عن الكتاب
تخيّل أنّ الرجال جاؤوا يومًا من كوكب المريخ، وأنّ النساء هبطن من كوكب الزهرة، فالتقوا على الأرض وأحبّوا بعضهم بعضًا، ثمّ أصابهم النسيان فظنّ كلٌّ منهم أنّ الآخر يفكّر ويشعر ويتكلّم مثله تمامًا. من هذه الصورة الطريفة ينطلق جون غراي ليقول إنّ أكثر ما يعكّر صفو العلاقات ليس نقصًا في الحبّ، بل جهلٌ بأنّ الرجل والمرأة يختلفان في طرائق التعبير ومواجهة الضغوط والحاجة إلى القرب والبُعد. وحين نفهم هذا الاختلاف بدل أن نصارعه، تتبدّل لغة البيت من عتابٍ وسوء فهمٍ إلى تقديرٍ وتفاهم. هذه هي خلاصة «الرجال من المريخ والنساء من الزهرة».

تقوم فكرة الكتاب كلّها على استعارةٍ واحدةٍ ممتدّة: أنّ الرجل والمرأة أشبه بكائنين وفدا من كوكبين مختلفين، لكلٍّ منهما لغته وعاداته وطريقته في الحبّ والغضب والصمت. وحين يتوقّع كلٌّ منهما أن يتصرّف الآخر ويتكلّم ويشعر تمامًا كما يفعل هو، يقع سوء الفهم، وتتحوّل الفروق الطبيعية إلى خصامٍ لا ينتهي.
ورسالة غراي أنّ الحلّ ليس في أن يتغيّر أحد الطرفين ليصير نسخةً من الآخر، بل في أن يعترف كلٌّ منهما بأنّ للآخر منطقًا مختلفًا محترمًا، فيكفّ عن محاولة «إصلاحه». فالمرأة حين تشكو لا تطلب دائمًا حلًّا بل أذنًا تصغي، والرجل حين يصمت لا يرفض شريكته بل يحتاج مساحةً يجمع فيها نفسه؛ ومتى فُهم هذا الاختلاف زال كثيرٌ من الجفاء.
وبهذا يقدّم الكتاب نفسه لا كنظريةٍ في علم النفس بقدر ما هو دليلٌ عمليٌّ في فنّ التفاهم، يخاطب الأزواج والمخطوبين وكلّ من تعنيه العلاقة بين الرجل والمرأة، بلغةٍ بسيطةٍ محبّبةٍ تكثر فيها الأمثلة من الحياة اليومية.
جون غراي كاتبٌ ومحاضرٌ ومستشارُ علاقاتٍ أمريكيّ من مواليد عام 1951م، اشتغل سنواتٍ طويلةً في الإرشاد الأسريّ وتقديم الدورات والمحاضرات عن التواصل بين الأزواج، قبل أن يذيع صيته على نطاقٍ واسعٍ بهذا الكتاب.
استمدّ غراي مادّته من خبرته المباشرة مع آلاف الحالات في ورش العمل والاستشارات، فجاء أسلوبه قريبًا من همّ القارئ العاديّ، بعيدًا عن التعقيد الأكاديميّ. وبنجاح الكتاب تحوّل اسم «المريخ والزهرة» إلى علامةٍ قائمةٍ بذاتها، فأتبعه بسلسلةٍ من المؤلّفات والدورات وبرامج الاستشارة التي تدور حول الفكرة نفسها.
وبهذا صار غراي واحدًا من أشهر وجوه أدب تطوير العلاقات في العالم، اسمًا يتردّد كلّما جرى الحديث عن الفروق بين الرجل والمرأة وسبل التفاهم بينهما، وإن ظلّ عمله محلّ نقاشٍ بين مؤيّدٍ لبساطته النافعة ومتحفّظٍ على تعميماته.
من أشهر ما رسّخه الكتاب في أذهان قرّائه صورة «الكهف»؛ إذ يرى غراي أنّ الرجل حين يواجه ضغطًا أو مشكلةً يميل إلى الانكفاء على نفسه ليعالجها في صمتٍ ووحدة، فينسحب إلى «كهفه» مؤقّتًا. والمرأة قد تفسّر هذا الانسحاب رفضًا أو بردًا في المشاعر، بينما هو في حقيقته حاجةٌ إلى مساحةٍ يعود بعدها أقرب ممّا كان.
وفي المقابل يصف الكتاب مشاعر المرأة بـ«الموجة» التي تعلو وتهبط في دوراتٍ متعاقبة؛ فحين تبلغ الموجة قاعها تحتاج المرأة إلى من يصغي إليها ويطمئنها ويشاركها إحساسها، لا إلى من يسارع بتقديم الحلول. ومن هنا ذلك التنافر المألوف: الرجل يظنّ أنّه ينفع بأن «يصلح»، والمرأة تريد أوّلًا أن تُسمَع وتُحتوى.
ويضيف غراي صورًا أخرى صارت متداولة، منها «الشريط المطاطي» في وصف حاجة الرجل إلى التباعد ثمّ الاقتراب في دوراتٍ متجدّدة، وفكرة أنّ الرجل يتوق إلى أن يشعر بأنّه مطلوبٌ ومُقدَّر، بينما تتوق المرأة إلى أن تشعر بأنّها محبوبةٌ ومرعيّة. وهذه الصور البسيطة هي التي جعلت أفكار الكتاب سهلة الحفظ والتداول.
منذ صدوره عام 1992م حقّق الكتاب رواجًا نادرًا؛ فبِيعت منه ملايين النسخ، وتُرجم إلى عشرات اللغات، وتصدّر قوائم الأكثر مبيعًا سنواتٍ طويلة حتى عُدّ من أشهر كتب تطوير العلاقات على الإطلاق. ولم يقتصر أثره على القرّاء، بل امتدّ إلى الحديث اليوميّ حتى صار عنوانه عبارةً جاهزةً تُقال كلّما أراد الناس التعبير عن اختلاف الرجل والمرأة.
يعود جانبٌ من هذا النجاح إلى بساطة الفكرة وقابليّتها للتلخيص في صورةٍ واحدةٍ يسهل تذكّرها، وإلى أنّ الكتاب لامس همًّا يشترك فيه البشر على اختلاف ثقافاتهم: سوء التفاهم بين الشريكين. فقدّم لكلٍّ منهما مفتاحًا يشعر معه أنّ سلوك الآخر صار مفهومًا لا محبطًا.
وقد تفرّعت عن هذا الرواج صناعةٌ كاملة؛ إذ أتبع غراي كتابه بسلسلةٍ من العناوين والدورات وورش العمل والبرامج المبنيّة على الفكرة نفسها، حتى غدا «المريخ والزهرة» اسمًا تجاريًّا وعلامةً في عالم الاستشارات الزوجية، لا مجرّد كتابٍ واحد.
رأى كثيرٌ من القرّاء في الكتاب عونًا عمليًّا؛ إذ منحهم لغةً بسيطةً يفهمون بها ما كان يبدو لهم غامضًا في سلوك الشريك، وخفّف من حدّة الخصومات حين علّمهم أن ينسبوا بعض الفروق إلى الطبع لا إلى سوء النيّة. ولهذا يعدّه أنصاره مدخلًا مصالِحًا يعيد الرفق إلى البيوت.
في المقابل وجّه إليه نقّادٌ ومختصّون مؤاخذاتٍ جوهرية؛ فرأوا أنّه يبالغ في التعميم ويقسّم الناس قسمين حادّين بحسب الجنس، ويرسّخ صورًا نمطيةً قد لا تصدق على كثيرٍ من الأفراد، كما أخذوا عليه أنّ استنتاجاته أقرب إلى الملاحظة الشخصية منها إلى البحث العلميّ المحكّم.
وبين هذا وذاك يبقى موقعٌ وسطٌ يتبنّاه قرّاءٌ كثيرون: أن يُقرأ الكتاب بوصفه مجموعةً من الصور المُلهِمة والنصائح العملية عن أهمّية الإصغاء واحترام اختلاف الشريك، لا بوصفه قانونًا صارمًا ينطبق على كلّ رجلٍ وكلّ امرأة بلا استثناء.
يناسب الكتاب المتزوّجين والمخطوبين وكلّ من يعنيه تحسين تواصله مع شريكه، ومن يبحث عن مدخلٍ سهلٍ ممتعٍ إلى فهم الفروق بين الرجل والمرأة بلا تعقيد. وهو مفيدٌ خاصّةً لمن يشكو تكرار سوء الفهم في علاقته، فيجد فيه صورًا تعينه على تسمية المشكلة قبل معالجتها.
أمّا من يبحث عن تحليلٍ علميٍّ دقيقٍ أو يتحفّظ على تقسيم الناس بحسب الجنس، فقد يستفيد من الكتاب على مضضٍ ويأخذ منه ما ينفع ويترك ما يراه مبالغًا فيه. والأفضل قراءته بروح المنتفع لا المسلّم، فيقيس أفكاره على واقعه هو وشريكه.
ونقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يضعك على أعتاب فكرة الكتاب ومصطلحاته وسرّ رواجه، دون أن نستضيف نصّه الكامل. فالكتاب من الأعمال العالمية المترجمة المتوفّرة لدى ناشريها وفي المكتبات، ونحن هنا نوجز لك خلاصته ونشير إلى مكانته لتقرّر إن كان وجهتك القادمة في القراءة.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون