عن الكتاب
ما إن نضج المذهب الحنبلي وتحرّرت مسائله على أيدي المتأخّرين، حتى برزت الحاجة إلى شروحٍ تجمع بين تحرير المعتمد ويُسر العبارة، تُقرِّب فقه الإمام أحمد إلى الطلاب في أوجز طريق. وفي القاهرة جلس شيخُ الحنابلة ومحرِّر مذهبهم في عصره، فتناول متنًا صغيرًا محفوظًا في صدور الطلبة هو «زاد المستقنع»، وشرحه شرحًا لطيفًا لا يُملّ طولُه ولا يُخلّ اختصارُه. مزج فيه كلامَ المصنّف بشرحه، والتزم راجح المذهب ومعتمده، وبثّ فيه من التنبيهات والفوائد ما جعله أشبه بحديقةٍ فقهية مُنسَّقة الأبواب. فكان هذا الكتاب الذي لا تخلو منه حلقةٌ حنبلية ولا مكتبة طالب: «الروض المربع شرح زاد المستقنع» للإمام منصور بن يونس البهوتي.

هو منصور بن يونس بن صلاح الدين البهوتي المصري الحنبلي، وُلد قرابة سنة ألفٍ للهجرة في بلدة «بهوت» من أعمال الغربية بمصر، ونشأ بالقاهرة طالبًا للعلم على شيوخ المذهب الحنبلي. أدرك المذهبَ وقد تكامل بناؤه على أيدي المتأخّرين، فأقبل على تحرير مسائله وضبط معتمده، حتى انتهت إليه رئاسة الحنابلة في زمانه، فصار المرجعَ في الفتوى والتدريس، ولُقّب بشيخ الحنابلة ومحرّر المذهب.
خلّف البهوتي مصنّفاتٍ صارت عُمدة المذهب الحنبلي إلى اليوم، وعليها المعوَّل في تحرير أقواله ومعتمده. فشرح «الإقناع» للحجاوي في كتابه الكبير «كشّاف القناع»، وشرح «منتهى الإرادات» لابن النجار الفتوحي في «شرح منتهى الإرادات» المعروف بـ«دقائق أولي النهى»، وهما من أوسع دواوين المذهب عند المتأخّرين. ثم صنّف «الروض المربع» شرحًا لطيفًا على «زاد المستقنع»، فجمع بين التبحّر في المطوّلات واليُسر في المختصرات.
بلغت مكانة البهوتي أنّ الحنابلة جعلوا مدار المعتمد في مذهبهم على ما استقرّ في كتبه، فإذا أُطلق «الشيخ» أو «صاحب الشرح» في كتب المتأخّرين انصرف الذهن إليه غالبًا. أخذ العلم عن جماعةٍ من محقّقي الحنابلة، وتخرّج به خلقٌ كثير حملوا المذهب من بعده. وظلّ مرجعًا للفتوى والتعليم حتى تُوفّي بالقاهرة سنة 1051 هـ، فكان بحقٍّ خاتمة المحرّرين الكبار في المذهب الحنبلي.
لا يُفهم «الروض المربع» إلا في سياق سلسلةٍ من المتون الحنبلية يشدّ بعضها أزْرَ بعض. فأصلُ البناء كتاب «المقنع» لموفَّق الدين ابن قدامة المقدسي المتوفى سنة 620 هـ، وهو من المتون التي دار عليها فقه الحنابلة. ثم جاء الشيخ شرف الدين موسى الحجاوي المقدسي المتوفى سنة 968 هـ، فاختصر «المقنع» في متنٍ صغيرٍ محرَّر سمّاه «زاد المستقنع في اختصار المقنع»، التزم فيه راجح المذهب ومعتمده، وطوى ما فيه من عرض الخلاف والروايات؛ ليكون زادًا لمن يطلب الاكتفاء.
أقبل الطلاب على «زاد المستقنع» حفظًا ودرسًا لصغر حجمه وإحكام مسائله، حتى صار من أشهر ما يُحفظ في المذهب الحنبلي. غير أنّ شدّة اختصاره تجعله عصيًّا على المبتدئ بغير شرح، فتصدّى الإمام البهوتي لشرحه، فمزج كلماته بشرحٍ يفكّ عباراته ويكشف مقاصده، دون أن يُثقله بالخلاف والاستطراد. فكان «الروض المربع» ثمرة هذا الجهد: شرحًا يفتح مغلق المتن، ويبقى على وجازةٍ تناسب المتعلّم.
صنّف البهوتي كتابه في القرن الحادي عشر الهجري، وقد استقرّ المذهب الحنبلي وتحرّرت مسائله، وكثرت مطوّلاته حتى احتاج الطالب إلى سُلَّمٍ يرتقي به إليها. فجاء «الروض المربع» جسرًا بين المتن المحفوظ والمطوّلات المبسوطة، يقرؤه المبتدئ فيفهم فقه المذهب على وجهه، ثم ينتقل منه إلى «كشّاف القناع» و«شرح المنتهى» متى شاء التوسّع. وبهذا احتلّ موقعه في سُلَّم التعليم الحنبلي: فوق المتن المجرَّد، ودون الموسوعات الكبرى.
سلك البهوتي في «الروض» طريقة الشرح الممزوج، فجعل كلماتِ «زاد المستقنع» متناثرةً في ثنايا شرحه، متّصلةً به اتصالًا يقرأ معه الطالبُ المتنَ والشرحَ في سياقٍ واحد، حتى جرى الطابعون على وضع متن الحجاوي بين قوسين ليتبيّن المتنُ من الشرح. فلا يحتاج القارئ إلى المزاوجة بين كتابين، وهذه الطريقة من أيسر ما يُعين المتعلّم على فهم المتون المختصرة.
والتزم البهوتي في شرحه معتمد المذهب وراجحه، كما التزمه الحجاوي في متنه، فلا يكاد يُثقل القارئ بالأقوال المرجوحة والروايات المطروحة، بل يقرّر الحكم الذي عليه العمل في المذهب. ثم يبثّ في أثناء ذلك تنبيهاتٍ وفوائد وقيودًا تضبط المسائل وتحرّر محلّ النزاع، ويوضّح غريب الألفاظ، ويعلّل بعض الأحكام. فاجتمع للكتاب تحريرُ الحكم مع تقريب الفهم في عبارةٍ سهلةٍ محكمة.
وقد قصد البهوتي اللطافة والاختصار، فلم يُطل في الاستدلال والمناقشة كما يفعل في مطوّلاته، بل اكتفى بما يفكّ عبارة المتن ويقيم صورة المسألة في ذهن الطالب. فجاء الكتاب متوسّطًا بين الجفاف الذي يُنفّر والإطالة التي تُمِلّ، تقرؤه فتخرج بفقه المسألة على مذهب أحمد دون كدٍّ ولا عناء. وهذا سرُّ بقائه كتابًا مدرسيًّا لا يُستغنى عنه في حلقات الحنابلة.
جرى «الروض المربع» على ترتيب كتب الفقه الحنبلي المعهود، فبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة وما يتّصل بها من الأذان والإمامة وصلاة الجماعة والجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء، ثم الجنائز، فالزكاة، فالصيام، فالحجّ والعُمرة. فيجد القارئ فقه العبادات مبسوطًا على وجهه، مقرَّرًا فيه معتمد المذهب، مبيَّنةً فيه شروطُ كل عبادةٍ وأركانها وواجباتها ومبطلاتها.
ثم ينتقل إلى فقه المعاملات، فيتناول البيوع والرِّبا والخيار والسَّلَم والرهن والضمان والحوالة والشركة والوكالة، والإجارة والعارية والوقف والهبة والوصايا والفرائض، ويعقد أبواب النكاح والصداق والخُلع والطلاق والعِدد والرضاع والنفقات، ثم الجنايات والديات والحدود والجهاد، فالأطعمة والأيمان والنذور والقضاء والشهادات والإقرار. فأحاط الكتاب على وجازته بأبواب الفقه كلها، من عبادة العبد لربّه إلى معاملته للناس وحكمه بينهم.
وبهذا الاستيعاب صار «الروض المربع» صورةً مصغَّرةً للمذهب الحنبلي كلّه، يحمله الطالب في حجمٍ يسير، فيجد فيه حكم النازلة التي تعرض له في عبادته ومعاملته وأحواله. ومن أراد الدليل والتوسّع رجع إلى المطوّلات، ومن أراد الحكم مجرَّدًا محرَّرًا وجده هنا في يُسر.
تبوّأ «الروض المربع» مكانة الصدارة بين كتب التدريس في المذهب الحنبلي، فصار المدخل الذي يعبر منه الطالب من حفظ المتن إلى فقه المسائل، لا سيّما في نجد والجزيرة العربية حيث عُني به علماؤها درسًا وإقراءً وتحشية. وقلّ أن يتخرّج طالبٌ في الفقه الحنبلي لم يقرأ «الروض» أو يُدرّسه، حتى صار من شعائر التعليم في حلقات الحنابلة.
وقد اعتنى العلماء بالتحشية عليه عناية بالغة، فأشهر حواشيه «حاشية الروض المربع» للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي، وهي حاشيةٌ واسعة في نحو سبعة مجلّدات، جمع فيها فوائد المذهب وأدلّته وفروعه، فصارت مرجعًا مستقلًّا. ومن حواشيه المعروفة «حاشية العنقري» للشيخ حمد بن ناصر العنقري، وقد طُبع الكتاب مرارًا مفردًا ومقرونًا بحواشيه وشروحه المعاصرة.
ويستمدّ «الروض» جانبًا من مكانته من كون مؤلّفه هو محرّر المذهب عند المتأخّرين؛ فإنّ مدار المعتمد عند الحنابلة على ما استقرّ في كتب البهوتي، ولذلك جرى في المذهب أصلٌ في تحرير الراجح يُبنى على شرحيه الكبيرين لـ«المنتهى» و«الإقناع». وهذا يزيد شرحَه الصغير قربًا من قلوب طلبة المذهب وثقةً في تقريره للأحكام.
إذا اختلف صاحبا «المنتهى» و«الإقناع»، فالمعتمد ما في «المنتهى».
افتح الكتاب وابدأ من كتاب الطهارة، وسِرْ في أبوابه على ترتيب الفقهاء بابًا بعد باب. ستجد كلمات «زاد المستقنع» ممتزجةً بشرح البهوتي، فتقرأ المتن والشرح في سياقٍ واحد، وتخرج من كل مسألةٍ بحكمها المعتمد في المذهب الحنبلي. ولا يضرّك أن تبدأ بالباب الذي يعنيك، كالصلاة أو الصيام أو الزكاة، لتقرأ فقهه محرَّرًا موجزًا.
اجعله رفيقك في تعلّم الفقه الحنبلي: اقرأ المسألة، ثم تأمّل قيودها وشروطها كما حرّرها الشارح، فإذا أردت التوسّع في الدليل رجعت إلى المطوّلات. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، تتنقّل بين أبوابه بيُسر، وتصل إلى أيّ مسألةٍ تريدها في لحظات، فابدأ رحلتك في فقه الإمام أحمد من هذا الروض.
النص الكامل بين يديك
الروض المربع كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن