عن الكتاب
ليس كلُّ ديوانٍ في السنّة يكتفي بأن يسوق لك الحديث ثم يمضي؛ فهذا كتابٌ يأخذ بيدك بعد كلِّ حديثٍ فيخبرك بدرجته أصحيحٌ هو أم حسنٌ أم غريب، ومَن مِن الصحابة رواه، وبأيِّ قولٍ أخذ الفقهاء وعملوا، وأين اختلفوا. جمع الإمام أبو عيسى الترمذي بين علم الرواية وفقه الأحكام ونقد العلل في سِفرٍ واحدٍ، فصار زادًا للمحدّث والفقيه معًا، وشاعت على يديه لفظة «الحديث الحسن» حتى لصِقت باسمه. عدّه العلماء أحد الأصول الستة التي عليها مدار السنّة، وقال هو نفسه إن مَن كان هذا الكتاب في بيته فكأنما في بيته نبيٌّ يتكلّم. هذا هو «الجامع» المعروف بسنن الترمذي.

هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى الترمذي، نسبةً إلى مدينة تِرْمِذ على نهر جيحون فيما وراء النهر. وُلد سنة 209 هـ في القرن الثالث الهجري، وهو عصر تدوين السنّة وتنقيتها، فنشأ طالبًا للحديث، ورحل في طلبه إلى خراسان والعراق والحجاز، ولقي كبار الأئمة وسمع منهم، فكان ممّن جمع بين سعة الرحلة ودقّة الحفظ.
ولزم الإمام الترمذي شيخَه أبا عبد الله البخاري ملازمةً خاصّة، حتى روى عنه وتأثّر بمنهجه في العلل والتمييز بين الرواة، وأخذ أيضًا عن مسلمٍ وأبي داود وطبقتهم. وشهد له الأئمة بالإمامة في هذا الشأن؛ فقد وصفوه بالحفظ والإتقان والورع، وعُدّ من نقّاد الحديث الذين يُرجَع إلى أحكامهم، لا مجرّد جامعٍ ناقل.
وذكرت المصادر أنه كُفَّ بصره في أواخر عمره فأمضى سِنيه الأخيرة ضريرًا، ولم يزده ذلك إلا اجتهادًا في العلم ونشره. تُوفّي رحمه الله سنة 279 هـ بنواحي تِرْمِذ، وترك للأمة مصنّفاتٍ نافعة أجلُّها «الجامع» و«العلل» و«الشمائل»، فبقي ذكره حيًّا في حِلَق الحديث إلى اليوم.
سمّى الترمذي كتابه «الجامع» لأنه لم يقصره على أحاديث الأحكام كما تصنع كتب «السنن»، بل جمع فيه أبواب الدين على اتّساعها: العقائد والأحكام والرقائق والآداب والتفسير والسِّيَر والمناقب والفتن. فالجامع في اصطلاح المحدّثين هو الكتاب الذي يستوعب أصناف العلم كلَّها، ولذلك كان كتاب الترمذي جامعًا حقًّا لا سُننًا فحسب، وإن غلب على ألسنة الناس أن يسمّوه «سنن الترمذي».
وقد أنزله العلماء منزلةً رفيعة، فعدّوه أحد الكتب الستة التي عليها مدار السنّة النبوية بعد كتاب الله؛ وهي: صحيحا البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه. غير أن الترمذي امتاز عن أقرانه بأنه لم يكتفِ بجمع الحديث، بل جعل كتابه مدرسةً في نقد الرواية وفقه الأحكام في آنٍ واحد.
ومن دقيق صنيعه أنه عرض كتابه على أهل العلم في الأمصار فرضُوا به، واعتزّ بما بلغه من القبول حتى صرّح بمنزلته عنده، فنقلت عنه هذه الكلمة المشهورة التي تختصر ثقته بما جمع.
صنّفتُ هذا الكتاب فعرضتُه على علماء الحجاز والعراق وخُراسان فرضُوا به، ومَن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبيٌّ يتكلّم.
يمتاز «الجامع» بأنه لا يكاد يترك حديثًا إلا أتبعه بالحكم عليه؛ فيقول عقب الرواية: هذا حديثٌ صحيح، أو حسنٌ صحيح، أو حسنٌ غريب، أو غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وربما نبّه على علّته أو على ضعف راويه. وبهذا صار الكتاب كأنه درسٌ متّصلٌ في علم مصطلح الحديث، يتعلّم منه القارئ كيف يزن الرواية ويميّز مقبولها من مردودها.
وارتبط باسم الترمذي مصطلح «الحديث الحسن»؛ فهو وإن لم يكن أوّل من نطق به، إلا أنه أشاعه وأكثر من استعماله وحدّ حدَّه، حتى صار علَمًا عليه. وقد بيّن مراده به في «العلل» الذي ختم به كتابه، فجعل الحديث الحسن قسمًا وسطًا بين الصحيح والضعيف، وضبط له شروطًا تعرفها من عبارته نفسها.
ولم يقف الترمذي عند الرواية والحكم، بل ضمّ إلى ذلك فقه الأبواب؛ فكان يذكر عقب الحديث مذاهب الصحابة والتابعين والأئمة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ويبيّن ما عليه العمل عند أهل العلم، وأين وقع الخلاف. فاجتمع في كتابه ما يتفرّق في غيره: رواية المحدّث، ونظر الفقيه، ونقد الناقد، وهو سرُّ تفرّده بين دواوين السنّة.
ما ذكرنا في هذا الكتاب «حديثٌ حسن» فإنما أردنا به حُسنَ إسناده عندنا: كلُّ حديثٍ يُروى لا يكون في إسناده مَن يُتَّهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًّا، ويُروى من غير وجهٍ نحوَ ذلك.
رتّب الترمذي كتابه على الكتب والأبواب الفقهية، على نحو ما جرى عليه أصحاب السنن؛ فبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم النكاح والبيوع والأحكام والدِّيات، ثم انتقل إلى أبواب التفسير والدعوات والمناقب وصفة القيامة والزهد وأشراط الساعة. فجاء الكتاب سائرًا مع حاجة المسلم في عبادته ومعاملته وآدابه واعتقاده، مادّته قرابة أربعة آلاف حديث بأسانيدها.
ومن أنفس ما في الكتاب خاتمته المعروفة بـ«كتاب العلل» أو «العلل الصغير»، وهو فصلٌ ضمّنه الترمذي خلاصة منهجه؛ فبيّن فيه اصطلاحه في التصحيح والتحسين والتضعيف، وتكلّم على الرواة جرحًا وتعديلًا، وشرح شيئًا من دقائق هذا العلم. فصار هذا الفصل بمنزلة المفتاح الذي يُقرأ به الكتاب كلُّه، ومرجعًا مستقلًّا في علم العلل عند طلبة الحديث.
وهذا الجمع بين الرواية المسندة والحكم النقدي وفقه الأبواب هو ما جعل «الجامع» صالحًا لأكثر من قارئ: يجد فيه المبتدئ متنًا ميسورًا مرتّبًا، ويجد فيه المتفقّه مذاهب العلماء مجموعة، ويجد فيه المحدّث درجات الأحاديث محرّرة، فقلّ أن يخرج منه أحدٌ بغير فائدة تناسب مقصده.
ظلّ «الجامع» قرونًا من أمّهات الكتب التي تُقرأ وتُدرَّس وتُروى بالأسانيد في مشارق الأرض ومغاربها، لا سيّما في بلاد المشرق والهند حيث عُني به علماء الحديث عنايةً بالغة. وهو من الكتب التي لا يستغني عنها طالب علمٍ يريد أن يجمع بين معرفة درجة الحديث ومعرفة ما استنبطه الفقهاء منه.
وقد أُلِّف عليه من الشروح ما يليق بمنزلته؛ فمن أقدمها «عارضة الأحوذي في شرح الترمذي» للقاضي أبي بكر ابن العربي المالكي، ومن أوسعها وأشهرها اليوم «تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي» للشيخ عبد الرحمن المباركفوري، وله أيضًا «قوت المغتذي» للحافظ السيوطي، و«العرف الشذي» للشيخ أنور شاه الكشميري. وهي شروحٌ تعتني بألفاظ الأحاديث ومعانيها ومذاهب الفقهاء وأحكام الأسانيد.
وطُبع الكتاب مرارًا وحُقِّق تحقيقاتٍ متعدّدة، من أشهرها تحقيق أحمد شاكر ومَن أكمل عمله، وتحقيق بشّار عوّاد معروف. وبقي أثره أعظم من أن يُحصى بعدد الطبعات؛ فهو الكتاب الذي علّم أجيال الأمة كيف تُوزن الرواية وتُقرأ مع فقهها، حتى صار «حسنٌ صحيح» و«حسنٌ غريب» من عبارات الترمذي التي يعرفها كلُّ من قارب هذا العلم.
تستطيع أن تدخل الكتاب من بابه الفقهي الذي يشغلك؛ فتقرأ كتاب الطهارة أو الصلاة أو الصيام أو البيوع، فتجد أحاديث الباب مجموعة بين يديك، يتبع كلَّ حديثٍ حكمُ الترمذي عليه وذكرُ ما عمل به الفقهاء، فتخرج بالحديث وفقهه معًا. أو ابدأ من أوّله واقرأه كتابًا كتابًا لتعيش منهج إمامٍ يجمع الرواية إلى الدراية.
ولا تفوّتك خاتمته في «العلل»؛ فاقرأها لتعرف بها مصطلحاته: ما معنى «حسنٌ صحيح» وما معنى «غريب»، فتزداد قراءتك للكتاب عمقًا. النصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابحث فيه عن بابٍ أو حديثٍ أو راوٍ، وانتقل بين كتبه بيسر، وتتلمذ على واحدٍ من أعظم دواوين السنّة.
النص الكامل بين يديك
سنن الترمذي كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل