عن الكتاب
في قرطبة، حاضرة الأندلس ومنارة العلم في الغرب الإسلامي، نشأ فتىً من بيت وزارةٍ ورئاسة، جمع الله له من المواهب ما لم يجتمع لأحدٍ من أهل زمانه؛ ففُتح له في الفقه والحديث والأصول والملل والنحل واللغة والأنساب والشِّعر حتى صار بحرًا لا تُدرَك أطرافه. ثم عصفت بالأندلس فتنةٌ أطاحت بخلافة بني أميّة، فنُكب الرجل في جاهه، وأحرق خصومُه بعض كتبه على رؤوس الأشهاد، فآوى إلى ضيعة أهله يحمل قلمه سيفًا، وأخرج للأمّة من العلم ما يعدل مكتبةً بأسرها. وكان أعظمَ ما صنّف في الفقه سِفرٌ استوعب مسائل الشريعة بأدلّتها من الكتاب والسنّة وآثار السلف، لا يقلّد فيه إمامًا ولا يتّبع فيه إلا الدليل؛ إنه كتاب «المحلى بالآثار» للإمام أبي محمد ابن حزم الأندلسي.

هو الإمام العلّامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، وُلد بقرطبة سنة أربعٍ وثمانين وثلاثمائة في كنف بيتٍ من بيوت الوزارة والجاه، فقد كان أبوه من وزراء الدولة العامرية أيّام المنصور بن أبي عامر. نشأ في القصور مُنعَّمًا، ثم أقبل على العلم إقبال العطشان على المورد، فجمع من الفنون ما تفرَّق في غيره؛ حتى صار حُجّةً في الفقه والحديث، إمامًا في أصول الفقه وأصول الدين، عارفًا بالملل والنِّحل واللغة والأنساب والمنطق، شاعرًا أديبًا مترسِّلًا، لا يكاد يُذكر في علمٍ إلا كان من أهله.
وقد بدأ ابن حزم شافعيَّ المذهب مُعظِّمًا للنصّ منتصرًا له، ثم أفضى به النظر إلى مذهب أهل الظاهر الذي أسّسه داود بن علي الأصبهاني، فأحياه ونصره وحرّره حتى صار إمامه غير مُنازَع، بل صار المذهب الظاهري يُعرف به ويُنسب إليه. ولغزارة علمه خلّف مصنّفاتٍ نفيسة في فنونٍ شتّى، منها «الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحل» في مقارنة الأديان والفِرَق، و«الإحكام في أصول الأحكام» في أصول الفقه، و«جمهرة أنساب العرب»، و«طوق الحمامة» في الأُلفة والأُلّاف؛ حتى قيل إن جملة ما كتبه بلغ نحو أربعمائة مجلَّد في ثمانين ألف ورقة.
وكان ابن حزم مع سعة علمه شديد الصَّرامة في الحقّ، حادَّ اللسان في المناظرة، لا يُحابي في العلم أحدًا، فأثار عليه فقهاء عصره حتى هجروه وحذّروا منه؛ حتى سار بين الناس قولهم: «لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقان». على أنّ المنصفين من العلماء أقرّوا بإمامته وسعة حفظه وقوّة حجّته، وشهدوا له بأنه أحد من لا نظير له في عصره، وإن خالفوه في كثيرٍ من اختياراته الفقهية.
لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقان.
عاش ابن حزم زمن انهيار الخلافة الأموية بقرطبة واشتعال «الفتنة» التي مزّقت الأندلس، فقامت على أنقاض الوحدة دُويلاتُ ملوك الطوائف يتناحرون على المُلك. وكان ابن حزم قد دخل معترك السياسة كأبيه فوَلِيَ الوزارة، وناصر شرعية بني أميّة، فنالَه من ذلك سجنٌ وتشريدٌ ومطاردة؛ حتى ضاق بالسياسة وأهلها، فانصرف عنها إلى ما هو أبقى وأخلد: العلم والقلم.
ولم يكن انصرافه إلى العلم راحةً وسلامة، فقد كانت الأندلس يومئذٍ مالكيّة المذهب، فلما جهر ابن حزم بمذهب أهل الظاهر وأنكر التقليد والقياس وردّ على الفقهاء بلسانٍ لا يُبقي ولا يذر، ثارت عليه العامّة والخاصّة، حتى أمر المعتضد بن عبّاد صاحب إشبيلية بجمع كتبه وإحراقها على مرأى الناس. فما زاده ذلك إلا ثباتًا، وأنشد بيته السائر الذي يفيض عزّةً وثقةً بما في صدره من العلم.
وفي عزلته بضيعة أهله من أرض لبلة، فرَّغ ابن حزم عمره للتصنيف، فكان «المحلى» أعظم ثمرات تلك العزلة في الفقه. أراد به أن يقيم الفقه على الكتاب والسنّة وآثار الصحابة والتابعين وحدها، مُخلِّصًا إياه من التقليد ومن سلطان الرأي والقياس، فجاء الكتاب دعوةً عمليةً إلى العودة بالأحكام إلى أدلّتها، وبيانًا لكيف يُستنبط الحكم من نصّه لا من رأي المتقدّمين.
فإن تُحرِقوا القِرطاسَ لا تُحرِقوا الذي تضمَّنه القِرطاسُ، بل هو في صدري
لم يكن «المحلى» أوّل ما وضعه ابن حزم في الفقه، بل صنّف قبله متنًا مُوجزًا سمّاه «المجلى»، أثبت فيه اختياراته الفقهية مُجرَّدةً مُختصرة. ثم عمد إلى هذا المتن فشرحه وبسط أدلّته وأفاض في تقريرها، فكان «المحلى بالآثار» هو الشرح الحافل الذي بُنِيَ على «المجلى»؛ ومن هنا جاءت تسميته «بالآثار»، لأنّ مدار حجّته فيه على الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين التي يسوقها بأسانيدها.
ورتّب ابن حزم كتابه على أبواب الفقه المعروفة عند العلماء، فبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة والزكاة والصيام والحجّ، ثم انتقل إلى المعاملات من البيوع والأنكحة والفرائض والأقضية والحدود والجنايات وسائر الأبواب، حتى استوعب أحكام الشريعة العملية. وقسّم كلّ باب إلى «مسائل» مُرقَّمةٍ متتابعة، بلغت في جملتها أكثر من ألفي مسألة، تُيسِّر على القارئ أن يقصد ما يريد من الأحكام على ترتيبٍ محكم.
وطريقته في كل مسألة أن يُصدِّرها بذكر الحكم الذي اختاره، ثم يسوق أدلّته من الكتاب والسنّة والإجماع والأثر، ثم يعرض أقوال المخالفين وحُججهم فيناقشها ويردّها واحدةً واحدة. وبهذا صار الكتاب سِجلًّا حافلًا لمسائل الخلاف بين الفقهاء ولمذاهب الصحابة والتابعين، لا يكاد الباحث يجد مسألةً فقهيةً كبرى إلا وجد في «المحلى» تحريرَ محلّ النزاع فيها وأقوال الأئمّة وأدلّتهم.
ينبني منهج ابن حزم في «المحلى» على أصلٍ واحدٍ يدور عليه الكتاب كلّه: الأخذ بظاهر نصوص الكتاب والسنّة الثابتة، والوقوف عندها لا يتعدّاها. فهو يردّ التقليد جملةً ويوجب على كلّ أحدٍ اتّباع الدليل بقدر وُسعه، ويُنكر القياس والتعليل والاستحسان وسائر ما بُنِيَ على الرأي، ولا يعتدّ من الإجماع إلا بما تحقّق أنه إجماع الصحابة قاطبةً. وقد سمّى مسلكه في الاستنباط «الدليل»، وميّزه عن القياس الذي يردّه.
وأثمر هذا المنهج عنايةً بالغةً بالحديث والأثر؛ فابن حزم حافظٌ مُحدِّثٌ يُعلّ الأخبار ويحكم على الرواة، فجاء كتابه غنيًّا بتخريج أحاديث الأحكام والكلام على أسانيدها، حتى عدّه العلماء من أنفس ما كُتب في فقه الحديث. غير أنّ تمسّكه بالظاهر ونبذَه القياسَ حمله أحيانًا على اختياراتٍ غريبةٍ خالف فيها جمهور الفقهاء، فعابها عليه مخالفوه؛ ومع ذلك بقي الكتاب في أدلّته وتحقيقاته مرجعًا لا يُستغنى عنه.
وأمّا في المناظرة والرّد فالكتاب آيةٌ في بابه؛ إذ يهدم ابن حزم حُجج مخالفيه هدمًا، ويكشف مواضع الضعف في استدلالهم بلسانٍ قويٍّ لا يُجامل. ولهذا يُفيد قارئُه ولو خالفه في نتائجه، فإنه يخرج من كل مسألةٍ وقد أحاط بأدلّتها وأدلّة معارضيها، وتدرّب ذهنه على النظر في الحجّة والمعارضة؛ فالكتاب مدرسةٌ في الاستدلال قبل أن يكون تقريرًا لمذهب.
مع أنّ المذهب الظاهري لم يُقدَّر له البقاء مذهبًا حيًّا له أتباعٌ وقضاةٌ كسائر المذاهب، فإنّ «المحلى» حفظ فقه أهل الظاهر وخلّده، وتجاوزت شهرتُه حدود المذهب حتى أقبل عليه العلماء على اختلاف مشاربهم. وقد اشتُهر في تعظيمه ما نُقل عن العزّ بن عبد السلام سلطان العلماء من ثنائه البالغ عليه وعلى «المغني» لابن قدامة، وعدِّهما من أجود ما صُنِّف في الفقه.
وقد أفاد من «المحلى» كبار المحقّقين بعده، فنقل عنه ابن القيّم وأكثر من الاستشهاد به، وعوّل عليه الشوكاني في «نيل الأوطار»، ورجع إليه أهل التخريج وفقه الحديث في القديم والحديث؛ لأنه خزانةٌ لأقوال السلف وأدلّتهم لا تكاد تُوجد مجموعةً في غيره. فصار الكتاب أحد الأصول التي لا يستغني عنها باحثٌ في الفقه المقارَن مهما كان مذهبه.
وقد ظلّ الكتاب مخطوطًا يتداوله العلماء حتى مَنّ الله بطبعه في العصر الحديث، فكان أشهرَ إخراجٍ له تحقيقُ العلامة أحمد محمد شاكر الذي صدّره بمقدّمةٍ نفيسة وخدمه بالتعليق والتخريج، وطُبع في نحو أحد عشر مجلدًا، ثم أُعيد نشره وحُقّق بعده تحقيقاتٌ أخرى في نحو اثني عشر مجلدًا. وبذلك استقرّ «المحلى» بين يدي طلّاب العلم عمودًا من أعمدة المكتبة الفقهية لا يخلو منه بيتُ عالِم.
ما رأيتُ في كتب الإسلام مثل «المحلى» لابن حزم، و«المغني» لابن قدامة.
لا يُقرأ «المحلى» عادةً سردًا من أوّله إلى آخره، بل يُدخَل إليه من أبوابه ومسائله؛ فإن أردت حكمًا في الطهارة أو الصلاة أو البيوع أو النكاح فاقصد بابه، ثم اقرأ المسألة بأدلّتها ومناقشاتها. وأيسر طريقٍ إلى ما تريد أن تبحث عن المسألة بعينها في نصّ الكتاب على رحلة، فيوصلك البحث إلى موضعها بين آلاف المسائل في لحظات، فتُطالع فيها اختيار ابن حزم وأدلّته وردّه على المخالفين.
واقرأه قراءة المتأمِّل الذي يتتبّع الحجّة والدليل لا الناقلَ للأقوال فحسب؛ فإنك ستتعلّم منه كيف يُستنبط الحكم من نصّه، وكيف تُوزَن الأدلّة ويُميَّز الراجح من المرجوح، ولو خالفت ابن حزم في بعض ما ذهب إليه. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فادخل إليه من البابِ الذي تريد، واقرأ في أغزر كتب الفقه بالدليل وأجمعها للآثار.
النص الكامل بين يديك
المحلى لابن حزم كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن