عن الكتاب
في حارةٍ مصريةٍ قديمةٍ لا اسم لها ولا زمان محدّد، تتعاقب الأجيالُ كما تتعاقب فصولُ السنة: يولد الأقوياء فيحكمون، ثم يشيخون فيسقطون، ويرث أبناؤهم المجدَ والخطيئةَ معًا. هناك، بين المقهى والتكيّة والقبور، يعيش «الحرافيش»، فقراءُ الحارة وكادحوها، يحلمون بفتوّةٍ عادلٍ يرفع عنهم الظلم، فما يكاد الحلمُ يتحقّق حتى يخونه الزمن، ثم يُبعَث في جيلٍ جديد. من هذا العالم الصغير الذي يتّسع حتى يصير رمزًا للإنسان كلّه، نسج نجيب محفوظ واحدةً من أعظم ملاحمه الروائية: «الحرافيش».

«الحرافيش» ليست روايةً بحبكةٍ واحدةٍ ممتدّة، بل ملحمةٌ من عشر حكاياتٍ متّصلةٍ يتوارثها جيلٌ عن جيلٍ في حارةٍ مصريةٍ لا تُذكر لها مدينةٌ ولا حقبة، حتى تبدو خارج الزمان بقدر ما هي في صميمه. مسرحُ الأحداث كلّه هذه الحارة الصغيرة بمقهاها ودروبها وسبيلها ومقابرها والتكيّة القائمة عند طرفها، وأبطالها هم أبناء أسرةٍ واحدةٍ هي «آل الناجي» الذين يتناسلون ويتصارعون ويصعدون ويهبطون على مرّ الأجيال.
يدور جوهر الحكايات حول «الفتوّة»؛ وهو في عُرف الحارة القويُّ الذي يُفترض أن يحمي الضعفاء ويقيم العدل ويردّ البغي عن أهلها. لكنّ هذا الموقع نفسه هو مبعث الفتنة: فالقوّة التي وُهبت لحماية الناس سرعان ما تُغري صاحبها بالتسلّط عليهم وابتزازهم، فيتحوّل الحامي إلى جابٍ للإتاوات وطاغيةٍ صغير. وهكذا تصبح الحارة صورةً مصغّرةً للمجتمع الإنساني كلّه، تتردّد فيها أبدًا المسافةُ بين السلطة كما ينبغي أن تكون وكما تصير في الواقع.
يفتتح الملحمةَ ويظلّلها من أوّلها إلى آخرها ظلُّ الجدّ الأوّل: عاشور الناجي. يُروى أنه وُجد رضيعًا لقيطًا فربّاه شيخٌ ضريرٌ من أهل الحارة، ثم شبّ فتىً هائل القوّة عظيم الخِلقة، حتى صار فتوّةً يهابه الأقوياء ويأوي إليه الضعفاء. وبه بدأ حلمُ العدل الذي ستطارده الأجيالُ من بعده ولا تكاد تمسكه.
وتُروى عن عاشور حكايةٌ تشبه الأساطير: كيف نجا هو وأهله من وباءٍ فتّاكٍ اجتاح الحارة وأفناها، فعاد إليها بعد انحساره ليقيم فيها حكمًا رحيمًا يرفع الظلم عن الفقراء. ثم اختفى فجأةً اختفاءً غامضًا لم يُعرف له تفسير، فتحوّل في وجدان الحارة إلى أسطورةٍ خالدة، ينتظر الناسُ عودته كلّما اشتدّ عليهم الجَور. تظلّ هذه السيرة الأولى هي المعيار الذهبي الذي يُقاس عليه كلُّ من جاء بعده من نسله، فلا يبلغه أحد.
تنهض «الحرافيش» على فكرةٍ مؤرِّقة: أنّ التاريخ يدور في حلقةٍ لا تنتهي. فكلّ جيلٍ يبدأ بحلمٍ نبيلٍ في إقامة العدل، ثم لا تلبث القوّةُ أن تُفسد صاحبها، فينحدر ورثةُ الناجي من حُماةٍ للفقراء إلى طُغاةٍ يستأثرون بالمال والجاه، حتى يأتي من يثور عليهم فيعيد الكرّة من جديد. إنها مأساةُ السلطة حين تنسى الغايةَ التي وُجدت من أجلها.
وفي مقابل هذا الصعود والهبوط يقف «الحرافيش» أنفسهم، كادحو الحارة وفقراؤها، كأنهم ضميرها الباقي وذاكرتها الحيّة. هم الذين يدفعون ثمن جشع الأقوياء، وهم الذين يحملون في صدورهم أبدًا حنينًا إلى العدل الغائب. وبينما تتبدّل الوجوه والأسماء، يبقى حلمُ الجدّ الأوّل كامنًا تحت الرماد، يخبو في زمنٍ ويتوهّج في زمن، ولا يموت.
من أبرز ما يميّز هذه الرواية حضورُ «التكيّة» القائمة عند طرف الحارة، حيث يترنّم الدراويش بابتهالاتٍ وأناشيدَ بلسانٍ غريبٍ لا يفهمه أحدٌ من أهل الحارة. تظلّ أبوابها موصدةً في وجوههم، وتظلّ ألحانها تنساب إليهم من وراء الجدار كصوتٍ آتٍ من عالمٍ آخر، قريبٍ في المكان بعيدٍ في المعنى.
ترمز التكيّة وابتهالاتُها المبهمة إلى المطلق والحقيقة الروحية التي يتوق إليها الإنسان ولا يكاد يبلغها، وتلقي على الملحمة كلّها ظلالًا صوفيّةً هادئة. فبينما ينشغل أبناء الناجي بصراع القوّة والمال، يظلّ هذا النداءُ الخفيّ يذكّرهم بأنّ ثمّة معنىً أسمى فوق ما يتقاتلون عليه. وهذا المزجُ بين واقعية الحارة الخشنة ونفحة الغيب الشفيفة من أخصّ ما تُعرف به «الحرافيش».
نجيب محفوظ (1911–2006) هو كبيرُ روائيّي العربية في القرن العشرين، وابنُ القاهرة الذي جعل من حاراتها وأزقّتها عالمًا روائيًّا كاملًا. أثرى المكتبة العربية بعشرات الروايات والمجموعات القصصية، من «ثلاثية القاهرة» إلى «أولاد حارتنا» و«زقاق المدق» و«اللص والكلاب»، وفي عام 1988 صار أوّل أديبٍ عربيٍّ، ولا يزال الوحيد حتى اليوم، يفوز بجائزة نوبل في الآداب، فحمل اسم الرواية العربية إلى العالم.
تنتمي «الحرافيش» إلى طَورٍ متأخّرٍ ناضجٍ من مسيرته، مال فيه إلى النَّفَس الأسطوري والرمزي بعد واقعية أعماله الأولى. ويعدّها كثيرٌ من النقّاد والقرّاء من أجمل ما كتب وأعمقه، إذ لخّص فيها هواجسه الكبرى عن السلطة والعدل والزمن والخلود في قالبٍ يشبه الملاحم الشعبية القديمة، مستلهمًا فضاء الحارة الذي ظلّ وفيًّا له طوال حياته.
رسّخت «الحرافيش» مكانتها بوصفها إحدى ذُرى الرواية العربية الحديثة، وشغلت النقّادَ بقراءاتٍ لا تنتهي في رمزيتها وبنيتها الملحمية. وتجاوز حضورها صفحات الكتاب إلى الشاشة، فاستُلهمت من حكاياتها أعمالٌ سينمائيةٌ مصرية، من أشهرها فيلم «الجوع» (1986) للمخرج علي بدرخان، ممّا زاد قصّتها رسوخًا في الوجدان الشعبي.
هي روايةٌ لمحبّي الأدب العربي الرصين ولكلّ قارئٍ يبحث عن عملٍ يجمع بين متعة الحكاية وعمق السؤال الإنساني عن العدل والسلطة ومعنى الوجود. من أحبّ «ثلاثية القاهرة» أو انشدّ إلى عوالم محفوظ سيجد هنا خلاصةَ حكمته في ثوبٍ أسطوريٍّ آسر.
نقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يعينك على معرفة الرواية وأجوائها قبل أن تقرأها، دون أن نستضيف نصّها الكامل. والرواية متوفّرةٌ لدى دور النشر والمكتبات، ونحن هنا نضعك على أوّل الطريق إليها ونوجز لك عالمها وأسباب مكانتها.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون