عن الكتاب
في مطلع القرن الثامن الهجري، وبلادُ الإسلام تموج بالفتن بعد اجتياح التتار، والناسُ في صفات الله بين مُعطِّلٍ نفاها حتى كاد يعبد عدمًا، ومُمثِّلٍ شبّهها بصفات الخلق حتى كاد يعبد صنمًا، قدِم على دمشق قاضٍ من أهل واسط بالعراق يشكو ما حلّ ببلاده من جهلٍ وظلم، فسأل شيخ الإسلام أن يكتب له عقيدةً يعتصم بها هو ومن معه. فجلس الشيخ بعد صلاة العصر، فأملى في مجلسٍ واحد رسالةً وجيزةً جمعت اعتقاد أهل السنة والجماعة على نصوص الكتاب والسنة، فصارت من أذيع متون العقيدة وأكثرها تدريسًا وشرحًا. إنها «العقيدة الواسطية» لشيخ الإسلام ابن تيمية.

مؤلف الرسالة هو شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرّاني، أحد أعلام الإسلام الكبار، وُلد بحرّان سنة إحدى وستين وستمائة، ثم هاجرت أسرتُه إلى دمشق فرارًا من التتار، فنشأ في بيت علمٍ حنبليٍّ عريق، وبرع في التفسير والحديث والفقه وأصوله والعقيدة والمنطق حتى قِيل إنه كان بحرًا لا تكدّره الدلاء. جمع بين سعة الحفظ ونفاذ النظر وقوة الحجة، فصار مرجعًا في زمانه، ودخل في مناظراتٍ ومحنٍ ثقالٍ ثبت فيها على ما يراه الحقّ، حتى مات في سجن قلعة دمشق سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة، فشيّعه من الخلق ما لم يُشيَّع مثلُه.
اشتهر ابن تيمية بأنه مجدّدٌ دعا إلى تجريد الاتّباع لنصوص الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، ومحاربة ما دخل على العقيدة من علم الكلام والفلسفة والغلوّ. وقد ترك تراثًا ضخمًا جُمع كثيرٌ منه في «مجموع الفتاوى»، فيه المطوّلات كـ«درء تعارض العقل والنقل» و«منهاج السنة»، وفيه الرسائل الوجيزة التي تُدرَّس للمبتدئين. و«العقيدة الواسطية» من هذا الصنف الأخير؛ رسالةٌ صغيرة الحجم عظيمة الأثر، اجتمع فيها علمُ الرجل وبيانُه في أوجز عبارة.
يروي ابن تيمية نفسه سبب تأليف هذه الرسالة، فيذكر أن قاضيًا من أهل واسط بالعراق يُعرف برضيّ الدين الواسطي قدِم عليه بدمشق، وشكا إليه ما غلب على بلاد المشرق من الجهل والظلم واندراس معالم السنة تحت حكم التتار، وسأله أن يكتب له عقيدةً تكون له ولأهل بيته إمامًا يرجعون إليه. فاستعفى الشيخ أولًا وقال إن الناس قد كتبوا في ذلك عقائد كثيرة، فأبى إلا أن يكتبها هو، فأجابه إلى طلبه. وقد اشتُهر في تراجم الشيخ أنه أملاها في قعدةٍ واحدة بعد صلاة العصر، فكانت هذه الرسالة الوجيزة ثمرةَ ذلك المجلس، ونُسبت إلى بلد طالبها فقيل لها «الواسطية».
ولم يكن هذا التأليف ترفًا علميًّا، بل كان جوابًا لحاجةٍ ماسّة في زمنٍ اضطربت فيه العقائد. فقد كان الناس قد تفرّقوا في باب أسماء الله وصفاته تفرّقًا شديدًا: فطائفةٌ عطّلت الصفات ونفتها بحجة تنزيه الله، وطائفةٌ شبّهت الله بخلقه، وبينهما مذاهب المتكلمين المتشعّبة. فجاءت الواسطية لتضع بين يدي القارئ عقيدةً صافيةً مبنيّةً على النقل الصريح، تعصمه من هذا التفرّق، وتردّه إلى ما كان عليه أهل السنة والجماعة قبل حدوث تلك الأهواء.
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
مدار الواسطية كلّه على قاعدةٍ واحدة جامعة: أن يُوصف الله بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل. فأهل السنة يُثبتون لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات على الحقيقة اللائقة به، ويردّون على من عطّلها ونفاها، وينزّهونه في الوقت نفسه عن مشابهة خلقه، فيردّون على من كيّفها أو شبّهها. وبهذا الجمع بين الإثبات والتنزيه تسلم العقيدة من طرفي الغلوّ والجفاء، وتقوم على الآية الجامعة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، ففي أولها نفيُ التمثيل، وفي آخرها إثباتُ الصفات.
وبذلك يجعل ابن تيمية أهل السنة والجماعة وسطًا بين الفرق، كما جعل الله هذه الأمة وسطًا بين الأمم؛ فهم وسطٌ في باب الصفات بين المعطِّلة والمشبِّهة، ووسطٌ في باب القدر بين القدرية والجبرية، ووسطٌ في الوعد والوعيد بين المرجئة والوعيدية، ووسطٌ في الصحابة بين الروافض والخوارج والنواصب. وهذه الوسطية معناها لزوم الحق الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، لا التلفيق بين المذاهب. وقد بنى الشيخ الرسالة على سَوق الأدلة نفسها؛ فقلّما يذكر صفةً إلا ويتلوها بآياتٍ من القرآن وأحاديث من السنة، حتى تكون العقيدة عين النصّ لا مجرّد رأيٍ في النصّ.
من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل
تبدأ الرسالة بالبسملة والحمد والشهادتين، ثم يُعرّف الشيخ بالفرقة الناجية المنصورة وهم أهل السنة والجماعة، ويقرّر أن أصل اعتقادهم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والقدر خيره وشرّه. ثم يدخل في لبّ الرسالة وهو باب الأسماء والصفات، فيسوق جملةً كبيرة من الآيات المُثبتة لصفات الله كالعلوّ والاستواء على العرش والوجه واليدين والعين والكلام والمجيء والرضا والغضب والمحبة، ثم يُتبعها بجملةٍ من الأحاديث الصحيحة في الصفات كحديث النزول ورؤية المؤمنين ربّهم يوم القيامة، فيجتمع للقارئ من نصوص الوحي ما يبني به اعتقاده مباشرة.
ثم ينتقل إلى تفصيل بقية أركان الإيمان: فيتكلّم في القضاء والقدر ومراتبه، وفي حقيقة الإيمان أنه قولٌ وعملٌ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وفي أهوال اليوم الآخر من الحوض والصراط والشفاعة والميزان والجنة والنار. ثم يقرّر موقف أهل السنة من الصحابة رضوان الله عليهم، فيحبّونهم ويترحّمون عليهم ويمسكون عمّا شجر بينهم، ويثبتون كرامات الأولياء دون غلوّ. ويختم الرسالة بوصف أخلاق أهل السنة وسمتهم في الأمر بالمعروف والجماعة والنصيحة. وبهذا البناء المُحكم يخرج القارئ وقد أحاط بأصول الاعتقاد كلّها في صفحاتٍ معدودات.
احتلّت «العقيدة الواسطية» مكانةً عالية بين متون الاعتقاد، حتى صارت من أشهر ما يُبدأ به طالب العلم في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، وأدرجتها المعاهد والجامعات الشرعية في مقرّراتها، ودارت عليها حلقات التدريس والحفظ في مشارق الأرض ومغاربها. وسرّ هذه المنزلة أنها جمعت بين وجازة اللفظ وغزارة المعنى واعتمادها على النقل الصريح، فهي سهلةٌ على المبتدئ، محرَّرةٌ عند المنتهي، لا تكاد تجد فيها كلمةً إلا ولها في الكتاب أو السنة أصل.
ولعناية العلماء بها كثُرت شروحها قديمًا وحديثًا، فمن أشهرها «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» لعبد العزيز بن محمد السلمان، و«التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة» للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، و«شرح العقيدة الواسطية» لمحمد خليل الهراس، وشرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين الذي ذاع وانتشر بين طلاب العلم في العصر الحديث. وبهذه الشروح المتتابعة بقيت الرسالة حيّةً متداولة، شاهدةً على أثر كتابٍ صغير الحجم أفاد أجيالًا من الدارسين.
خير ما تُقرأ به الواسطية أن تُقرأ على مهلٍ فقرةً فقرة، فهي متنٌ مركّز لا يُقرأ سردًا كالقصص، بل يُتأمّل ويُراجَع. ابدأ بمقدّمتها في تعريف الفرقة الناجية، ثم تدبّر باب الأسماء والصفات وهو قلب الرسالة، وقف عند كل آيةٍ وحديثٍ يسوقه الشيخ لتعرف كيف يُبنى الاعتقاد على النصّ مباشرة. ومن أراد رسوخًا فليقرنها بأحد شروحها المعتمدة، فإنها تفتح له ما وراء عباراتها الموجزة من معانٍ.
وعلى رحلة تجد نصّ «العقيدة الواسطية» كاملًا مرتّبًا على أبوابه ومسائله كما وضعه المؤلف، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي موضعٍ بضغطة واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. واجعلها متنًا تعود إليه وتحفظه، فهي زادٌ يسير في حجمه، عظيمٌ في نفعه، يعصم قارئه بإذن الله من كثيرٍ من زلل الأهواء في باب الاعتقاد.
النص الكامل بين يديك
العقيدة الواسطية كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن عبد الوهاب
1 فصل

محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
1 فصل

محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
1 فصل

ابن أبي العز الحنفي
1 فصل

تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية
1 فصل

أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري
1 فصل