عن الكتاب
حين سقطت قرطبة حاضرةُ العلم في الأندلس، حمل رجلٌ من علمائها زادَه من الحفظ والفهم وشدّ الرحال إلى المشرق، حتى استقرّ في قريةٍ وادعةٍ على ضفاف النيل بصعيد مصر، فآثر العزلة والعبادة والتصنيف على مجالس الأمراء. هناك انكبّ سنواتٍ على كتاب الله يفسّره آيةً آيةً، يجمع أقوال المفسّرين وينسبها إلى أهلها، ويستخرج من الآيات أحكام الحلال والحرام، ويوازن بين المذاهب بإنصافٍ لا يعرف العصبية. فخرج من ذلك سِفرٌ صار عمدةَ من أراد فقه القرآن، ومَعينًا لا ينضب للفقيه والمفسّر واللغوي معًا. إنه «الجامع لأحكام القرآن والمبيّن لما تضمّنه من السنة وآي الفرقان» للإمام أبي عبد الله القرطبي، المعروف اختصارًا بتفسير القرطبي.

هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، وُلد ونشأ بقرطبة، كبرى حواضر العلم في الأندلس، فتلقّى بها القراءات والعربية والفقه والحديث عن شيوخ بلده، ونهل من تراثٍ أندلسيٍّ عريقٍ في خدمة الكتاب والسنة. جمع إلى سعة العلم زهدًا وورعًا وانقطاعًا عن الدنيا، حتى صار يُضرب به المثل في التجرّد والتعبّد، فلم تشغله الرئاسة ولا مخالطة أهل الجاه عن كتبه ومحرابه.
ولم يكن القرطبي مفسّرًا فحسب، بل كان فقيهًا مالكيّ المذهب واسع الاطّلاع على مذاهب الفقهاء، محدِّثًا عارفًا بالرجال، عالمًا بالقراءات ووجوهها، بصيرًا بلسان العرب وأشعارها. وترك مع تفسيره تصانيف نافعة، أشهرها «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» الذي سارت به الرُّكبان، و«الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»، و«قمع الحرص بالزهد والقناعة»، فدلّت مؤلفاته على رجلٍ يجمع بين تحقيق العلم ورقّة القلب والعناية بأمر الآخرة.
ولمّا اضطربت الأندلس وسقطت قرطبة في أيدي النصارى سنة 633 هـ، كان القرطبي فيمن رحل إلى المشرق فرارًا بدينه وعلمه، فاستقرّ في مصر واختار العزلة في منية ابن خصيب بصعيدها، فأقام بها مشتغلًا بالعلم والعبادة حتى توفي سنة 671 هـ، ودُفن هناك، فبقي قبره معروفًا وكتبه أبقى وأخلد.
كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين، والزهّاد الورعين؛ تصانيفُه تدلّ على كثرة اطّلاعه ووفور فضله.
عاش القرطبي في القرن السابع الهجري، وهو زمنٌ تتقاذفه المحن: الأندلس تتساقط مدنُها مدينةً بعد مدينة، والمشرق يئنّ من زحف التتار الذين أسقطوا بغداد سنة 656 هـ. في هذا الجوّ المشحون بالخوف على مصير الأمة وعلومها، اختار جيلٌ من العلماء أن يحفظوا للأمة دينها بالتصنيف والتدوين، فكان الكتاب حصنًا يُبقي العلم حين تضيع الديار. ومن رحم هذه المحنة الأندلسية خرج تفسير القرطبي، ثمرةَ عالمٍ نُزع من وطنه فغرس علمه في أرضٍ جديدة.
أما دافع التأليف فقد أفصح عنه القرطبي في مقدمته إفصاحًا جميلًا: رأى أنّ أشرف ما يفني المرء فيه عمره خدمةُ كتاب الله، فعزم أن يكتب فيه تفسيرًا يجمع نُكَت العلوم كلها، ويُعنى على وجه الخصوص باستخراج الأحكام الفقهية من الآيات، إذ رأى كثيرًا من التفاسير تُعنى بالرواية والقصص وتقصّر في بيان ما تضمّنه القرآن من حلالٍ وحرامٍ وأدبٍ وحكمة. فجاء عنوان الكتاب «الجامع لأحكام القرآن» معلنًا عن هذه الوجهة منذ أوله.
ومع أنّ التسمية توحي بأنه كتاب أحكامٍ فقهية فحسب، فإن القارئ يجده في الحقيقة تفسيرًا جامعًا مكتمل الأركان: يفسّر كل آيةٍ من الفاتحة إلى الناس، ولا يدع سورةً ولا مقطعًا إلا وقف عنده. فالأحكام مِحوره الذي جعل له عنوانه، لكن الكتاب في جملته موسوعةٌ في التفسير تجمع علوم القرآن على اختلافها في نسقٍ واحد.
طريقة القرطبي في كتابه منضبطة واضحة المعالم: يذكر الآية، ثم يبيّن ما فيها من مسائل، فيجمع أقوال المفسّرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ويسوق أسباب النزول حيث صحّت، ويعرض القراءات ويوجّهها، ويتناول الإعراب واللغة والمعاني البلاغية، ويستشهد بكلام العرب وأشعارها. فهو يجمع بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المحمود المستند إلى الدليل، من غير أن يطغى أحدهما على الآخر.
وأبرز ما يميّزه أنه فقيهٌ يقرأ القرآن بعين الفقيه؛ فإذا مرّت به آيةٌ فيها حكم، فتح لها بابًا واسعًا يعدّ فيه المسائل عدًّا، تبلغ في الآية الواحدة عشراتِ المسائل أحيانًا، يعرض فيها أقوال المذاهب الأربعة وغيرها، ويناقش أدلّتها، ثم يرجّح ما يظهر له رجحانه بالدليل. وهو مع مالكيّته لا يتعصّب لمذهبه، بل يُنصف المخالف وقد يخرج عن قول المالكية إذا قاده الدليل إلى سواه، وهذه سِمةٌ نبيلة رفعت الكتاب فوق كتب المذهب الواحد.
ومن أخصّ خصائص منهجه أمانتُه في النقل: التزم أن يُضيف كل قولٍ إلى قائله، وكل حديثٍ إلى مصنِّفه، فلا يُرسل الأقوال مجهولةً ولا ينسب لنفسه ما هو لغيره. وقد جعل ذلك شرطًا صريحًا في مقدمته، فصار كتابه بذلك مرجعًا يوثَق بنقله، وأمانةً محفوظةً لعلم من سبقه.
وشرطي في هذا الكتاب: إضافةُ الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنِّفيها؛ لأنه يُقال: من بركة العلم أن يُضاف القولُ إلى قائله.
لا يقتصر «الجامع» على الفقه وإن حمل اسم الأحكام، بل هو مجمعٌ لعلوم القرآن كلها. فالقرطبي يُعنى بالقراءات المتواترة والشاذة ويبيّن أثرها في المعنى، ويحرّر إعراب المشكل من الآيات، ويشرح غريب الألفاظ من كلام العرب وأشعارهم، ويعرض للناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والمكي والمدني حيث يقتضيه المقام. فمن قرأ تفسير آيةٍ عنده كأنه حضر درسًا واحدًا جُمعت فيه أطراف العلوم.
ويُعنى القرطبي كذلك بالحديث والأثر عناية المحدّث، فيسوق في تفسير الآيات ما ورد فيها من الأحاديث النبوية وآثار السلف، ناسبًا إياها إلى دواوينها ومصنّفيها، ويتكلّم أحيانًا على صحّتها وضعفها. كما يتعرّض للرقائق والآداب والمواعظ، فتراه ينتقل من تحرير مسألةٍ فقهية دقيقة إلى موعظةٍ ترقّ لها القلوب، فجمع بذلك بين علم الظاهر وحياة الباطن.
ومن سِماته أيضًا انتصارُه لعقيدة أهل السنة وردُّه على أهل البدع والأهواء عند مواضع الخلاف، بأدبٍ وعلمٍ ورجوعٍ إلى الدليل. غير أنه، كغيره من المفسّرين الجامعين، قد يورد بعض الروايات الواهية والإسرائيليات في ثنايا القصص، وهو أمرٌ يعرفه أهل العلم ويتعاملون معه بالنقد والتمحيص، ولا يغضّ من قيمة الكتاب وجلالة قدره.
تبوّأ «الجامع لأحكام القرآن» مكانةً عليّة بين التفاسير منذ زمن مؤلفه، وصار العمدةَ الأولى لمن أراد الفقه المستنبَط من القرآن، فأثنى عليه العلماء وأكثروا النقل عنه، وعدّوه في طليعة تفاسير الأحكام إلى جانب «أحكام القرآن» لابن العربي والجصّاص. واعتمده من جاء بعده من المفسّرين والفقهاء، ونهل منه أهل التحقيق حين يريدون تحرير مسألةٍ من مسائل الحلال والحرام في كتاب الله.
وسرُّ خلود الكتاب أنه يجمع ما يتفرّق في غيره: سعةُ الطبري في نقل الأقوال، ودقّةُ الفقيه في المسائل، وإنصافُ من لا يتعصّب لمذهب، وعذوبةُ الواعظ في المواعظ. فهو صالحٌ لطالب الفقه، ولطالب التفسير، ولطالب اللغة، ولمن يبتغي رقائق تلين لها نفسه، ولذلك بقي مطلوبًا مقروءًا على مرّ القرون، لا تخلو منه مكتبةٌ إسلامية.
وأما طبعاته فقد عُني به المحققون؛ فأشهرها وأوسعها انتشارًا طبعة دار الكتب المصرية بتحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش في عشرين جزءًا، ثم صدرت طبعةٌ محققة متقنة عن مؤسسة الرسالة بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، اعتُنِي فيها بضبط النص وتخريج الأحاديث والآثار وعزو الأقوال، فصارت من أجود ما طُبع للكتاب وأنفعه للباحثين.
تفسير القرطبي بحرٌ واسع، وأنسب طرق الانتفاع به أن تجعله رفيقًا لتلاوتك: إذا قرأت آيةً وأشكل عليك معناها أو أردت معرفة ما فيها من حكم، ارجع إليه في موضعها، فاقرأ ما جمعه من الأقوال، وتتبّع مسائله الفقهية مسألةً مسألة، وتأمّل ترجيحه بالدليل. فبذلك تنتفع بفقهه كما تنتفع بتفسيره، وتتعلّم كيف يُستخرج الحكم من الآية.
وتجده على رحلة كاملًا مرتّبًا على ترتيب المصحف من الفاتحة إلى الناس، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي سورةٍ أو موضعٍ بضغطةٍ واحدة، فتقرأ تفسير الآية التي تريدها من غير أن تُقلّب المجلدات. ابدأ بتفسير سورةٍ تحبها، أو تتبّع آيات الأحكام في العبادات والمعاملات، واقرأ «الجامع لأحكام القرآن» كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
تفسير القرطبي كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
2123 فصلاً

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
7819 فصلاً

محمد بن أحمد + عبدالرحمن بن أبي بكر المحلي + السيوطي
1 فصل

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ)
2279 فصلاً

العلامة أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي
1 فصل