عن الكتاب
ما من مؤمنٍ إلا وتتوق نفسه أن يرى النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ كيف كانت طلعته، وكيف مِشيته، وكيف يجلس ويأكل ويصلي ويضحك. جاء هذا الكتاب ليصوغ من مئات الأحاديث صورةً حيّةً متكاملة لسيّد الخلق، فتقرأ فيه لونَ بشرته وسواد شعره وضياء وجهه، ثم تنتقل إلى رحمته وحيائه وحلمه وكرمه، حتى تكاد تراه ماثلًا بين يديك. جمع الإمام أبو عيسى الترمذي في هذا السِّفر الصغير الجليل ما تفرّق في دواوين السنّة من وصف حبيب الله، فكان أشهر ما صُنّف في بابه. هذا هو «الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية».

هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى الترمذي، نسبةً إلى مدينة تِرْمِذ على نهر جيحون فيما وراء النهر. وُلد سنة 209 هـ في القرن الثالث الهجري، وهو القرن الذهبي لتدوين السنّة، فنشأ طالبًا للحديث، ورحل في طلبه إلى خراسان والعراق والحجاز، ولقي كبار الأئمة وأخذ عنهم. وكان من أخصّ تلاميذ الإمام البخاري، حتى إنه روى عنه وتأثّر بمنهجه في التمييز بين الأحاديث.
اشتُهر الترمذي بقوة الحفظ ودقّة النقد وحُسن التصنيف، وله في علم الحديث اليدُ الطولى؛ فمن كتبه «الجامع» المعروف بسنن الترمذي، وهو أحد الكتب الستة التي عليها مدار السنّة، وامتاز فيه ببيان درجات الأحاديث والحكم عليها بالصحة والحسن والضعف. وله «العلل» و«الشمائل» وغيرها، فجمع بين سعة الرواية ودقّة الدراية.
وقد عُرف عنه أنه كُفَّ بصره في أواخر عمره، فلم يزده ذلك إلا رفعةً في العلم ومنزلةً بين أهله. تُوفّي رحمه الله سنة 279 هـ بمدينة تِرْمِذ، وترك للأمة تراثًا لا يزال الطلبة يتناقلونه ويشرحونه، وفي مقدّمته هذا الكتاب الذي رسم فيه صورة النبي صلى الله عليه وسلم.
«الشمائل» جمع شمائل، والشمائل هي الخِصال والطبائع؛ خِصال الخَلْق التي في ظاهر الإنسان، وخِصال الخُلُق التي في باطنه. وقد نشأ هذا العلم من حبّ المسلمين لنبيّهم صلى الله عليه وسلم وشوقهم إلى معرفته معرفةً قريبة، فتتبّعوا في كتب الحديث كلَّ ما يصف هيئته وسَمْته وعادته وسيرته في بيته ومع أصحابه، وأفردوا ذلك بالتصنيف. وكتاب الترمذي من أقدم ما أُفرد في هذا الباب وأشهره على الإطلاق.
ولم يقصد الترمذي أن يؤرّخ غزوات النبي صلى الله عليه وسلم أو يسرد وقائعه، بل أراد أن يريَ القارئ شخصَه الكريم: كيف كان لونه وقامته وشعره، وكيف كان لباسه وطعامه ونومه وعبادته، وكيف كانت أخلاقه من الحياء والحلم والرحمة والتواضع والمزاح والبكاء. فكأنّ الكتاب مِرآةٌ تعرض على المحبّ محبوبَه، ليقتفي أثره في دقيق أمره وجليله، فإن الاقتداء لا يتمّ إلا بعد المعرفة.
وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم.
بنى الترمذي كتابه على طريقة المحدّثين في الإسناد؛ فهو يسوق كلَّ حديثٍ بسلسلة رواته من شيوخه صعودًا إلى الصحابي الذي شهد النبيَّ صلى الله عليه وسلم أو حكى عنه، فلا يذكر وصفًا إلا مُسنَدًا إلى قائله. وبهذا لم يكن الكتاب مجرّد صورةٍ أدبية، بل رواياتٍ مُوثّقة يمكن تتبّعها والحكم عليها، وهو صنيع إمامٍ خبيرٍ بعلل الحديث ودرجات الرواة.
ورتّب الكتاب على الأبواب الموضوعية، فبدأ بما جاء في خَلْق النبي صلى الله عليه وسلم وصفةِ جسده، ثم ثنّى بخاتم النبوة بين كتفيه، ثم شعره وترجيله وشيبه وخِضابه، ثم لباسه ونعله وخاتمه، ثم عيشه وطعامه وشرابه، ثم قيامه وصلاته وصيامه وقراءته ودعائه، فأخلاقه وحيائه وتواضعه وضحكه ومزاحه وبكائه، حتى ختم بأبواب وفاته صلى الله عليه وسلم ومِيراثه ورؤيته في المنام. فجاء الكتاب سائرًا من الظاهر إلى الباطن، ومن مطلع حياته الشريفة إلى مغيبها.
ولأن الترمذي جمع في بابه كلَّ ما ورد، فقد اشتمل الكتاب على أحاديث متفاوتة القوّة؛ فيه الصحيح الذي في الصحيحين وفيه ما دون ذلك، شأنَ كتب الجمع في هذا الفن. ولهذا اعتنى العلماء بعدُ بتمييز مقبوله من ضعيفه، حتى صنع الشيخ الألباني «مختصر الشمائل المحمدية» فاقتصر فيه على ما ثبت، وهو من أشهر ما يُقرأ اليوم بجانب الأصل.
يفتتح القارئ الكتاب على أحاديث الوصف الحسّي التي نقلها الصحابة، فيقرأ أنه صلى الله عليه وسلم كان ربعةً بين الطول والقصر، أزهرَ اللون مُشرَب الوجه، واسع الجبين، أدعج العينين، كثَّ اللحية، إذا مشى تكفّأ كأنما ينحطّ من صَبَب، وإذا التفت التفت جميعًا. وهي أوصافٌ تنقلها الأمة كابرًا عن كابر، فتصوغ في ذهن المؤمن هيئةً محبوبة لا تكاد تفارقه.
ثم ينتقل من صفة الخَلْق إلى صفة الخُلُق، وهو لبّ الكتاب وثمرته؛ فيقرأ في تواضعه أنه كان يخصف نعله ويخدم أهله ويجيب دعوة المملوك، وفي رحمته أنه ما ضرب بيده شيئًا قطّ، وفي حيائه أنه كان أشدَّ حياءً من العذراء في خِدرها، وفي حلمه أنه ما انتقم لنفسه، وفي جوده أنه كان أجود الناس بالخير. فيتبيّن أن جمال الظاهر كان عنوانًا على كمال الباطن، وأن الله تعالى جمع له حُسن الخَلْق وحُسن الخُلُق.
وبهذا يجمع الكتاب بين لذّة المعرفة وثمرة الاقتداء؛ فليست الغاية أن يعرف القارئ كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل أن يحمله ذلك على محبّته واتّباع سُنّته في هديه الظاهر والباطن. وقد قال أنس بن مالك رضي الله عنه واصفًا صحبته له عشر سنين، كما في الصحيحين، شهادةً تلخّص روح الكتاب كلّه.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس خُلُقًا.
تبوّأ «الشمائل المحمدية» مكانة الإمامة في بابه، فصار العُمدة الذي يرجع إليه كلُّ من أراد أن يكتب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الترمذي، وعليه بنى المصنّفون في هذا الفن. وظلّ يُقرأ ويُدرَّس ويُحفَظ في حِلَق العلم قرونًا، ويُتبرَّك بمجالس سماعه في كثيرٍ من بلاد المسلمين، لِما فيه من ذِكر الحبيب صلى الله عليه وسلم واستحضار سَمْته الكريم.
وقد أُلِّف عليه من الشروح والحواشي ما يدلّ على منزلته؛ فمن أشهرها «جمع الوسائل في شرح الشمائل» للملا علي القاري، و«المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية» للإمام إبراهيم البيجوري، وشرح الحافظ عبد الرؤوف المناوي عليه. وهي شروحٌ تعتني بلغة الأحاديث ومعانيها وما يُستنبط منها من الأحكام والآداب، فتفتح للقارئ ما وراء الألفاظ.
وطُبع الكتاب مرارًا وحُقِّق تحقيقاتٍ عديدة، ولا يكاد يخلو منه بيتُ طالب علمٍ أو مكتبةٌ شرعية. وأثره لا يُقاس بعدد طبعاته وحدها، بل بأنه صار الوسيلة التي عرف بها أجيالُ الأمة نبيَّها معرفةَ العين بعد معرفة الخبر، فزاد ذلك في محبّتهم له واتّباعهم لهديه.
لست في حاجةٍ إلى مقدّماتٍ لتنتفع بهذا الكتاب؛ افتحه وابدأ من أوّله لتقرأ صفة النبي صلى الله عليه وسلم بابًا بابًا، أو انتقِ الباب الذي يشوقك: صفة وجهه، أو لباسه، أو صلاته، أو ضحكه، أو تواضعه، فتقرأ فيه أحاديث تلك الخصلة مجموعةً بين يديك.
اجعله رفيق قلبك قبل أن يكون رفيق عقلك؛ اقرأ منه قليلًا كلَّ يوم، وتأمّل كيف كان حبيبُك صلى الله عليه وسلم في يومه وليلته، ثم التمس في نفسك أثرًا من ذلك تقتدي به. النصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أيّ بابٍ شئت، وتعرّف على سيّد الخلق كما وصفه أصحابه.
النص الكامل بين يديك
الشمائل المحمدية كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً

محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
1 فصل

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً

محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

محمد بن عبد الوهاب
1 فصل