عن الكتاب
ماذا لو كان في رأسك عقلان لا عقلٌ واحد: عقلٌ سريعٌ يقفز إلى الأحكام في طرفة عين بلا كلفةٍ ولا تردّد، وعقلٌ بطيءٌ متأنٍّ يزن الأمور ويحسب لكنه كسولٌ نادرًا ما يتحرّك؟ من هذه الثنائية البسيطة في ظاهرها بنى أحد أعظم علماء النفس في عصرنا خريطةً مدهشةً لكيفية تفكيرنا، كشف فيها كيف تخدعنا حَدْسنا وتضلّلنا اختصاراتنا الذهنية دون أن ندري. إنه سِفرٌ يعيد النظر في ثقتنا بأنفسنا وقراراتنا، ويجمع خلاصة نصف قرنٍ من البحث في العقل البشري. إنه «التفكير السريع والبطيء» للعالم دانيال كانمان.

دانيال كانمان (1934–2024م) عالم نفسٍ أمريكيٌّ إسرائيليٌّ يُعدّ من أكثر الباحثين تأثيرًا في فهم كيفية اتخاذ الإنسان لقراراته وأحكامه. أفنى عمره في دراسة الحُكم والاختيار في ظلّ عدم اليقين، فكشف أنّ العقل البشري لا يفكّر كآلةٍ منطقيةٍ باردة كما تفترض النظريات الاقتصادية القديمة، بل يقع في أخطاءٍ منتظمةٍ يمكن التنبّؤ بها. وقد توّج هذا المسار بحصوله على جائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية سنة 2002م، في سابقةٍ لافتةٍ إذ ناله عالِمُ نفسٍ عن عملٍ غيّر وجه علم الاقتصاد نفسه.
ولا يُذكر كانمان إلا ويُذكر معه رفيق دربه العالم عاموس تفيرسكي، الذي جمعته به شراكةٌ فكريةٌ نادرةٌ امتدّت سنواتٍ طوالًا، أثمرت أبحاثًا صارت حجر الأساس لما يُعرف اليوم بالاقتصاد السلوكي. غير أنّ تفيرسكي وافته المنيّة سنة 1996م قبل أن تُمنح الجائزة، فلم يشاركه شرفها؛ وقد جاء هذا الكتاب في كثيرٍ من صفحاته وفاءً لتلك الشراكة واعترافًا بفضلها.
صدر «التفكير السريع والبطيء» بالإنجليزية سنة 2011م، وهو خلاصة مسيرة كانمان العلمية موجّهةً لأوّل مرّةٍ إلى القارئ العام لا إلى المتخصّصين وحدهم. فجاء أشبه بوصيّةٍ فكريةٍ يلخّص فيها العالمُ الكبير ما تعلّمه عن العقل البشري طوال حياته، بلغةٍ رصينةٍ واضحةٍ تحمل خبرة عمرٍ كامل.
يقوم الكتاب على استعارةٍ مركزيةٍ تنتظم فصوله كلّها: أنّ في ذهننا نظامين للتفكير. «النظام الأول» سريعٌ تلقائيٌّ حدسيٌّ، يعمل بلا جهدٍ ولا إرادة، فهو الذي يقرأ ملامح الغضب في وجهٍ في لمحة، ويكمل عبارة «اثنان زائد اثنين»، ويقود السيارة في طريقٍ خالٍ. أما «النظام الثاني» فبطيءٌ متأنٍّ يتطلّب مجهودًا وتركيزًا، وهو الذي نلجأ إليه حين نحلّ مسألةً حسابيةً معقّدة أو نملأ استمارةً أو نزن قرارًا مصيريًّا.
ومكمن الطرافة والخطورة معًا أنّ النظام الأول هو من يُدير حياتنا في معظم الأوقات، بينما النظام الثاني كسولٌ يميل إلى المصادقة على أحكام رفيقه السريع دون تمحيص. فحين يعجز النظام الأول عن الجواب يستدعي النظام الثاني، لكنه في الغالب يكتفي بتزكية الانطباع الأول بدل أن يراجعه. ومن هنا تتسلّل إلينا كثيرٌ من الأخطاء، لا لأننا أغبياء، بل لأنّ عقلنا صُمّم ليوفّر الجهد ما استطاع.
وبهذه العدسة المزدوجة يعيد كانمان تفسير سلوكنا اليومي: لماذا نثق بانطباعاتنا الأولى، ولماذا نتعب من التركيز الطويل، ولماذا تنطلي علينا الحيل التي تخاطب حدسنا. فالكتاب ليس تصنيفًا تشريحيًّا للدماغ بقدر ما هو حكايةٌ عن التجاذب الدائم بين قوّةٍ سريعةٍ سخيّةٍ بالأحكام، وقوّةٍ بطيئةٍ حذرةٍ نادرًا ما تتدخّل.
يقودنا كانمان في رحلةٍ ممتعةٍ بين «الاختصارات الذهنية» (الاستدلالات) التي يلجأ إليها النظام الأول ليصدر أحكامه بسرعة، وما ينجم عنها من انحيازاتٍ منهجية. فهناك «أثر الترسيخ» حيث يعلق في أذهاننا رقمٌ عرضيٌّ فيؤثّر في تقديراتنا اللاحقة، و«الاستدلال بالمتاح» حيث نقدّر احتمال وقوع أمرٍ بقدر سهولة استحضاره من الذاكرة لا بقدر شيوعه فعلًا، فنبالغ في الخوف مما تضخّمه الأخبار ونستهين بما هو أخطر.
ومن أعمق ما يكشفه الكتاب مبدأ «ما تراه هو كل ما هناك»؛ إذ يبني عقلنا قصّةً متماسكةً من المعلومات المتاحة له وحدها، غير عابئٍ بما يجهله، فيمنحنا ثقةً زائفةً وشعورًا بالفهم لا يقوم على أساسٍ متين. ومن هنا ينبع «وهم الفهم» و«الثقة المفرطة»، حيث نظنّ أنّنا نفهم الماضي فنتوهّم قدرتنا على التنبّؤ بالمستقبل، ونركن إلى خبراءَ حدْسُهم في كثيرٍ من المجالات لا يفضُل الصدفة.
ويشرح كانمان كذلك ظواهر كـ«الارتداد إلى المتوسّط» التي نسيء تفسيرها فنعزوها إلى أسبابٍ وهمية، ويبيّن كيف أنّ هذه الأخطاء ليست عشوائيةً بل منتظمةٌ مشتركةٌ بين البشر جميعًا، تصدر عن بنية عقولنا نفسها. والوعي بها، كما يلحّ، لا يحصّننا منها تمامًا، لكنه يعلّمنا متى نتوقّف ونستدعي التفكير البطيء المتأنّي.
في قلب الكتاب تقبع «نظرية التوقّع» التي وضعها كانمان وتفيرسكي، وكانت من أبرز أسباب نيله جائزة نوبل. ومفادها أنّ الناس لا يقيّمون المكاسب والخسائر بقيمتها المطلقة كما يفترض المنطق الاقتصادي، بل قياسًا إلى نقطة مرجعيةٍ يقفون عندها؛ فالتحوّل من امتلاك المال إلى فقده وقعٌ في النفس أشدّ من فرحة كسب المبلغ ذاته.
ومن هذه النظرية يتفرّع مبدأ «النفور من الخسارة»: أنّ ألم الخسارة يفوق لذّة الربح المكافئ له بنحو الضِّعف في إحساسنا، فنحن نكره أن نخسر أكثر مما نحبّ أن نربح. وهذا وحده يفسّر كثيرًا من سلوكنا الذي يبدو غير عقلاني: تمسّكنا بما نملك، ونفورنا من المخاطرة حين نكون في موضع ربح، واندفاعنا إليها حين نواجه خسارةً محقّقة.
ويكشف كانمان أيضًا «أثر الصياغة»، وهو أنّ الطريقة التي يُعرض بها الخيار، لا مضمونه فحسب، تغيّر قرارنا؛ فوصف عمليةٍ جراحيةٍ بأنّ «تسعين في المئة ينجون» يبعث على الطمأنينة، ووصفها بأنّ «عشرة في المئة يموتون» يبثّ الخوف، والحقيقة واحدة. وبهذه الأفكار مدّ كانمان جسرًا بين علم النفس والاقتصاد، فأرسى دعائم حقلٍ جديدٍ بأكمله.
في القسم الأخير من الكتاب يفتح كانمان بابًا مدهشًا حول معنى السعادة نفسها، فيميّز بين «ذاتٍ مُجرِّبة» تعيش اللحظة كما هي وتشعر بها وهي تمرّ، و«ذاتٍ مُتذكِّرة» تروي لنا قصّة ما عشناه بعد انقضائه وتحكم عليه. والغريب أنّ التي تقرّر وتختار وتحدّد رضانا عن حياتنا هي الذات المتذكِّرة، لا التي عاشت التجربة فعلًا.
ويبيّن أنّ ذاكرتنا لا تحسب مجموع اللحظات الطيّبة أو الأليمة، بل تختصر التجربة كلّها في ذروتها وفي كيفية انتهائها، وهو ما يسمّيه «قاعدة الذروة والنهاية»، مع إهمالٍ لافتٍ لطول المدّة. ولذلك قد نحكم على إجازةٍ قصيرةٍ ختامها جميلٌ بأنها أسعد من أخرى أطول وأمتع لكن نهايتها كدّرتها، فالذاكرة تخون حساب اللذّة.
ومن هنا يطرح كانمان «وهم التركيز»؛ وهو أنّنا حين نفكّر في أثر شيءٍ على سعادتنا نبالغ في تقدير أهميّته لمجرّد أنّنا نركّز عليه في تلك اللحظة، فيبدو أعظم شأنًا مما هو عليه في مجرى الحياة. وبهذه الفروق الدقيقة يدعونا الكتاب إلى إعادة النظر في معنى الحياة الجيّدة، وفي ما نظنّه مصدرًا لرضانا.
حقّق «التفكير السريع والبطيء» انتشارًا هائلًا؛ فبِيعت منه ملايين النسخ، وتصدّر قوائم الأكثر مبيعًا، وتُرجم إلى عشرات اللغات، وامتدّ أثره إلى الاقتصاد وإدارة الأعمال والطبّ والسياسات العامة وصناعة القرار، حتى صار من الكتب القليلة التي يُعدّ الاطّلاع عليها جزءًا من الثقافة العامة لكل مهتمٍّ بالفكر والسلوك. وأشاد به كثيرٌ من العلماء والكتّاب بوصفه تتويجًا لمسيرةٍ علميةٍ فذّة، وخلاصةً لأبحاثٍ غيّرت فهمنا لأنفسنا.
ولم يخلُ الأمر من نقاش؛ فبعض القرّاء رآه كثيفًا مطوّلًا يحتاج إلى صبرٍ وتأنٍّ، وطالت بعضَ الدراسات التي استشهد بها، لا سيّما في باب التهيئة الذهنية، انتقاداتٌ تتّصل بقابلية تكرار نتائجها في موجة ما عُرف بـ«أزمة إعادة الإنتاج» في علم النفس، وهو ما أقرّ المؤلف نفسه لاحقًا بشأن جزءٍ منها. غير أنّ هذا لم يُنقص من مكانة الكتاب بوصفه معلمًا فكريًّا جامعًا لثمرة عقودٍ من البحث الرصين.
يناسب الكتابُ كلَّ من يريد أن يفهم كيف يفكّر ويقرّر حقًّا، ومن يتّخذ القرارات في عمله أو حياته ويطمح إلى تجنّب فخاخ الحدس، ومن يهوى علم النفس والاقتصاد السلوكي والفكر عمومًا. وهو كتابٌ يكافئ القارئ المتأنّي أكثر من العَجِل، فليس دليلًا سريعًا بخطواتٍ مرقّمة بل رحلةٌ فكريةٌ عميقة. ونقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يقرّب مضمون الكتاب ومكانته، لا نسخةً كاملةً منه؛ فالكتاب متوفّرٌ بطبعاته العربية والأجنبية لمن أراد قراءته كاملًا.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون