عن الكتاب
في جوار البيت الحرام بمكّة، حيث جاور سنينَ حتى لُقّب بـ«جار الله»، عكف رجلٌ من أهل خوارزم بلغ الغاية في علوم العربية على كتاب الله يتدبّر نظمه ويستخرج أسرار بيانه، مؤمنًا أنّ القرآن إنما يُعجز بلاغةً وفصاحةً، وأنّ كنوزه لا تُفتَح إلا بمفتاحَي المعاني والبيان. فأملى تفسيرًا لم يُعْنَ كتابٌ قبله بجمال العبارة ودقّة النظم عنايتَه، يكشف عن لطائف التنزيل ووجوه التأويل في عبارةٍ مُحكمةٍ موجزةٍ آسِرة، حتى صار عمدة البلاغيين وقبلة الأدباء على ما فيه من نزعةٍ اعتزاليةٍ حذّر منها العلماء. هذا هو تفسير «الكشاف» لجار الله الزمخشري.

هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشريّ الخوارزميّ، نسبةً إلى «زمخشر» إحدى قرى خوارزم، وُلد بها سنة سبعٍ وستين وأربعمائة. نشأ في طلب العلم فطاف الحواضر وأخذ عن أعلام عصره، حتى برع في النحو واللغة والبلاغة والأدب والتفسير براعةً قلّ أن اجتمعت لغيره، فصار إمام العربية في زمانه غير مدافَع. كان حنفيَّ المذهب في الفروع، معتزليَّ الأصول في العقيدة، صريحًا بمذهبه لا يكتمه، وله في العربية مصنّفاتٌ سارت بها الرُّكبان، منها «أساس البلاغة» في المعجم، و«المفصّل» في النحو، و«الفائق في غريب الحديث»، و«المستقصى في أمثال العرب»، وغيرها ممّا جعله من أئمة اللسان المعدودين.
ومن أخباره المشهورة أنه جاور بمكّة زمنًا حتى غلب عليه لقب «جار الله»، وأنّ إحدى رجليه سقطت فكان يمشي على رِجلٍ من خشب، ويُروى أنه حمل معه محضرًا يشهد بأنّ ذهابها كان بعلّةٍ أصابته من شدّة البرد لا بعقوبةٍ حُدّ بها، صيانةً لعرضه. رحل في طلب العلم ونشره إلى بغداد وخراسان ومكّة، وقصده الطلاب من الآفاق، وأثنى عليه العلماء ثناءً عظيمًا على سعة علمه وقوّة عارضته، وإن تحفّظوا على اعتزاله. وتوفّي عائدًا من مكّة إلى بلده ليلة عرفة سنة ثمانٍ وثلاثين وخمسمائة بالجُرجانية من خوارزم، فكان خاتمة أئمة العربية في المشرق.
كان القرنان الخامس والسادس الهجريّان عصرَ ازدهارٍ في علوم العربية والكلام في المشرق الإسلاميّ، وكانت خوارزم وما حولها تحت السلاجقة حاضرةً تعجّ بالمدارس وحِلَق النظر والمناظرة. وفي هذا الجوّ نبغ الزمخشريّ، وامتلأ قلبه بأنّ سرّ إعجاز القرآن إنما هو في نظمه وبيانه، فرأى أنّ التفاسير قبله لم توفِّ هذا الجانب حقّه. ولمّا جاور بمكّة التفّ حوله طلابٌ من أهلها وسألوه أن يُملي عليهم في تفسير كتاب الله كاشفًا عن لطائفه البلاغية، فاستجاب لهم وأملى «الكشاف»، ويُذكر أنه أنجزه في مدّةٍ يسيرةٍ على ضخامة مادّته، ممّا يشهد بسعة حفظه وتمكّنه.
وقد جاء عنوان الكتاب شارحًا لمقصده؛ فسمّاه «الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»؛ فهو «كشّافٌ» يزيح الغطاء عن «حقائق» المعاني المستترة في «غوامض» التنزيل التي لا تُدرَك إلا بالتأمل، ويختار من «عيون الأقاويل» أصفاها وأنقاها في «وجوه التأويل» المحتملة. فالاسم وحده يُنبئ عن همّة صاحبه وطموحه إلى الغوص على الدقائق التي تفوت القارئ العجلان.
ويُروى في خبر مقدّمته أنّ افتتاحها كان على مذهب صاحبها في القول بخلق القرآن، فغيّرها بعضُ النُّسّاخ صونًا للعقيدة؛ وهو خبرٌ يكشف، إن صحّ، عن أنّ نَفَس الاعتزال يسري في الكتاب من أوّل سطرٍ فيه، وهو ما جعل قراءته تحتاج إلى بصيرةٍ نقدية لا يستوي فيها المبتدئ والراسخ.
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل.
مدار «الكشاف» كلّه على البلاغة؛ فالزمخشريّ لا يقف عند بيان المعنى الظاهر، بل يغوص على أسرار النظم القرآنيّ، ويكشف عن موقع الكلمة ولِمَ اختيرت دون غيرها، وعن وجوه التقديم والتأخير والحذف والذكر والفصل والوصل، ويردّ ذلك كلّه إلى علوم المعاني والبيان والبديع. وقد صرّح في مقدّمته بأنّ من يتصدّى لتفسير كتاب الله لا بدّ أن يجمع إلى سائر العلوم إحاطةً بهذين العلمين اللذين بهما يُدرَك إعجاز القرآن.
ومن أبرز ملامح طريقته أسلوب الحوار والافتراض؛ فهو يستحضر سؤال القارئ فيقول: «فإن قلتَ...»، ثم يجيب: «قلتُ...»، فيبني التفسير على مناقشةٍ حيّةٍ تُبرز الإشكال ثم تحلّه. وهو مع ذلك موجزٌ مُحكم العبارة لا يكاد يفضُل من كلامه لفظ، يستشهد بكلام العرب وأشعارهم وأمثالهم على المعاني اللغوية والبلاغية، ويعتني بوجوه القراءات وتوجيهها، وبدقائق النحو والإعراب، فيجتمع لقارئه في الآية الواحدة فوائد اللغة والنحو والبلاغة والقراءة.
وبهذا صار «الكشاف» مدرسةً في تذوّق القرآن؛ إذ نقل التفسير من مجرّد سرد الأقوال إلى الكشف عن جمال التنزيل وسرّ فصاحته. ولذلك أكبره البلاغيون والأدباء وجعلوه عمدةً في بابه، حتى قيل إنّ من لم يقرأ «الكشاف» لم يذق حلاوة نظم القرآن؛ فهو في الكشف عن الإعجاز البيانيّ فريدٌ قلّ أن يُدانيه فيه تفسيرٌ آخر.
لا يغوص على شيءٍ من تلك الحقائق إلا رجلٌ قد برع في علمين مختصّين بالقرآن، وهما علم المعاني وعلم البيان.
لم يكن اعتزال الزمخشريّ بمعزلٍ عن تفسيره، بل بثّه في «الكشاف» بثًّا لطيفًا؛ فكلّما مرّ بآيةٍ تتّصل بأصول المعتزلة صرفها إلى مذهبهم في لطفٍ قد يخفى على غير المتمكّن. فعند آيات الرؤية ينفي رؤية الله في الآخرة، وفي مسألة كلام الله يذهب إلى القول بخلق القرآن، وفي أفعال العباد يقرّر خلق الإنسان لفعله، وفي آيات الوعيد يشدّد على إنفاذه وينزع إلى نفي الشفاعة لأهل الكبائر، ويحكّم «التحسين والتقبيح» العقليّ. وهذه الدقائق هي التي جعلت العلماء يحذّرون القارئ المبتدئ من أن يأخذ عقيدته من الكتاب وهو لا يشعر.
ومن مآخذ العلماء عليه أيضًا أنه ختم كثيرًا من السور بأحاديث في «فضائل السور»، وأكثرها لا يصحّ، بل عُدّ جملةٌ منها من الموضوعات المكذوبة. وقد تصدّى الحفّاظ لتمييز مرويّاته، فخرّج الإمام جمال الدين الزيلعيُّ «الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف» وبيّن حالها، ولخّصه الحافظ ابن حجرٍ العسقلانيّ وزاد عليه في كتابه «الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف»، فصار هذا التخريج ملازمًا للكتاب يُقرأ معه ليعرف القارئ صحيح أخباره من ضعيفها.
ومع هذه المآخذ لم يُسقِط العلماءُ الكتابَ، بل جمعوا بين الإفادة من كنوزه البلاغية والتحذير من زلله العقديّ؛ فكانت القاعدة عند أهل العلم أن يُنتفَع بـ«الكشاف» في البيان والبلاغة مع الحذر ممّا فيه من الاعتزال. وهذا الموقف المتوازن هو الذي أنبت حوله سلسلةً من الحواشي التي تلاحق مواضع الاعتزال بالردّ والنقض، وتُبقي على ما سواها من الفوائد.
تركت مدرسة «الكشاف» أثرًا عميقًا في علم التفسير من بعده؛ فما جاء مفسّرٌ عُني بالبلاغة إلا وهو عالةٌ عليه أو ناظرٌ فيه. وأبرز من نسج على منواله القاضي ناصر الدين البيضاويّ في «أنوار التنزيل وأسرار التأويل»، فقد لخّص «الكشاف» وأخذ زُبدته في البلاغة، وصفّاه ممّا فيه من الاعتزال، وضمّ إليه فوائد أخرى، حتى صار تفسيره من أوسع التفاسير انتشارًا وتداولًا في المدارس، وهو في أصله ثمرةٌ من ثمار الكشاف.
وخُدم «الكشاف» بحواشٍ وشروحٍ لا تكاد تُحصى، أشهرها «الانتصاف فيما تضمّنه الكشاف من الاعتزال» لناصر الدين ابن المنيّر الإسكندريّ، وهو يلاحق مواضع الاعتزال بالردّ والنقض؛ ومنها حاشية شرف الدين الطيبيّ المسمّاة «فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب»، وحاشية السيّد الشريف الجرجانيّ، وحواشي قطب الدين الرازيّ وغيرهم. وطُبع الكتاب مرارًا في أربعة أجزاء، وعُني المحقّقون بضبط نصّه وتخريج شواهده وأحاديثه، فبقي حيًّا متداولًا بين طلاب العلم قرنًا بعد قرن.
وبهذا ظلّ «الكشاف» شاهدًا على قاعدةٍ نفيسة عند أهل العلم: أنّ الحقّ يُؤخذ حيث وُجد، وأنّ الفائدة تُقتبس من الكتاب وإن خالف مصنّفه في بعض أصوله، ما دام القارئ على بصيرة. فهو إلى اليوم عمدةٌ لا يستغني عنها مفسّرٌ ولا بلاغيٌّ ولا دارسٌ لإعجاز القرآن، يجد فيه من لطائف النظم وأسرار البيان ما يُعينه على تذوّق كلام الله على وجهه.
أنسبُ ما يُقرأ به «الكشاف» أن تتخيّر سورةً أو مقطعًا وتتأمّل ما يقوله الزمخشريّ في نظمها وبيانها؛ فاقرأ الآية ثم تتبّع كيف يكشف عن سرّ اختيار اللفظ وموقع التقديم والتأخير والحذف، وقف عند مواضع «فإن قلتَ... قلتُ» فإنها لبّ طريقته. واجعل قراءتك قراءة المتذوّق للبلاغة، الناقدِ في الوقت نفسه لما قد يمرّ بك من نزعةٍ اعتزاليةٍ عند آيات الصفات والقدر والوعيد، حتى تجمع بين الإفادة والحذر.
وعلى رحلة تجد نصّ «الكشاف» كاملًا مرتّبًا على سور القرآن وآياته، مع فهرسٍ يوصلك إلى أيّ سورةٍ أو موضعٍ بسهولة، وبحثٍ يبلّغك الآية التي تريد في لحظات، تقرؤه كاملًا مجانًا. فادخل إليه من سورةٍ تحبّها، وتأمّل كيف يفتح لك جار الله الزمخشريّ أبواب البيان القرآنيّ، واقرأ في أشهر ما كُتب عن بلاغة التنزيل وإعجازه.
النص الكامل بين يديك
تفسير الكشاف كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
2123 فصلاً

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
7819 فصلاً

محمد بن أحمد + عبدالرحمن بن أبي بكر المحلي + السيوطي
1 فصل

أبو عبد الله القرطبي
3375 فصلاً

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ)
2279 فصلاً