عن الكتاب
ما من معنًى يُمدح إلا وله وجهٌ يُذَمّ، وما من خصلةٍ تُحمد إلا ولها ضِدٌّ يُقابلها. على هذه القسمة الطريفة يقوم «المحاسن والأضداد»: كتابُ أدبٍ عباسيٍّ يجمع محاسن الأشياء وأخبارها وأشعارها، ثم يُثنّي بأضدادها، فيسوق للقارئ الوجهين معًا في نَفَسٍ واحد. اشتُهر الكتاب منسوبًا إلى أشهر كُتّاب العربية على الإطلاق، أبي عثمان الجاحظ، وإن كانت نسبته إليه من المسائل التي اختلف فيها الدارسون.

أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (نحو 159 – 255 هـ) بصريُّ المولد والنشأة، ورأسٌ من رؤوس النثر العربي على الإطلاق. عاصر دولة بني العباس في أزهى عصورها، وخالط المعتزلة وأخذ عن كبار علماء البصرة وبغداد، فجمع بين الفلسفة والكلام واللغة والأخبار في أسلوبٍ سيّالٍ لا يُشبهه فيه أحد. وله من الآثار الثابتة ما صار أعمدةً للأدب العربي، كـ«البيان والتبيين» و«الحيوان» و«البخلاء».
وقد نشأ في هذا العصر فنُّ «الأدب» بمعناه الواسع: كتبٌ تجمع الأخبار والأشعار والنوادر والحِكَم، ترتّبها على المعاني والأبواب، لا على الأسانيد وحدها، وتقصد إلى تثقيف القارئ وتنمية ذوقه ولسانه. وكان الجاحظ إمام هذا الفن ومهندس طريقته، حتى صار كل كتابٍ يجري على منوال جمعه واستطراده وطرافته يُنسب إليه أو يُقاس عليه؛ ومن هذا الباب دخل «المحاسن والأضداد» في دائرة أدبه.
الكتاب هو الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يُغريك، والرفيق الذي لا يَمَلُّك.
اشتهر «المحاسن والأضداد» مطبوعًا محمولًا على اسم الجاحظ، غير أنّ نسبته إليه ليست من المقطوع به؛ فقد شكّك عددٌ من الدارسين في صحّتها، وعدّوه من الكتب التي أُلحقت باسمه أو نُسجت على طريقته. وليس ذلك غريبًا في تراثنا؛ فكثيرٌ من كتب الأدب الجامعة نُسبت إلى الأئمة الكبار لشهرتهم، حتى صار اسم الجاحظ بذاته مغناطيسًا تُجذب إليه المصنّفات القريبة من أسلوبه.
ومما يزيد المسألة تعقيدًا وجود كتابٍ آخر قريبِ العنوان والفكرة هو «المحاسن والمساوئ» المنسوب إلى إبراهيم بن محمد البيهقي، مما دعا بعض الباحثين إلى الموازنة بين الكتابين والنظر في علاقة أحدهما بالآخر. والحكم القاطع في هذا الباب يحتاج إلى تحقيقٍ في النسخ والأسانيد ومقارنةٍ بأسلوب الجاحظ الثابت في كتبه المعروفة.
والأمانة تقتضي أن نقول للقارئ صراحةً: انسب الكتاب إلى الجاحظ على سبيل الشهرة لا على سبيل الجزم، واقرأه بوصفه نموذجًا رفيعًا من أدب العصر العباسي على طريقة الجاحظ، سواء صحّ أنه بقلمه أم كان من عمل أديبٍ سار في ركابه.
فكرة الكتاب في عنوانه: أن يعقد لكل معنًى بابًا يجمع فيه محاسنه وما قيل في مدحه من الأخبار والأشعار والحِكَم، ثم يُثنّي بضدّه فيسوق مساوئه وما ورد في ذمّه. فالقارئ لا يظفر بوجهٍ واحدٍ من المعنى، بل يوضع بين يديه الوجهان: المدح والذمّ، والحُسن والقُبح، ليرى كيف تتقلّب الأشياء بين حالين.
وتدور أبوابه على المعاني التي شغلت أهل الأدب: الأخلاق والطباع والمواقف والأحوال، من نحو الجود والبخل، والحلم والغضب، والوفاء والغدر، والكلام والصمت، وما إلى ذلك من المتقابلات. وطريقة العرض فيها هي طريقة كتب الأدب الجامعة: خبرٌ يتبعه بيتٌ من الشعر، وحكمةٌ تعقبها نادرة، في نسقٍ يجمع بين المتعة والفائدة.
وهذا البناء القائم على التقابل ليس مجرد ترتيبٍ شكلي؛ بل هو رؤيةٌ للأشياء تقوم على أنّ لكل حسنةٍ ضِدًّا يكشف عنها، وأنّ معرفة المحاسن لا تكتمل إلا بمعرفة أضدادها. وبهذا يصير الكتاب أشبه بمرآةٍ ذات وجهين تريك المعنى وعكسه في موضعٍ واحد.
يجري الكتاب على السَّنَن الذي عُرف به أدب الجاحظ: نثرٌ سَلِسٌ متنوّع، لا يلبث القارئ فيه مع الخبر حتى ينتقل به إلى بيتٍ من الشعر أو نادرةٍ مُلِحة أو حكمةٍ سائرة، من غير إملالٍ ولا تكلّف. والاستطراد فيه فنٌّ لا عيب؛ إذ يخرج من المعنى إلى ما يجاوره، ثم يعود، فتشعر أنك تجالس أديبًا واسع الحفظ حاضر النكتة.
وميزة هذا اللون من التأليف أنه يخفّ على القارئ ويثقل في فائدته معًا: تقرأ الباب في جلسة، فتخرج بأخبارٍ وأبياتٍ وأمثالٍ تعلق بالذهن، وبذوقٍ في المقابلة بين المعاني يشحذ الفكر ويوسّع النظر. وهذه الخفّة الممتزجة بالعمق هي سرّ بقاء كتب المحاسن والأضداد حيّةً في المكتبة العربية.
ينتمي «المحاسن والأضداد» إلى تيارٍ عريضٍ في الأدب العباسي هو أدب «المحاسن»؛ وهو تقليدٌ في التأليف يقوم على جمع الأشياء في أبوابٍ متقابلة، وقد ترك في التراث كتبًا عدّة تدور على العنوان نفسه أو قريبٍ منه. وموقع كتابنا في هذا التيار موقعٌ ظاهر، سواء أكان للجاحظ أم لمن جرى على طريقته.
وقيمة هذا النوع من التصنيف أنه يحفظ لنا صورةً حيّة عن ذائقة العصر: ما كان الناس يمدحونه ويذمّونه، وما كانوا يروونه من أخبارٍ وأشعارٍ في المعاني الكبرى. فالكتاب، فوق متعته، وثيقةٌ أدبيةٌ واجتماعيةٌ عن قيم المجتمع العباسي وطرائقه في النظر إلى الفضائل والرذائل.
هذا كتابٌ لا يُلزمك بالبدء من أوله؛ فأبوابه قائمةٌ بذاتها. افتح الفهرس واختر معنًى يشدّك، فاقرأ محاسنه ثم ضدّه، ثم انتقل إلى بابٍ آخر متى شئت. وأمتع ما فيه أن توازن بنفسك بين الوجهين، فترى كيف يُمدح الشيء ثم يُذمّ، وكيف تلعب الأخبار والأشعار على المعنى وضدّه.
وعلى رحلة تجد النصّ كاملًا مقسّمًا على أبوابه، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي موضعٍ بضغطة واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. واقرأه بعين المطّلع الحذر في مسألة النسبة، وبعين المستمتع الذوّاق في مادته وطرافته.
النص الكامل بين يديك
المحاسن والأضداد كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن