عن الكتاب
في مدينة الموصل على ضفاف دجلة، جلس مؤرّخٌ عاش زلزال عصره، فرأى بعينه رايات الفرنج على سواحل الشام، وسمع بأذنه وقعَ سنابك التتار وهي تدكّ مشرق الإسلام. لم يشأ أن يكتب تاريخًا مبتورًا لأمّةٍ أو دولة، بل رفع بصره إلى العالم كلّه، فابتدأ من بدء الخلق وقصص الأنبياء والأمم الغابرة، ثم أخذ يؤرّخ للدنيا سنةً بعد سنة حتى بلغ عصره الدامي. صاغ من ذلك موسوعةً تاريخيةً محكمة النسج، دمج فيها روايات الطبري وغيره في نسقٍ واحدٍ متّصل، حتى غدت من أوثق ما يُرجع إليه في أخبار الأمم والملوك والفتوح والحروب. إنه «الكامل في التاريخ» لعزّ الدين ابن الأثير الجزري.

هو الإمام المؤرّخ عزّ الدين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، المعروف بابن الأثير، وُلد سنة خمسٍ وخمسين وخمسمائة في جزيرة ابن عمر شمالي العراق، ثم انتقل مع أهله إلى الموصل فاستوطنها، وبها طلب العلم وسمع الحديث ورحل إلى بغداد والشام وبيت المقدس في طلبه. نشأ في بيتٍ من بيوت العلم والوجاهة، وكان أحد ثلاثة إخوةٍ عُرفوا ببني الأثير نبغ كلٌّ منهم في فنّ: فأخوه مجد الدين صاحب «النهاية في غريب الحديث والأثر» و«جامع الأصول»، وأخوه ضياء الدين إمام البلاغة وصاحب «المثل السائر» في أدب الكاتب والشاعر، وأمّا عزّ الدين فكان إمام التاريخ والأنساب بينهم.
ولم يكن ابن الأثير مؤرّخًا فحسب، بل كان محدّثًا عارفًا بالرجال والأنساب، جمع بين سعة الرواية ودقّة النظر. فصنّف في معرفة الصحابة كتابه «أسد الغابة في معرفة الصحابة»، وهو من أجمع ما أُلّف في تراجمهم، وهذّب أنساب السمعاني في كتابه «اللباب في تهذيب الأنساب»، فاستدرك وصحّح وأوجز. وكان مع ذلك أديبًا حسن العبارة، لازم بلاط أتابكة الموصل من بني زنكي، فحظي عندهم بالمكانة والتقدير، وخالط الملوك والأمراء وعرف دخائل السياسة من قربٍ، وهو ما انعكس بيّنًا في تاريخه.
ولمّا كان أعلمَ الناس بأخبار الدولة الزنكية التي عاش في كنفها، أفرد لها تاريخًا مستقلًّا سمّاه «التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل»، سجّل فيه سيرة عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود وما كان لهما من الجهاد. وبقي ابن الأثير في الموصل معظّمًا مبجّلًا حتى تُوفّي بها سنة ثلاثين وستمائة للهجرة، تاركًا تراثًا تاريخيًّا ظلّ المؤرّخون من بعده عيالًا عليه.
عاش ابن الأثير في واحدٍ من أشدّ عصور الإسلام اضطرابًا وأعظمها هولًا؛ فقد أدرك الدولة العباسية وقد تنازعتها الأطراف، ورأى المشرق الإسلامي وقد تكالبت عليه نائبتان عظيمتان: الحروب الصليبية التي أنزلت الفرنج على سواحل الشام وأقامت لهم فيها ممالك، ثم الطامّة الكبرى باجتياح المغول التتار الذين خرجوا من أقاصي المشرق فاكتسحوا بلاد ما وراء النهر وخراسان في حياته. وكان لهذه الأحداث الجسام أثرها في نفسه، فرأى أنّ أمّةً تُبتلى بمثل هذا جديرةٌ بأن يُدوَّن تاريخها كاملًا لا مبتورًا.
ولم يكن التأريخ في زمانه بِدْعًا؛ فقد سبقه الطبري بجامعه العظيم، وتلاه مؤرّخون كثيرون، لكنّ ابن الأثير رأى أنّ كتب التاريخ إمّا مطوّلٌ مسهبٌ يثقل حمله ويتعذّر تحصيله، وإمّا مختصرٌ مخلٌّ يفوت به المقصود. فأراد أن يصنع كتابًا وسطًا جامعًا، يستوعب أخبار العالم من مبدئه إلى عصره في نسقٍ متّصلٍ محرَّر، لا يُملّ بطوله ولا يقصّر عن حاجة الطالب، فيكون «كاملًا» بحقٍّ كما سمّاه.
فجاء «الكامل في التاريخ» ثمرةَ هذا القصد: تاريخٌ عامٌّ للعالم يبدأ من بدء الخلق وقصص الأنبياء وأخبار الأمم القديمة من الفرس وغيرهم، ثم سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم يمضي مؤرّخًا للدنيا سنةً بعد سنة إلى ما يقرب من سنة ثمانٍ وعشرين وستمائة، أي إلى قبيل وفاة مؤلّفه بنحو عامين. فكان بذلك خاتمةً لعصرٍ كامل وشاهدًا حيًّا على مطلع عصرٍ جديد.
رتّب ابن الأثير كتابه على طريقة الحوليات، أي على السنين؛ فيذكر السنة ثم يسرد ما وقع فيها من الأحداث الكبار في أقطار الإسلام: من ولايةٍ وعزل، وحربٍ وفتح، وموت عالمٍ أو ملك. وهذه الطريقة الحولية هي التي جرى عليها الطبري من قبله، وبها يتمكّن القارئ من تتبّع مجريات التاريخ متوازيةً في أمصارها، فيرى ما كان في المشرق والمغرب في العام الواحد مجموعًا في موضعه.
وقد اعتمد ابن الأثير في القسم الأول من كتابه ــ إلى أواخر القرن الثالث ــ على «تاريخ الرسل والملوك» للطبري اعتمادًا ظاهرًا، وصرّح بذلك في مقدّمته، لكنّه لم يكن ناقلًا مجرّدًا؛ بل هذّب ولخّص ودمج. فالطبري كان يسوق الحادثة الواحدة بأسانيدها وطرقها المتعدّدة رواية إثر رواية، فعمد ابن الأثير إلى حذف الأسانيد واختيار أتمّ الروايات، وصهرها في سياقٍ واحدٍ متّصلٍ يسهل تتبّعه، فأراح القارئ من التكرار والتطويل. ثم إذا جاوز ما عند الطبري استقى من مصادر أخرى ومن مشاهداته ومعاصرته للأحداث.
وامتاز منهجه بالتحرّي وحسن السبك؛ فكان يوازن بين الروايات ويرجّح، وينبّه أحيانًا على ما يستغربه أو يستبعده، ويصوغ العبارة صياغةً أدبيةً رصينة تجمع بين الإيجاز والبيان. ولهذا عُدّ «الكامل» من أنضج ما كُتب في التاريخ العام منهجًا وترتيبًا، لا مجرّد مجموعةٍ من الأخبار المتناثرة، بل بناءٌ محكمٌ متكامل، صدق فيه اسمه.
تزداد قيمة «الكامل» كلّما اقترب من عصر مؤلّفه؛ فإذا بلغ القرنين السادس والسابع صار ابن الأثير مصدرًا أصيلًا لا ناقلًا، يكتب عن أحداثٍ عاصرها أو سمع أخبارها من أهلها. ومن أنفس ما في الكتاب أخبار الحروب الصليبية؛ فهو من أهمّ المصادر العربية التي أرّخت لنزول الفرنج على الشام، وحروب الزنكيين والأيوبيين معهم، وسيرة نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي وفتحه لبيت المقدس، يرويها مؤرّخٌ من قلب المنطقة وأهل زمانها.
وأبلغ من ذلك أثرًا وصفُه لاجتياح المغول التتار، فإنه من أوائل من أرّخ لتلك الكارثة وأصدقهم تصويرًا لهولها. وقد افتتح الحديث عنها بكلماتٍ صارت من أشهر ما كُتب في التاريخ، يصف فيها عجزه عن الإقدام على تدوين مصابٍ بهذا العِظَم، ويعدّ الحادثة من أعظم ما نزل بالإسلام والمسلمين. فجاء وصفه وثيقةً إنسانيةً قبل أن يكون خبرًا مؤرَّخًا، تنبض بالأسى وتنقل صدمة جيلٍ رأى عالمه ينهار.
ولهذا صار «الكامل» عمدة المؤرّخين والمستشرقين على السواء في دراسة تلك الحقبة؛ يرجعون إليه في أخبار السلاجقة والزنكيين والأيوبيين والفاطميين والخلافة العباسية، وفي وقائع الفرنجة والمغول، فما من باحثٍ في تاريخ ذلك العصر إلا وهو عالةٌ على هذا الكتاب.
لقد بقيتُ عدّة سنين مُعرِضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أُقدِّم إليه رِجلًا وأُؤخِّر أخرى.
احتلّ «الكامل في التاريخ» مكانةً رفيعةً بين كتب التاريخ العام حتى عُدّ قرين الطبري أو ثانيَه، بل فضّله بعضهم على أصله لحسن ترتيبه واتّصال سبكه واستيعابه ما بعد الطبري من القرون. وقد أثنى عليه العلماء وأكثروا النقل عنه، وجعلوه من أمّهات المراجع التي لا يستغني عنها مؤرّخ في التاريخ الإسلامي.
ونال الكتاب عناية المستشرقين مبكّرًا؛ فطبعه المستشرق السويدي كارل يوهان تورنبرغ في مدينة ليدن في القرن التاسع عشر طبعةً محقّقة في عدّة مجلدات، ظلّت مرجعًا لمن بعده، ثم أعادت دار صادر ببيروت نشره في نحو ثلاثة عشر مجلدًا، فذاع وانتشر بين طلاب العلم والباحثين. وتُرجمت أجزاء منه ودُرست فصوله في الجامعات الشرقية والغربية.
وأثر الكتاب ممتدٌّ في كلّ من جاء بعده؛ فمؤرّخو المماليك ومن تلاهم ينقلون عنه ويحتجّون به، ويعدّونه ذروةً من ذُرى التأريخ الحولي العربي. وليس ذلك لسعة مادّته فحسب، بل لِما جمع من دقّةٍ في النقل، وحسنٍ في الترتيب، وبلاغةٍ في العبارة، جعلته يقرأ كأنه سبيكةٌ واحدة، لا أخبارٌ مجموعة.
يمكنك أن تقرأ «الكامل في التاريخ» هنا على ترتيبه الأصلي؛ فابدأ من بدء الخلق وقصص الأنبياء والأمم القديمة، ثم امضِ في السيرة النبوية، ثم تتبّع الحوليات سنةً بعد سنة عبر الدول والخلفاء إلى عصر الحروب الصليبية والمغول. وإن كنت باحثًا عن حدثٍ بعينه ــ فتحٍ أو معركةٍ أو وفاة عالم ــ فانتقل إلى سنته مباشرةً لتقرأ خبرها في موضعه.
واجعل هذا الكتاب رفيقك إذا أردت أن تفهم كيف تشكّل التاريخ الإسلامي في نسقٍ متّصل، من مبدأ الخلق إلى عتبة العصر الحديث. النصّ الكامل متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فتقرأ في موسوعةٍ صاغها شاهدٌ على أعظم أحداث عصره، بعبارةٍ رصينةٍ وترتيبٍ محكم، وتتنقّل في أخبار الأمم والملوك كما دوّنها ابن الأثير قبل ثمانية قرون.
النص الكامل بين يديك
الكامل في التاريخ كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
335 فصلاً

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
3806 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310ه)
71 فصلاً

أبي القاسم علي بن الحسن إبن هبة الله بن عبد الله الشافعي
1294 فصلاً

أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: 681هـ)
33 فصلاً

أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
228 فصلاً