عن الكتاب
في نيسابور، درّة خراسان ومجمع علمائها في القرن الخامس، نشأ فتىً عربيٌّ من بني قُشَير قدِم المدينة ليتعلّم ما يُعينه على تدبير أمر قريته، فما راعَه إلا مجلس الأستاذ أبي علي الدقّاق يصرفه عن الدنيا إلى طريق القوم، فسلك الطريق حتى صار إمامها غير مُنازَع. جمع الله له ما تفرّق في غيره: فقهًا شافعيًّا، وأصولًا على مذهب الأشعري، وحديثًا يرويه بأسانيده، وتفسيرًا وذوقًا وإشارة. ولمّا رأى الطريق قد دخله من ليس من أهله، وانقرض أكثر مُحقِّقي القوم، وخُشِيَ على علم التصوف أن يندرس، بعث إلى صوفية بلدان الإسلام رسالةً يؤصّل بها الطريق على الكتاب والسنّة، ويردّه إلى سِيَر الأوائل ومقاماتهم وأحوالهم. فكانت تلك الرسالة أشهرَ ما كُتب في تأصيل التصوف السنّي وأبقاه على الألسنة: «الرسالة القشيرية».

هو الإمام الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري النيسابوري، وُلد سنة ستٍّ وسبعين وثلاثمائة بناحية أُستُوا من نواحي نيسابور، في بيتٍ عربيٍّ من بني قُشَير. نشأ يتيمًا مُقبِلًا على الأدب والفروسية، ثم قدِم نيسابور فتىً يطلب ما يُعينه على تدبير أمر قريته وأداء خراجها، فجلس إلى الأستاذ أبي علي الحسن بن علي الدقّاق شيخ الطريقة يومئذٍ، فأخذ بمجامع قلبه، فلزمه وسلك على يده، حتى زوّجه ابنته فاطمة، وصار وارث علمه وحاله ومجلسه من بعده.
ولم يقتصر القشيري على التصوف وحده، بل جمع أشتات العلوم في زمنٍ كانت نيسابور فيه حاضرةَ الشافعية والأشاعرة؛ فتفقّه على مذهب الشافعي، وأخذ الأصول والكلام عن أبي بكر بن فُورَك وأبي إسحاق الإسفراييني، وأخذ طريق القوم وأخبارهم عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي صاحب «طبقات الصوفية»، وسمع الحديث ورواه بأسانيده. فصار جامعًا بين الشريعة والحقيقة، فقيهًا مُحدِّثًا أصوليًّا مُفسِّرًا صوفيًّا، وهو القليل في أهل الطريق.
وقد خلّف القشيري مصنّفاتٍ نفيسةً تشهد بسعة علمه، منها تفسيرُه «لطائف الإشارات» الذي فسّر به القرآن كلَّه على طريقة أهل الإشارة، و«التحبير في علم التذكير» في شرح أسماء الله الحسنى، و«شكاية أهل السنة» فيما نالهم من المحنة، وأعظمها أثرًا وأبقاها ذكرًا «الرسالة» التي عُرِف بها ونُسبت إليه. أثنى عليه معاصروه ومَن جاء بعده من المؤرّخين، وعدّوه شيخ خراسان وإمام وقته في الجمع بين علم الظاهر وعلم الباطن. وبقي بنيسابور مُعظَّمًا مُبجَّلًا حتى توفّي بها سنة خمسٍ وستّين وأربعمائة، فدُفن إلى جانب أستاذه الدقّاق.
عاش القشيري في خراسان أيّام دولة السلاجقة، حين كانت نيسابور تموج بحلقات الفقه والحديث والكلام والتصوف، وكان لأهل الطريق فيها مجالسُ عامرة ورجالٌ مُحقِّقون. غير أنّ ذلك العصر شهد كذلك محنةً قاسيةً نالت الأشاعرة أيّام وزارة عميد المُلك الكُندري، فأُوذي أعلامهم ومُنعوا من مجالسهم، وكان القشيري في طليعة من مسّتْه تلك المحنة، حتى صنّف فيها رسالته «شكاية أهل السنة»؛ ثم فُرِّج عنهم بعدُ في أيّام الوزير نظام المُلك الذي أكرم العلماء والصوفية وبنى لهم المدارس.
وفي خِضمّ ذلك رأى القشيري ما رأى من تبدُّل أحوال الناس مع الطريق؛ فقد انقرض أكثر المُحقِّقين من شيوخ القوم الذين عرفوا حقائق المقامات، وخلَفهم قومٌ تعلّقوا بالرسم دون المعنى، وتساهلوا في الشريعة باسم الحقيقة، ودخل في زُمرة المُتصوّفة من ليس منهم فأساؤوا إلى الطريق. فحمله ذلك على أن يكتب كتابًا يحفظ به أصول القوم الأوائل، ويردّ الناس إلى سِيَرهم وآدابهم، ويقيم التصوف على قواعد الكتاب والسنّة، فلا يبقى للمُدّعي حجّة، ولا للطاعن على القوم مطعن.
فبعث القشيري كتابه هذا رسالةً موجَّهةً إلى جماعة الصوفية في بلدان الإسلام قرابة سنة سبعٍ وثلاثين وأربعمائة، افتتحها باسمه وبيان مقصده منها، ولذلك سُمّيت «الرسالة»؛ فهي في أصلها خطابٌ من إمامٍ ناصحٍ إلى أهل طريقٍ يخشى عليهم أن يضيع تراثهم. وقد جاءت في وقتها تمامًا، فتلقّتها الأمّة بالقبول، وصارت الوثيقة التي تُعرَّف بها طريقةُ القوم الصحيحة، والميزان الذي يُوزَن به دعوى المُتصوّفة على مرّ القرون.
بنى القشيري رسالته على نظامٍ محكمٍ يبدأ من الأصول ثم يتدرّج إلى الفروع والأحوال. فصدّرها بخطبةٍ بيّن فيها باعثه على التأليف وحال الطريق في زمانه، ثم ثنّى بفصلٍ في عقيدة القوم في مسائل التوحيد، أثبت فيه أنّ مُحقِّقي الصوفية على معتقد أهل السنّة والجماعة، لا يفارقونهم في أصول الدين؛ وبهذا الفصل جعل الكتاب من أوّله مُؤسَّسًا على العقيدة الصحيحة، دفعًا لتوهُّم أنّ للقوم مذهبًا في الاعتقاد يخالف مذهب أهل السنّة.
ثم أتبع ذلك بذكر تراجم شيوخ هذه الطريقة، فترجم لعددٍ كبيرٍ من أعلام القوم بلغوا نحوًا من ثلاثةٍ وثمانين شيخًا، بدأهم بإبراهيم بن أدهم والفُضيل بن عياض وذي النون المصري، وساق سِيَرهم وأقوالهم الجامعة، حتى انتهى إلى مَن قارب عصره. ثم عقد بابًا نفيسًا في تفسير الألفاظ التي تدور بين القوم وتلتبس على غيرهم، كالوقت والمقام والحال، والقبض والبسط، والهيبة والأُنس، والجمع والفرق، والفناء والبقاء؛ ففكّ بذلك رموز اصطلاحهم وقرّبها إلى الأفهام.
ثم جاء لُبُّ الكتاب وأطولُه: أبوابٌ مُتتابعةٌ تقارب الخمسين، عقد كلَّ بابٍ منها لمقامٍ من مقامات السالكين أو حالٍ من أحوال القلوب؛ كالتوبة والمجاهدة والخلوة والتقوى والورع والزهد والصمت والخوف والرجاء والصبر والرضا والتوكل والشكر والإخلاص والصدق والمراقبة والمحبّة والشوق والأدب والسماع. ثم ختم رسالته بوصيّةٍ جامعةٍ للمريدين، حَشَد فيها آداب الطريق ونصائحه؛ فجاء الكتاب كأنّه منهاجٌ كاملٌ للسلوك، من تصحيح العقيدة، إلى معرفة الرجال، إلى فهم المصطلح، إلى ترقّي المقامات.
ما يميّز «الرسالة القشيرية» عن كثيرٍ مما كُتب في بابها أنّها لم تكتفِ بحكاية أحوال القوم وشطحاتهم، بل جعلت همّها الأكبر ردَّ التصوف إلى أصله من الوحي. فطريقة القشيري في كلِّ بابٍ أن يُصدِّره بآيةٍ من كتاب الله تدلّ على معنى ذلك المقام، ثم يتبعها بحديثٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوقه بإسناده، فهو مُحدِّثٌ يروي بالأسانيد لا يُرسِل القول إرسالًا، ثم يُردف ذلك بأقوال الشيوخ وحكاياتهم في ذلك المعنى. وبهذا الترتيب صار كلُّ مقامٍ مُؤصَّلًا على الكتاب والسنّة قبل أن يُنسب إلى أحدٍ من القوم.
وكان القشيري في ذلك حريصًا على أن يُبيِّن أنّ الحقيقة لا تنفكّ عن الشريعة، وأنّ كلَّ حالٍ لا يشهد له ظاهرُ الدين فهو مردود؛ فهو يحكي أحوال القوم ويعتذر لهم أحيانًا، لكنّه يزنها بميزان الكتاب والسنّة، ويُنكِر على من تعلّق بالدعوى دون الاتّباع. ولهذا صارت رسالته حصنًا للتصوف السنّي في وجه الطاعنين من جهة، وفي وجه المُتنطِّعين المُدّعين من جهةٍ أخرى؛ إذ أثبتت أنّ الطريق الصحيح إنما هو تحقيقٌ للإيمان والإحسان في ظلّ السنّة، لا خروجٌ عليها.
وقد لخّص القشيري روح هذا المنهج بما نقله عن سادات القوم من أنّ مدار الطريق كلِّه على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ من لم يزِنْ أحواله وأوقاته بالكتاب والسنّة فلا يُعتدّ بحاله؛ وهو المعنى الذي عبّر عنه إمام الطائفة الجُنيد بعبارته السائرة التي يُردِّدها أهل الطريق.
الطُّرُقُ كلُّها مسدودةٌ على الخلق، إلا مَن اقتفى أثرَ الرسول صلى الله عليه وسلم.
تبوّأت «الرسالة القشيرية» منذ ظهورها مكانةً لم يبلغها كتابٌ في بابها؛ فصارت أشهرَ أصول التصوف السنّي وأكثرها تداولًا وحفظًا وتدريسًا، وعُدّت مع «إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي و«عوارف المعارف» للسُّهروردي أركانَ المكتبة الصوفية السنّية التي لا يستغني عنها سالكٌ ولا باحث. بل إنّها مهّدت الطريق لِما جاء بعدها من التأصيل، وكان لها في تقريب الطريق إلى أهل العلم أثرٌ بيّن، لِما جمعت من صحّة العقيدة ومتانة الاستدلال وجودة الترتيب.
ولمنزلتها هذه أقبل عليها العلماء شرحًا وتحريرًا وخدمة؛ فشرحها شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في كتابه «إحكام الدلالة على تحرير الرسالة»، وشرحها مصطفى العروسي في «نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية»، وكتب عليها غيرُهما تعليقاتٍ وحواشيَ كثيرة، ونُقلت إلى غير لسانٍ من ألسنة المسلمين. وظلّت مادّةً تُدرَّس في حلقات التزكية والسلوك جيلًا بعد جيل، يعتمدها الشيوخ في تربية المريدين، ويرجع إليها الكاتبون في التصوف على اختلاف مشاربهم.
وقد طُبعت «الرسالة» مِرارًا في القديم والحديث، وحُقِّقت تحقيقاتٍ عُنيت بضبط نصّها وتخريج أحاديثها والتعريف بأعلامها؛ فاستقرّت بين يدي طلّاب العلم مرجعًا لا يُستغنى عنه في معرفة اصطلاح القوم وسِيَر أوائلهم ومقاماتهم. وبذلك حقّق الكتاب مقصد صاحبه الذي كتبه من أجله: أن يبقى للطريق الصحيح ميزانٌ يُرجَع إليه، ونصٌّ يحفظ تراث القوم من الاندراس والتحريف على تعاقب القرون.
تُقرأ «الرسالة القشيرية» على أكثر من وجه؛ فمن أرادها منهاجًا في السلوك قرأها على ترتيبها: يبدأ بخطبتها وفصل العقيدة ليضبط الأصل، ثم يمرّ على تراجم الشيوخ وباب المصطلحات ليألف لسان القوم، ثم يتدرّج في أبواب المقامات والأحوال بابًا بابًا كأنّه يصعد سُلَّمًا. ومن أراد بابًا بعينه، كالتوبة أو الصبر أو الرضا أو المحبّة، قصده مباشرةً فقرأ فيه آيته وحديثه وأقوال القوم فيه، فخرج منه بزادٍ في ذلك المعنى وحده.
واقرأها قراءة المُتأمِّل الذي يزن حكايات القوم بميزان الكتاب والسنّة كما أرادها صاحبها، لا قراءة المُتفرِّج على الغرائب؛ فإنّها كُتبت تربيةً وتأصيلًا لا تسليةً. وأيسر طريقٍ إلى بابها أو مصطلحها أن تبحث عنه في نصّ الكتاب على رحلة فيوصلك البحث إلى موضعه في لحظات. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فادخل إليه من الباب الذي تريد، واقرأ في أشهر ما كُتب في تأصيل التصوف السنّي وأجمعه لسِيَر القوم ومقاماتهم.
النص الكامل بين يديك
الرسالة القشيرية كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن عبد الوهاب
1 فصل

محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
1 فصل

محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
1 فصل

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
1 فصل

ابن أبي العز الحنفي
1 فصل

تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية
1 فصل