحاديث الصلاة في موضع، بل أن يجمع تحت كلّ صحابيٍّ ما رُوي من حديثه كلّه على اختلاف موضوعاته. فتقع على اسم الصحابيّ فتجد تحته مسنده مسوقًا بأسانيده المتّصلة إلى الطبراني، وهذا الصنيع هو الذي جعله «معجمًا» يُقصد فيه الراوي لا الباب.
ورتّب الطبراني هذه المسانيد على حروف المعجم في أسماء الصحابة، فبدأ بالعشرة المبشّرين بالجنّة تقديمًا لفضلهم، ثم مضى على سائر الصحابة اسمًا بعد اسمٍ على ترتيب الألف باء، ثم أتبع ذلك بالكُنى وبمسانيد النساء من الصحابيّات في آخر الكتاب. وبهذا الترتيب صار الكتاب أشبه بمعجمٍ للأعلام من الصحابة، يهتدي فيه القارئ إلى بغيته باسم الراوي دون عناء.
ومن لطائف بناء الكتاب أنّ الطبراني لم يُدرج فيه مسند أبي هريرة رضي الله عنه على كثرة حديثه، إذ أفرده بتصنيفٍ مستقلّ خارج المعجم؛ كما أنه كثيرًا ما يقدّم بين يدي مسند الصحابيّ نُبذةً من نسبه وأخباره ووفاته، فيجتمع للقارئ بذلك طرفٌ من التعريف بالراوي إلى جانب مرويّاته. فالكتاب في حقيقته ديوانٌ يجمع رجال الصحابة ومسانيدهم في نَسَقٍ واحد.
قصد الطبراني في «المعجم الكبير» الجمع والاستيعاب لا الانتقاء والتصحيح؛ فهو يسوق ما بلغه من مرويّات الصحابة بأسانيده، فيجتمع فيه الصحيح والحسن والضعيف، بل والغريب الذي تفرّد به بعض الرواة. ولذلك لا يُؤخذ حديثه على أنه صحيحٌ لمجرّد وجوده فيه، وإنما يحتاج القارئ والباحث إلى نظر أهل العلم بالعلل والرجال ليميّزوا مقبوله من مردوده، شأنه في ذلك شأن كتب المسانيد الجامعة.
وأبرز ما يمتاز به الكتاب علوّ أسانيده؛ فقد جمع الطبراني في رحلته الطويلة من الطرق العالية ما لم يجتمع لغيره، فصار معجمه خزانةً للأسانيد النفيسة التي يرغب فيها أهل الحديث. ومن هنا كان الكتاب مَعينًا للغرائب والزوائد؛ فكثيرٌ من أحاديثه لا تجدها في الصحيحين ولا في بقيّة الكتب الستّة، فحفظ بذلك للأمّة مادّةً واسعة من السنّة كانت مظنّة الضياع.
وبهذا النَّفَس الجامع صار «المعجم الكبير» مرجعًا لا يُستغنى عنه في تخريج الأحاديث وتتبّع طرقها؛ فإذا أراد المخرّج أن يستقصي طرق حديثٍ عن صحابيّ رجع إلى مسنده في هذا المعجم، فقلّ أن يخلو من زيادةٍ في الطريق أو شاهدٍ للمتن. وهو بذلك يكمّل ما في الكتب المشهورة ويضيف إليها، حتى صار من أوسع أبواب الرواية عن الصحابة.
احتلّ «المعجم الكبير» مكانةً رفيعة بين دواوين السنّة، فعدّه العلماء أكبر معاجم الحديث المسندة وأجمعها لمرويّات الصحابة، وأكثر منه الحفّاظ النقل والتخريج. وقد اعتنى به الحافظ نور الدين الهيثمي عناية خاصّة، فجمع زوائده على الكتب الستّة مع زوائد كتبٍ أخرى في كتابه الجامع «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد»، فقرّب بذلك فوائد المعجم للقُرّاء وميّز جديده ممّا في الأصول المشهورة.
ومن أخبار هذا الكتاب أنّ الزمان لم يحفظه كاملًا كما خرج من يد مؤلّفه، فقد فُقد بعض أجزائه ومسانيده فلم تصل إلينا تامّة، وبقي جُلّه الأعظم محفوظًا في المخطوطات يتناقله العلماء قرنًا بعد قرن. ومع ذلك ظلّ ما وصل منه ثروةً هائلة تنطق بعظمة أصله وسعة ما جمعه الطبراني في رحلته الطويلة.
ثم مَنّ الله بطبعه محقَّقًا في العصر الحديث؛ فنهض بتحقيقه الشيخ حمدي بن عبد المجيد السلفي، فأخرجه في نحو خمسة وعشرين مجلدًا معتمدًا على أصوله الخطّية، وكان إخراجه حدثًا علميًّا وضع بين يدي الباحثين أضخم معاجم الحديث. وبذلك بقي اسم الطبراني حيًّا بكتابه، وبقيت مسانيد الصحابة التي جمعها متداولةً بين طلبة العلم إلى اليوم.
لأنّ «المعجم الكبير» مبنيٌّ على مسانيد الصحابة لا على الأبواب الفقهية، فأيسر طرق الانتفاع به أن تقصد فيه صحابيًّا بعينه فتقرأ مسنده مجموعًا، أو أن تبحث في نصّه على رحلة عن حديثٍ تريد تتبّع طرقه، فيوصلك البحث إلى موضعه بين المسانيد في لحظات. وهكذا يصير الكتاب الضخم قريب التناول، تدخل إليه من باب الراوي أو من باب المتن كما تشاء.
واقرأه قراءة المتأمّل الذي يستحضر أنه أمام حصيلة عمرٍ أنفقه صاحبه في الرحلة والسماع؛ فتلمح علوّ الأسانيد وغرائب المرويّات وسعة ما جمعه الطبراني عن الصحابة. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فادخل إليه من مسند صحابيٍّ تحبّه، وتذوّق واحدًا من أعظم دواوين السنّة وأجمعها للحديث.
النص الكامل بين يديك
المعجم الكبير كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل