عن الكتاب
يخرج رجلٌ من باب السجن بعد سنواتٍ أربعٍ حبسته وراء القضبان، فلا يجد في انتظاره إلا الخيانة: زوجةٌ تزوّجت رفيقه الخائن، وصديقٌ ائتمنه فسرق ماله ووشى به، وابنةٌ صغيرة لم تعد تعرف وجه أبيها. من هذا الجرح المفتوح تُولد فكرةٌ واحدة تسكن الرجل حتى تلتهمه: الانتقام. لكنّ يد الانتقام تخطئ مرّةً بعد مرّة، فيتحوّل الطريد إلى فريسةٍ تطاردها الكلاب والأضواء في ليل القاهرة. إنها «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ.

تدور الرواية حول «سعيد مهران»؛ لصٍّ يخرج من سجنه بعد أربع سنواتٍ ليكتشف أنّ عالمه القديم قد انهار من تحته. فقد استولى تلميذه ومساعده «عليش سدرة» على زوجته «نبوية» وعلى ماله، وتآمر عليه حتى أودعه السجن، فيما لم تعد ابنته الصغيرة تعرفه أو تقبل أن تلوذ به. أما «رؤوف علوان»، الصحفيّ الذي كان يومًا معلّمه وملهمه ومبشّره بأفكار الثورة على الظلم، فقد باع مبادئه واستراح إلى حياة الأثرياء، وأدار ظهره لتلميذه القديم.
من ركام هذه الخيانات تختمر في نفس سعيد فكرةٌ واحدة تسدّ عليه كل أفق: أن يثأر لنفسه ممن غدروا به. لكنّ الرواية لا تمنحه انتقامه بسهولة؛ فرصاصاته تخطئ أهدافها مرّةً بعد مرّة، وتصيب أبرياء لا ذنب لهم، فيتحوّل في أعين الناس والسلطة من ضحيةٍ مظلومةٍ إلى مجرمٍ سفّاحٍ تُطارده الشرطة في كل زقاق.
وفي رحلة هروبه يلوذ سعيد بشخصياتٍ تكشف وجهه الآخر: «نور» الفتاة الساقطة التي تحبّه وتؤويه دون مقابل، و«الشيخ علي الجنيدي» المتصوّف الذي كان صديقًا لأبيه، فيفتح له بيته وقلبه ويحاول أن يهديه إلى سكينةٍ لا يقوى سعيد على بلوغها. وبين هذه الملاذات يضيق الخناق شيئًا فشيئًا، حتى تمضي الرواية بقارئها إلى نهايةٍ محتومةٍ لن نُفسد عليه اكتشافها.
وُلد نجيب محفوظ في حيّ الجماليّة بالقاهرة القديمة سنة 1911، ونشأ في أزقّتها وحاراتها التي ستصير فيما بعد مسرحًا لأشهر أعماله. كرّس حياته كلّها للكتابة إلى جانب عمله الوظيفي، فأنجز عشرات الروايات والمجموعات القصصية على مدى أكثر من نصف قرن، حتى غدا أشهر روائيٍّ عربيٍّ في العصر الحديث وأوسعهم انتشارًا وترجمة.
في سنة 1988 نال محفوظ جائزة نوبل للآداب، فكان أول أديبٍ عربيٍّ يحوزها، وبذلك حمل الأدب العربي إلى واجهة المشهد العالمي. وقد اشتهر بثلاثيته الكبرى «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية» التي رصد فيها تحوّلات أسرةٍ مصريةٍ عبر أجيال، كما أثار عملُه «أولاد حارتنا» جدلًا واسعًا لم يهدأ لسنوات.
تمثّل «اللص والكلاب» محطةً فارقة في مسيرته؛ إذ جاءت بعد مرحلة رواياته الواقعية الضخمة لتفتتح طورًا جديدًا أكثر تكثيفًا وعمقًا نفسيًّا، انشغل فيه محفوظ بأزمة الفرد وقلقه واغترابه أكثر من انشغاله بلوحة المجتمع العريضة. وتوفّي محفوظ سنة 2006 تاركًا إرثًا يُعدّ عمودًا من أعمدة السرد العربي.
في قلب الرواية جرحُ الخيانة؛ فسعيد مهران رجلٌ خانه أقرب الناس إليه: زوجته، ورفيقه، ومعلّمه. ومن هذا الجرح تنبثق كل أفعاله، حتى يصير الانتقام عنده لا مجرّد رغبةٍ بل فكرةً كليّةً تبتلع عقله وتحجب عنه كل صوتٍ آخر، فلا يرى في الوجود سوى وجوه من غدروا به. غير أنّ الرواية تكشف كم هو الانتقام أعمى؛ إذ تخطئ يده المسدّدة أهدافها وتصيب من لا ذنب لهم.
ولا يقلّ الاغتراب حضورًا عن الخيانة؛ فسعيد رجلٌ منبوذٌ من مجتمعه ومطاردٌ في وطنه، لا يملك بيتًا يأوي إليه ولا وجهًا يطمئنّ إليه. تلاحقه الشرطة من جهة، ويطارده ضميره ووحدته من جهةٍ أخرى، حتى يبدو غريبًا عن العالم كلّه، منقطعًا عن الناس، محاصَرًا داخل رأسه قبل أن تحاصره الأزقّة.
ومن وراء قصة اللصّ الفرد يطرح محفوظ سؤالًا أكبر عن العدالة: من اللصّ الحقيقي في هذا العالم؟ أهو من سرق ليعيش، أم من سرق المبادئ والوعود وباع رفاقه ليصعد؟ بهذا السؤال المعلّق تتجاوز الرواية حكايتها الجنائية لتصير تأمّلًا في الظلم والقيم في زمنٍ تبدّلت فيه الوجوه والولاءات.
ما يجعل «اللص والكلاب» علامةً في مسيرة محفوظ ليس حبكتها فحسب، بل أسلوبها. فقد تخلّى فيها عن السرد الواقعي المتّسع الذي عُرف به في ثلاثيته، ولجأ إلى تقنية «تيار الوعي» و«المونولوج الداخلي»، فصار القارئ يعيش داخل رأس سعيد مهران، يسمع أفكاره المتدفّقة وهواجسه ومحاوراته الصامتة مع من خانوه.
بهذا الأسلوب تذوب الحدود بين ما يجري في الخارج وما يعتمل في الداخل؛ فالمدينة والليل والمقابر والشوارع كلّها تُرى من خلال وعيٍ مضطرب، مثقلٍ بالغضب والخوف والحيرة. وهو أسلوبٌ يمنح الرواية توتّرًا داخليًّا خانقًا، ويقرّبها من الرواية النفسية الحديثة التي كانت تتطوّر في الآداب العالمية آنذاك.
كتب محفوظ روايته في مطلع الستينيات، وقرأ فيها كثيرٌ من النقّاد صدى خيبةٍ من مآلات ثورة 1952؛ فشخصية «رؤوف علوان» المثقّف الذي هتف بشعارات العدل ثم استراح إلى الامتيازات تختصر مأساة المبادئ حين تُخان. ويُقال إنّ محفوظ استلهم خيوط الحكاية من قصةٍ واقعية لمجرمٍ هاربٍ شغل الرأي العام المصري في تلك الفترة، فصاغ منها عملًا يتجاوز الخبر اليومي إلى معنًى إنسانيٍّ عميق.
حظيت الرواية بمكانةٍ رفيعة منذ صدورها، وعُدّت من أنضج أعمال محفوظ وأكثرها تأثيرًا، ومن النصوص التي تُدرَّس وتُقرأ باعتبارها نموذجًا على تجديد الرواية العربية شكلًا ومضمونًا. وقد نُقلت إلى السينما في فيلمٍ شهير حمل الاسم نفسه، أخرجه كمال الشيخ ولعب بطولته شكري سرحان وشادية، فرسّخ حضور القصة في الذاكرة الشعبية.
ورغم قِصرها النسبي مقارنةً بأعماله الكبرى، ظلّت «اللص والكلاب» من أوسع روايات محفوظ انتشارًا، تُرجمت إلى لغاتٍ عدّة، وما زالت تُطبع وتُقرأ جيلًا بعد جيل. فأسئلتها عن الخيانة والعدالة والاغتراب لا تزال حيّةً في كل زمنٍ تتبدّل فيه الولاءات وتُباع فيه المبادئ.
هذه الرواية لمن يريد أن يدخل عالم نجيب محفوظ من أقصر أبوابه وأشدّها تكثيفًا؛ فهي عملٌ قصيرٌ محكم، سريع الإيقاع، يجمع بين تشويق قصص المطاردة وعمق التأمّل في النفس والمجتمع. وهي كذلك لمن يستهويه الأدب الذي يطرح أسئلة الخيانة والعدالة والاغتراب دون أن يمنح إجاباتٍ سهلة.
وتصلح مدخلًا مثاليًّا لمن أراد أن يتعرّف إلى أسلوب «تيار الوعي» في الرواية العربية، ولطلاب الأدب الباحثين عن نصٍّ يجمع بين الجمال الفني والدلالة الفكرية. وهذه الصفحة تقدّم لك تعريفًا ونبذةً عن الرواية وعالمها وأفكارها، لتكون على بيّنةٍ منها قبل أن تُقبل على قراءتها.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون