عن الكتاب

الترغيب والترهيب

في زمنٍ تعاقبت فيه المحن على المشرق الإسلامي، كان بمصرَ حافظٌ ورعٌ لزم دار الحديث لا يكاد يفارقها، قد نذر عمره لخدمة سنة النبي ﷺ. جمع همّته على غايةٍ واحدة: أن يسوق للناس ما يحبّب إليهم الطاعة ويرغّبهم في جزيل ثوابها، وما يزهّدهم في المعصية ويخوّفهم من وبيل عقابها، حديثًا حديثًا، مبوَّبًا مرتَّبًا، مميَّزًا صحيحُه من ضعيفه. فخرج من ذلك سِفرٌ عظيمٌ صار أشهر ما أُلّف في بابه وأجمعه، تُقرأ منه القلوب قبل الأعين، وتتناقله المجالس جيلًا بعد جيل. إنه «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري.

غلاف الترغيب والترهيب
المؤلف
الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري
المولد والوفاة
وُلد سنة 581 هـ بالقاهرة، وتوفي بها سنة 656 هـ
النوع
الحديث النبوي · الترغيب في الطاعات والترهيب من المعاصي
عدد الأحاديث
نحو خمسة آلاف حديث، مرتَّبة على الكتب والأبواب
المكانة
أجمع كتب الترغيب والترهيب وأشهرها وأوسعها انتشارًا
أشهر ما خُدم به
«صحيح الترغيب والترهيب» و«ضعيف الترغيب والترهيب» للألباني

من هو الحافظ المنذري؟

هو الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، شاميّ الأصل، مصريّ المولد والدار؛ وُلد بالقاهرة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، ونشأ بها طالبًا للعلم، فسمع الحديث من شيوخ عصره ورحل في طلبه، حتى برع في متونه ورجاله وعلله، وصار من كبار حفّاظ زمانه، يُلقَّب بمحدّث الديار المصرية وشيخها.

تولّى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة التي أنشأها السلطان الملك الكامل الأيوبي، فكان من أوائل من جلس فيها للإسماع والتحديث، ولزمها في أواخر عمره لزومًا يكاد لا يفارقها، منقطعًا للعلم والعبادة، معروفًا بالورع والزهد وحسن السمت. وكان شافعي المذهب، مقدَّمًا في الجرح والتعديل، يُرجع إليه في تصحيح الأحاديث وتعليلها.

ولم يكن «الترغيب والترهيب» وحده ثمرة علمه؛ فله «مختصر صحيح مسلم» و«مختصر سنن أبي داود» مع الكلام على عللها، و«التكملة لوفيات النقلة» في تراجم من مضى من أهل الحديث، وغير ذلك. وقد تخرّج به جماعةٌ من الحفّاظ ونقلوا عنه. توفي بالقاهرة سنة ست وخمسين وستمائة، وهي السنة التي سقطت فيها بغداد بيد التتار، فكأن رحيله ختمٌ لعصرٍ ومطلعٌ لآخر.

باعث التأليف وفنّ الترغيب والترهيب

«الترغيب والترهيب» فنٌّ قديمٌ من فنون التصنيف الحديثي، مقصوده جمعُ الأحاديث التي تُرغِّب في الطاعات وتبيّن جزيل ثوابها، والأحاديث التي تُرهِّب من المعاصي وتحذّر من عقابها، ليجتمع للمسلم الباعثان: باعث الرجاء وباعث الخوف، وهما جناحا السير إلى الله. وقد صنّف قبل المنذري في نحو هذا الباب جماعةٌ، كقوّام السنة أبي القاسم الأصبهاني في كتابه «الترغيب والترهيب»، لكنّ كتاب المنذري فاق ما قبله جمعًا وترتيبًا وتحريرًا حتى غطّى على غيره.

عاش المنذري في العصر الأيوبي، وهو عصرُ إحياءٍ للسنة ومدارسها، كثرت فيه دور الحديث والأوقاف على العلم. وفي مثل هذه البيئة نبتت همّته لأن يقدّم للعامة والخاصة زادًا إيمانيًّا عمليًّا: لا مسائلَ خلافيةً معقّدة، بل أحاديثَ تُلين القلب وتحرّك الجوارح إلى الخير وتزعها عن الشر. فجاء كتابه وعظًا بالمأثور، وتربيةً بالحديث الصحيح والحسن، لا بالقصص والموضوعات.

وقد رتّب المادة على أن يُتبع الترغيبَ في كل بابٍ ترهيبٌ يقابله؛ فيُذكر فضل الصدق وثوابه، ثم يُذكر قبح الكذب ووعيده، ليجد القارئ بين يديه الدواءين معًا. ومن روح الكتاب في جانب الترهيب ما ثبت من قوله ﷺ.

اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامة.
رواه مسلم

منهجه: بين الجمع والتمييز

يمتاز المنذري بأنه لم يكن جامعًا فحسب، بل ناقدًا مميِّزًا؛ فقد وضع في مقدمته اصطلاحًا لطيفًا يدلّ به على درجة الحديث من غير أن يُثقل كل موضعٍ بالكلام: فما صدّره بصيغة الجزم كقوله «عن فلان أن رسول الله ﷺ قال» أشار به إلى أن إسناده صحيحٌ أو حسنٌ أو قريبٌ منهما، وما صدّره بصيغة التمريض كقوله «ورُوي» و«ويُذكر» نبّه به على أن في إسناده ضعفًا أو مقالًا. فبمجرد أن يقرأ العارفُ مطلعَ الحديث يعرف رتبته.

ثم هو بعد ذلك يعزو الحديث إلى مخرجيه، فينقل من الصحيحين والسنن الأربعة ومسند أحمد ومعاجم الطبراني ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي وغيرها، ويعقّب أحيانًا ببيان حال الإسناد فيقول «رواه فلانٌ بإسنادٍ جيّد» أو «وفيه فلانٌ وهو ضعيف»، فيجمع للقارئ بين متن الحديث ومظانّه وتقويم سنده في موضعٍ واحد. وهذا الصنيع جعل الكتاب مرجعًا لا كتاب وعظٍ فحسب.

وقد جرت عادة كثيرٍ من العلماء بالتساهل في إيراد الضعيف في فضائل الأعمال، فأمّا المنذري فسلك مسلكًا وسطًا: يورد وينبّه، ويُبقي للقارئ بصيرةً بما يأخذ. غير أن معايير المتأخرين في التصحيح والتضعيف قد تطوّرت واشتدّت، فجاء من نقد بعض أحكامه وحرّرها على قواعد الصناعة الحديثية، كما سيأتي.

بناء الكتاب وأبوابه

رتّب المنذري كتابه على «الكتب» و«الأبواب» جريًا على طريقة المحدّثين، فبدأ بما يُؤسَّس عليه العمل من الإخلاص والنية والعلم، ثم مضى في أبواب الطهارة والصلاة والمساجد وتلاوة القرآن والذكر والدعاء، فالصدقة والزكاة، فالصيام وقيام الليل، فالحج والعمرة والجهاد، إلى سائر أبواب البرّ وصلة الرحم وحسن الخلق.

وفي كل بابٍ يسوق ما وردَ من الترغيب في فضله وثوابه، ثم يُتبعه بما ورد من الترهيب من ضدّه؛ فأبواب الفضائل تقابلها أبواب الكبائر والمعاصي: الغيبة والنميمة، والكذب والغش، والربا وأكل الحرام، والكبر والحسد وقسوة القلب، وغير ذلك مما يُزهَّد فيه ويُخوَّف من عاقبته. فالكتاب رحلةٌ منظّمةٌ بين محاسن الأعمال ومساوئها.

ومن نماذج الترغيب التي حفلت بها أبوابه ما اتفق عليه الشيخان من قوله ﷺ: «مَنْ صَامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه.» فمثل هذا الحديث هو لبنة الكتاب: بشارةٌ بالثواب تبعث على العمل، مقرونةٌ بشرط الإخلاص في قوله «إيمانًا واحتسابًا».

مَنْ صَامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه.
متفق عليه

أثره وأشهر ما خُدم به

ما إن انتشر «الترغيب والترهيب» حتى صار عمدة الوعّاظ والخطباء وطلبة العلم في أبواب الرقائق وفضائل الأعمال، تُقرأ منه المجالس، ويُنقل عنه في كتب التربية والسلوك، لأنه جمع لهم المادة الصحيحة والحسنة في نسقٍ سهل الوصول، وكفاهم مؤونة البحث والتخريج.

ولمّا كان الكتاب واسع الرواية، فيه الصحيح والحسن والضعيف، عُني المتأخرون بتحرير أحاديثه على قواعد النقد؛ وأشهر من خدمه في العصر الحديث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، إذ قسّمه إلى كتابين: «صحيح الترغيب والترهيب» و«ضعيف الترغيب والترهيب»، فأفرد المقبول من المردود، فصار ذلك عونًا لمن أراد الاطمئنان إلى ما يصحّ نسبته إلى النبي ﷺ. وقد طُبع الأصل مرارًا في مجلداتٍ عدّة بتحقيقاتٍ مختلفة.

وبهذا بقي كتاب المنذري حيًّا متجدّدًا: يُقرأ أصلُه لجمعه وحسن ترتيبه، وتُراجَع أحكامه على ضوء تحقيقات المتأخرين، فاجتمع له فضل السبق وبركة العناية المتّصلة به جيلًا بعد جيل.

كيف تقرؤه على رحلة؟

أفضل ما يُنتفع به هذا الكتاب أن تختار بابًا يخصّ حاجتك: إن أردت أن تُنشّط نفسك للصلاة أو الصدقة أو الصيام، فاقرأ باب الترغيب فيه؛ وإن أردت أن تزع نفسك عن الغيبة أو الكذب أو حرامٍ تخافه، فاقرأ باب الترهيب منه. ودَعِ الأحاديث تعمل في قلبك قبل أن تجمعها في ذهنك.

وعلى رحلة تجد النص كاملًا مرتَّبًا على كتبه وأبوابه كما وضعه المنذري، مع فهرسٍ يوصلك إلى البابِ الذي تريد بضغطةٍ واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. ابدأ بكتاب الإخلاص والنية، ثم انتقِ من أبواب الترغيب والترهيب ما يصلح به قلبك ويقوّم به عملك.

أسئلة شائعة

ما هو كتاب الترغيب والترهيب؟
هو موسوعةٌ حديثيةٌ جمع فيها الحافظ المنذري أحاديث النبي ﷺ في الترغيب في الطاعات وبيان ثوابها، والترهيب من المعاصي والتحذير من عقابها، ورتّبها على الكتب والأبواب، ليجتمع للقارئ باعثا الرجاء والخوف في كتابٍ واحد.
من مؤلف الترغيب والترهيب ومتى توفي؟
مؤلفه الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، محدّث الديار المصرية وشيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة، شافعي المذهب. وُلد بالقاهرة سنة 581 هـ وتوفي بها سنة 656 هـ.
ما منهج المنذري في تمييز أحاديث الكتاب؟
وضع اصطلاحًا في مقدمته: فما صدّره بصيغة الجزم «عن فلان» أشار به إلى أن الحديث صحيحٌ أو حسنٌ أو قريبٌ منهما، وما صدّره بصيغة التمريض «ورُوي» و«ويُذكر» نبّه به على ضعفٍ في إسناده، ثم يعزو الحديث إلى مخرجيه ويعلّق أحيانًا على حال الإسناد.
هل كل أحاديث الترغيب والترهيب صحيحة؟
لا، فالكتاب واسع الرواية يجمع الصحيح والحسن والضعيف، وقد نبّه المنذري نفسه على الضعيف بصيغة التمريض. ولمن أراد التمييز الدقيق فقد حرّر الشيخ الألباني أحاديثه وقسّمها إلى «صحيح الترغيب والترهيب» و«ضعيف الترغيب والترهيب».
هل يمكن قراءة الترغيب والترهيب كاملًا مجانًا؟
نعم، النص الكامل متاح للقراءة مجانًا على رحلة، مرتَّبًا على كتبه وأبوابه كما وضعه المنذري، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي بابٍ أو حديثٍ بسهولة.

النص الكامل بين يديك

الترغيب والترهيب كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن